إنطماس علم التصوف

 إنطماس علم التصوف

الصوفية المحققون السالكين على منهاج المتقدمين قد قَلّوا جدّاً، حتى كأن علومهم ماتت وبَليت وصارت رَميماً، وطُرقهم قد طمست، وأذواقهم قد إندرست، ولم يبق على منهاجهم إلا القليل.وفي كل عصر يقول أهله: قد ذهب التصوف وذهب أهله،لما يرون ما إنكبّ عليه الجاهلون وما إستجلبه المدّعون.

قال الجنيد: “علمنا هذا الذي نتكلم فيه قد طُويَ بساطه منذ عشرين سنة،وإنما نتكلم في حواشيه”. وكان أيضاً يقول: “قد كنت أجالس قوماً سنين يتحاورون في علوم لا أفهمها ولا أدري ما هي،وما بُليت بالإنكار قط،كنت أتقبّلها وأحبها من غير أن أعرفها”.وكان أيضاً يقول: “كنا نتجارى مع إخواننا قديماً في علوم كثيرة ما نعرفها في وقتنا هذا،ولا سألني عنها أحد،وهذا باب كأنه أغلق ورُدم”.

وقال أبو طالب المكي في (قوت القلوب): “قال بعض علمائنا: أنا أعرف للمتقدمين سبعين علماً كانوا يتحاورونها ويتعارفونها في هذا العلم،لم يبق منها اليوم علماً واحداً.قال: وأعرف في زماننا هذا علوماً كثيرة من (الأباطيل والغُرور والدعاوي) قد ظهرت وسُميت علوماً.ثمّ قال: وكان إمامنا سهل يقول: بعد سنة (300) لا يَحلّ أن يُتكلّم بعلمنا هذا.يعني لقلة أهله،لأنه يحدّث قوم يستمعون الخلف ويتزيّنون بالكلام،(تكون مَواجيدهم لباسهم،ومعبودهم بطونهم،وحليتهم كلامهم)”.

وقال الأستاذ القشيري في صدر رسالته: “إعلموا رحمكم الله أن المحققين من هذه الطائفة إنقرض أكثرهم،ولم يبق في زماننا من هذه الطائفة إلا أثرهم..”،وفي معناه قيل:

أما الخيام فإنها كخيامهم_وارى نساء الحيّ غير نسائها .

قال إبن عربي الحاتمي: “قال هذا في زمانه حيث أدرك من تزيّا بزيّ القوم وخالفهم في باطنه،وأما اليوم فلا خيام ولا نساء”..

وكذلك قال أبو مدين في رائيته: (واعلم بأن طريق القوم دارسة___وحال من يدّعيها اليوم كيف ترى؟)..

وكذلك قال سيدي علي الجمل: “من تونس إلى واد نون،لا تجد من يتكلم في هذا العلم إلا رجل أو رجلين”،كناية عن قلّة وجود المحققين.ولا يدلّ هذا على إنقطاعهم،ففي كل زمان رجال يرحم الله بهم عباده،فالعدد المعلوم لا ينقطع حتى ينقطع الدين..وفساد الوقت لا يكون بذهاب أعدادهم ولا بنقص أمدادهم،ولكن إذا فسد الوقت كان مراد الله وقوع إختفائهم مع وجود بقائهم..فأولياء الله عرائس،ولا يرى العرائس المجرمون..

قال الشيخ أحمد إبن عجيبة/القرن الثاني عشر الهجري): وقد ظهرت هذه الطائفة (أعني الصوفية المحققين) في زماننا هذا،وإنتشرت معي والحمد لله إنتشاراً كثيراً منذ قَدم شيخ شيخنا مع شيخه (العربي الدرقاوي وعلي الجمل) على “بني زروال”،ففاض بحرهما،ثمّ إنتشر في البلاد. فلا تجد مدينة ولا قبيلة إلا وفيها عارفون وأولياء محققون،إلا قليلاً ممن بعد عنهم.فقد جدّدا الطريقة بعد دروسها ،وأشرقت على يديهما شموس الحقيقة بعد خمودهما،وكثر اللهج بذكر الله..فجزاهما الله عن المسلمين خيراً..

علم التصوف ومعانيه وأذواقه قد ذهب بذهاب أهله،وإندرس وخَفي،وما بَقي إلا رسوم وعلامات في كتبهم تدلّ على سيرهم وأخلاقهم..وهذه الرسوم التي لم تعف هي ما كانوا عليه من المجاهدة والمكابدة والمشاهدة،وما إتصفوا به من محاسن الأخلاق ومكارم الشيَم،وما شاهدوه من الكرامات والخوارق،وما نطقوا به من جواهر الحكم،وما إستخرجته أفكارهم من يواقيت العلوم ومخازن الفهوم.فهذه الأمور قد دُوّنت في الكتب،فلما ماتوا بقيت في أيدي الناس هي التي يتبعها الناس ويسلكون على طريقها..غير أن (السرّ) هو ما كان في بواطنهم،وما إشتملت عليه قلوبهم وأسرارهم،فلا يُؤخذ إلا منهم في حال حياتهم.فلو كان التصوف يؤخذ من الكتب لإختصّ به أرباب الأموال والعلماء أهل الظاهر،ولكن التصوف إنما هو أذواق،لا يُؤخذ إلا من أهل الأذواق..

طريق الصوفية (الذوقية) عويصة التّحرير،لأن العالم إن عبّر عنها بعبارة اللسان فاته الذوق والوجدان،وإن أشار إليها بالتلويح لا يفهمها أهل التصريح،فصعُب أمرها على كل حال،إلا على من أسعده الله بصحبة الرجال أهل الهمّة والتربية والحال،فيعبرون عنها بالمقال،ثمّ يُنهضون إليها بالذوق والحال.واما من لم يصحب الرجال،فلا يطمع أن ينالها بالمقال،لأنها أسرار الله يُبديها إلى أمناء أوليائه وسادات النبلاء من غير سماع ولا دراسة، وهي من الأسرار التي لم يُطلع عليها إلا الخواص،فإذا سمعها العوام أنكروها،ومن جهل شيئاً عاداه.

رشيد موعشي

المعهد الفاطمي المحمدي

76 : عدد الزوار