إختلاف الصوفية في المجاهدة

بسم الله الرحمن الرحيم

الناس في الوصول إلى الله تعالى على طريقتين:
__ (الطريقة الأولى): نظروا إلى (أصل الروح) وما كانت عليه من (الصّفاء والجلاء)،كالمرآة الصقيلة،ينطبع فيها كل ما يُقابلها من الماضي والآتي.لكن لما إتّصلت بهذا البدن إنطبع فيها (صور الأكوان) وغبش الحس،فحُجبت عن أصلها..
وهناك أمران يعوّقان الروح عن أصلها:
الأمر الأول: (ترك المُحاذاة / أي القرب والإتصال بالحضرة) بإشتغالها بالغفلة..فلو إنشغلت بذكر الله على الدّوام،وفَنيت عن غيره على التّمام،لإنْصَقلت مرآتها وتجلّت فيها حقائق الأشياء: ماضية وآتية..وفي الحديث: (لكل شيء مصقلة،ومصقلة القلوب ذكر الله). وهذا الذكر الذي يصقل القلوب،لا بد أن يكون (ذكراً واحداً،بقلب واحد،وهمّ واحد)،وإلا فلا يُجدي شيئاً.
الأمر الثاني: (الصّدأ) الذي ينطبع فيها،وهي (صور الأكوان) التي تنطبع في القلب حين يتعلّق بها (إعتقاداً أو إستناداً أو إهتماماً)..قال بعض الحكماء: [ إن السرّ الذي منّا كان في النفوس،هو كماء العيون،إذا غفل عن تخميلها وتجريّتها: غار،وتغطّى بالتراب،فلا يُخرجه إلا الحفير عليه بالفؤوس. كذلك (سرّ الحقيقة) كان ظاهراً في الأرواح حين كانت طاهرة من دَنَس الحسّ،أرأيت يوم الميثاق: كلها عرفت الحق وأقرّت به،فلما إتّصلت بهذا القالب الحسّي الكثيف،وتراكمت عليها ظلمة الغفلات والشهوات والعوائد،وألفت هذا العالم الحسي وركنت إليه: حُجبت عن ذلك السر،فلا يُخرجه إلا الحفر عليه بفؤوس المجاهدة والرياضة،وإنجماع القلب بالله،والمؤانسة به (ذكراً أو فكرة أو نظرة)،وإلا غار السرّ وغاب وذهب كالسّراب ]..
وأجمع الصوفية أن (علاج الروح) ونَيْل شفائها من مرضها،أقرب من علاج البدن وشفائه،إذا تمكّن منه الداء..قال الشيخ زروق: [ وأصل كل (داء جسماني) إنما هو فساد المزاج إلى أن يصير فعله وإنفعاله على غير (المجرى الطبيعي). وأصل كل (داء قلبي) إنما هو فساد القصد الذي عنوانه (الرضى عن النفس)،حتى يصير فعلها وإنفعالها على غير (المجرى الشرعي والتحقيقي)،بل هو وفق الهوى والأوهام الباطلة التي شأنها: (ضعف اليقين،ورقّة الديانة.. ]..
وعندما يتمّ (علاج النفس) من: (غفلاتها وشكوكها وخواطرها وإهتمامها بالرزق وتدبيرها وإختيارها وإنكارها وجهلها وسوء أدبها)،فإذا برئت من هذه الأمراض وتطهّرت من هذه الأخلاق،(صلُحت للحضرة،ومُتّعت بالنظرة في سُرور ونَضْرة).
وهذه الطريقة تسمى (طريق الإشراق)،وتسمى أيضاً (طريق الجلاء والتّصفية)،لأنها مبنية على (تصفية القلوب والسرائر)،بتخليتها من الرذائل وتحليتها بالفضائل.فإذا تخلّت من الأغيار والأكدار،أشرقت عليها شموس المعارف والأسرار..قال الشيخ زروق: [ وهذه الطريقة (لا ترتفع أبداً)،لكنها تارة تَجْري ب(إصطلاح الخلوات والتّربيات) ونحوها،وتارة ب(حفظ الأصول) فقط،وتارة ب(حفظ الحرمة)،وتارة ب(علو الهمّة وقوة الحزم والعزم)،وتارة بمجرد (التلقي والإلقاء). وهذه الأمور لا تزول أبد الآبدين،غير أن (الإصطلاح) قد إنقرض في هذه الأزمنة،وإرتفع إنتاجه حسبما دلّت عليه العلامات ويشهد عليه الإستقراء. قال الشيخ الحضرمي: (إرتفعت التربية بالإصطلاح في سنة 824 هجرية،ولم يبق إلا الإفادة بالهمّة والحال.فعليكم بالكتاب والسنة من غير زيادة ولا نقصان) يعني الجادة مع إلتزام الصدق،والله ولي التوفيق ]..

وقوله (يكفي فيه الهمّة والحال): لا نُسلّم له ذلك. لأن (تربية الهمّة والحال) دون (إصطلاح المقال)،لا يترقّى صاحبها من مقام إلى مقام،ولا من حال إلى حال. فلا يخرج من السلوك إلى الفناء،ولا من الفناء إلى البقاء،إلا بتربية المقال وهي (الإصطلاح). وإن أراد بالإصطلاح: (الخلوة وترتيب الأوراد)،فلا نسلم أيضاً أنه إنقطع،إذ من بلغ إلى درجة التربية يربّي كيف شاء..ف(شيخ التربية لا ينقطع أبداً عن تربية الهمّة والحال والمقال والإصطلاح)..وإذا كان الحضرمي تكلّم على ما ظهر له في زمانه،فلا يلزم عمومه فيما بعد..ف(نور النبوة في الزيادة لا في النقصان)،وقد وُجد بعد الحضرمي،وفي زمانه،رجال إتّفق الناس على تربيتهم ك(الغزواني،والتليدي،والهبطي،والمجذوب،والشرقي،ويوسف الفاسي،وعبد الرحمن الفاسي،ومحمد ين عبد الله) وغيرهم ممن لا يُحصى..وقد أدركنا في زماننا هذا رجالاً قد توفّر فيهم (شروط التربية على الكمال)،ذوو (همّة وحال ومقال): (عارفين راسخين كاملين)،تخرّج على أيديهم خلق كثير،وإنتفع بهم جمّ غفير..

__ (الطريقة الثانية): حاصل هذه الطريقة أنها شرطت (إصلاح الظاهر) أولاً وعلاجه،قبل (علاج الباطن)..وإكتساب العلم من خارج أسمى،أي أرفع وأعظم،لأنه دواء وشفاء للعلل الظاهرة،لقوله صلى الله عليه وسلم: (العلم إمام،والعمل تابعه)..وشرطت هذه الفرقة الثانية (تحصيل العلم الظاهر) لأنه مفتاح العلم الباطن،لأن الشريعة باب والحقيقة بيت،ولا مدخل للبيت إلا من بابه..
فلا يطمع أحد في علم الحقيقة والإطلاع على السرّ إلا بعد تحصيل أربعة علوم:
الأول: (علم الذات العالية)،ويكفيه أن يعتقد فيها أنها موجودة قديمة،باقية،منزّهة عن النقائص،متّصفة بصفات الكمالات.
الثاني: (علم الصفات)،ويكفيه أن يعتقد أن الذات العالية متّصفة ب(القدرة والإرادة والعلم والحياة والسمع والبصر والكلام).وإن زاد براهينها من الكتاب والسنة،فهو كمال.وإن أسعده الله بلقاء شيخ كامل رقّاه إلى علم الأذواق،وصار توحيده في معد الشّهود والعيان.
الثالث: (علم الفقه)،ويكفيه ما يُتقن به طاعته،وصلاته وصيامه.وإن كان له مال تعلم ما يجب عليه فيه.ولا يُقدم على أمر حتى يعلم حكم الله فيه..
الرابع: (علم الأحوال،والمقامات،والمنازلات،ومخادع النفوس ومكائدها) وما يجري مجرى ذلك من (آداب ومعاملات). وهذا الذي يختصّ به أهل هذا الفن.

وللناس فيه طريقان:
الأول: طريق رؤية الحق من أول قدم،والعمل على ذلك بالإنحياش إليه.وهو (طريق الشاذلية) ومن نحا نحوهم..
الثاني: طريق رؤية النفس وإطّلاع الحق عليها،والعمل على ذلك. وهي (طريق الغزالي) ومن جرى مجراه..
وكل منهما مستند لحديث: (أن تعبد الله كأنك تراه،فإن لم تكن تراه فإنه يراك)،فتمسّكت الشاذلية بصدر الحديث،والغزالي بآخره.

وهذه الطريقة تسمى (طريقة البرهان)،لأنها طريقة الترقيّة.لأنها أولاً تستدل بالأثر على المؤثر،ثمّ ترتقي إلى معرفة العيّان. بخلاف الطريقة الأولى،فقد إشتغلت بتصفية الروح،فإذا تصفّت وتطهّرت زال عنها الحجاب.
و(الطريقة الشاذلية) الحقيقية،من تأمّلها وجدها جمعت بين الطريقتين: (طريق الإشراق،وطريق البرهان)،لأن أشياخها الكمل يدلّون أولاً على (إتقان الشريعة) والفناء في العمل بها،ثم على (إتقان علم الطريقة)،ثم على (الحقيقة)..

الفقير الى عفو ربه رشيد موعشي

1٬023 : عدد الزوار