اطلاقية القرءان

اطلاقية القرءان

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الانبياء والمرسلين

 روى أبو داود في الزهد:قال حدثنا موسى بن إسماعيل، قال:حدثنا وهيب، قال: حدثنا أيوب عن أبي قلابة،عن أبي الدرداء، قال:” إنك لن تفقه كل الفقه حتى ترى للقرءآن وجوها كثيرة. وفي شرح السنة للإمام البغوي:”باب من قال في القرءآن بغيرعلم” قوله “قال حماد: قلت لأيوب: ما معنى قول أبي الدرداء:لا تفقه كل الفقه حتى ترى للقرآن وجوها كثيرة ؟ فجعل يفكر.فقلت: هو أن ترى له وجوها، فتهاب الإقدام عليه؟ فقال:هو ذاك،هو ذاك”.  وفي النهاية للعلامة ابن الأثير: “لا تفقه حتى ترى للقرءآن وجوها”أي: ترى له معاني يحتملها؛فتهاب الإقدام عليه                                                         .فمقولة أبي الدرداء معناها واضح،وتدعو لاعتباروجوه كثيرة للآية الواحدة،أي لابد أن يرى فى المعنى وجوها عدة،يجب تمحيصها والتفاضل بينها لاختيارأقربها للصواب.  ولكن ما مقياس الترجيح بين الوجوه ؟هل هى اللغة،هل السياق القرءاني،أم سبب النزول،هل قول أحد المفسرين به،هل الفتح…؟بعض الاخوان ان قلتَ له تفسير اية من كتاب الله، يقول لك من قال هذا.إن لم تقل له ابن عطية أو القرطبي أوغيرهما يرده ولا يعيره أي اهتمام ،تقليد أعمى،وإتباع ضال. فهل أغلقت الأبواب أمام استنباطات جديدة غير التى ذكرها المفسرين القدامى ؟.

عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :أنزل القرآن على سبعة أحرف لكل آية منها ظهر وبطن ولكل حد مطلع)رواه بن حبان والطبراني وغيرهما)

أما شرحه فقد نقل الشيخ شعيب الأرنؤوط في تحقيقه لكتاب صحيح ابن حبان بترتيب ابن لبان ما نصه:وقد فسر الطبري رحمه الله الجملة الأخيرة فقال: فظهره: الظاهر في التلاوة،وبطنه:ما بطن من تأويله.وعلق عليه الشيخ محمود شاكر،فقال: الظاهرهو ماتعرفه العرب من كلامها،وما لايعذرأحد بجهالته من حلال وحرام. والباطن هو التفسير الذي يعلمه العلماء بالاستنباط والفقه، انتهى.

وحكى ابن النقيب قولا آخرهو إن ظهرها ما ظهرمن معانيها لأهل العلم بالظاهر، وبطنها ما تضمنته من الأسرار التي أطلع الله عليها أرباب الحقائق. وما يؤيد هذا، ما أخرجه ابن أبي حاتم من طريق الضحاك عن ابن عباس قال:إن القرءآن ذو شجون وفنون وظهوروبطون ،لا تنقضي عجائبه ولا تبلغ غايته فمن أوغل فيه برفق نجا،ومن أوغل فيه بعنف هوى.أخباروأمثال،حلال وحرام،ناسخ ومنسوخ محكم ومتشابه،وظهر وبطن ،فظهره التلاوة ،وبطنه التأويل ،فجالسوا به العلماء وجانبوا به السفهاء.

فالقرءان كلام الله وليس مِلْكاً لأحد،والكلام صفة المتكلم،والحق مطلق،غيرمقيد،لا بالزمان ولا بالمكان فكلامه مطلق( قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل ان تنفد كلمات ربي ولوجئنا بمثله مدادا) نزل به الروح الامين والروح مطلق على سيدنا محمدصلى الله عليه وسلم(قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين)  والنورالمذكور هو سيدنا محمد والكتاب هوالقرءان، والنور مطلق ،وكلام الله مطلق ،والروح الامين مطلق، فأين التقييد؟ نزل بدون نقط وهذا اطلاق،رسمه اطلاق، الحروف المقطعة في أوائل بعض السورهي اطلاق،فإن لم يكن لها باطن فظاهرها لايفيد شيئا،عدم مشابهته لغيره من الكتب ،أي ليس له مقدمة ولا أبواب ولا يتقيد بتسلسل ما،ولم يقدرأحد ان يجد فيه اختلافا ،كل هذا دال على اطلاقيته. عجائبه لا تنقضي فبعض الايات القرءانية تبدوا،وكأن لا رابط بينها،ولكن هناك رابط باطني،رابط التجلي الإلهي،يربطها فيما بينها، كقوله تعالى(حَٰفِظُواعَلَى ٱلصَّلَوَٰتِ وَٱلصَّلَوٰةِ الوسطى وَقُومُواْلِلَّهِ قَٰنِتِينَ)قبلها وبعدها ورد الكلام على أحكام الطلاق .كما ان ترتيب الايات في القرءان الكريم توقيفي.

          أما الانسان فمقيد بطبعه لأنه تحت سيطرة العناصر الاربعة ،وتحت تجليات الاسماء الإلهية ومقتضياتها،مقيد بقالبه (لايستطيع الطيران مثلا، ولايرى ماخلفه) مقيد بالجهات الستة،مقيد بحواسه، بعقله،(والعقل من العقال أي التقييد) وبهذا فلا يستطع إدراك اطلاقية القرءان،فلا يدرك المطلق الا المطلق، وسيدنا محمد  من حيث وجهته الحقية النبوية مطلق،لأنها نور”كنت نبيا وادم بين الماء والطين”يعني انه  في تلك “الكينونة الأزلية” لم يكن لامن ماء ولا من طين،قال “إني لست كهيئتكم”فلاهيئة له تقيده،إنماظهرالخليفة،على صورة الخليقة،لكي يُبلغ رسالات ربه،ولكي لايعبد من دون الله،ليس له ظل،يرى من خلف كما من أمام،إذا مشى مع القوم كان أطولهم….  والقرءان صفته (كان خلقه القرءان كما قالت الصديقة عائشة رضي الله عنها) والصفة ملازمة للموصوف.فنبوته ورسالته تتصفان بالإطلاقية،تعارفهما كان في بساط الالوهية (قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين) عند “نزولهما”إلى عالم الظهور اختلفت الأمور. فكلام الله الأزلي وحروف اللغة ليست أزلية،ولايمكنها أن تساير حقائق الألوهية، فاللغة العربية محدثة ويُسِّرَالقرءان بها(إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ قُرۡءَٰنًا عَرَبِيّٗا لَّعَلَّكُمۡ تعقلون )(إِنَّا جعلناه قُرۡءَٰنًا عَرَبِيّٗا لَّعَلَّكُمۡ تعقلون )بالجعل،فتأمل،فلم يكن عربيا إنما جعل عربيا،وأنزل عربيا(لعلكم تعقلون)ولم يقل تعالى لعلكم تومنون، فكم من مومن حويصلته لن تستوعب هذا الكلام (وكيف تصبرعلى مالم تحط به خُبرا) بضم الخاء أما الخَبرفهو في متناول الجميع.قال تعالى(فإنما يسرناه بلسانك) (كتاب احكمت اياته ثم فصلت):فباللسان المحمدي العربي يُسِّرَ. لم يكن مُنقطا،والتنقيط قيده (ولو بقي بغير تنقيط  لما استطعنا قراءته)ولكي  يخرج من اغلال هذا التقييد جاء بشئ فريد: الرسم القرءاني، القراءات (انظر الى العظام كيف ننشرها)(انظر الى العظام كيف ننشزها…) الإمالة،اختلاف الضمائر(حتى اذا كــنتم في الفلك وجرين بهم)،التكرارالذي في الظاهر ،والنزول على سبعة أحرف، مخالفة اللغة بشكل خاص…والحروف المقطعة في أوائل السور،الإلتفات من الماضي الى المضارع،ومن المضارع للأمر،ومن الجمع الى المفرد…

فالرسالة مقيدة بالأحكام مطلقة بالحِكَم.والحذف الذي يلحق حروف العلة(و،أ،ي) يعني أن هناك قراءة اخرى للكلمة قال تعالى (ان الله يُدافع عن الذين ءامنوا)(ان الله يَدفع عن الذين ءامنوا) وإن لم تكن قراءة اخرى مأثورة ،فهناك معنى وراء ذلك فابحث عنه. فمثلا كلمة تراب ذكرت 17 مرة منها ماهو ثابت الألف ومنها ما هو محذوف الألف.ولا كلام لنا عن الذات الإلهية،هي غنية عن العالمين لا تطلب أحد ولايطلبها أحد،لأن كل من طلبها تعلق بها وقيدها،فهي مطلقة اطلاقية لا نعرفها ولاندركها.هي مطلقة حتى عن اطلاقنا،والألوهية قيدت نفسها حين أشارت إلى الهرولة،والضحك،والنزول(انظرالحديث)والمكر(ويمكرون ويمكرالله والله خير الماكرين)والاستهزاء( الله يستهزئ بهم)والكيد…و..وأُطلقت عند قوله تعالى (لا تدركه الابصار)(وليس كمثله  شئ). قوله تعالى(وما أرسلناك الارحمة للعالمين)إطلاق. ان لله 99 اسما،هذا تقييد بعدد،وفي حديث آخر: اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك،سميت به نفسك ،أوأنزلته في كتابك أوعلمته أحدا من خلقك،أوإستأثرت به في علم الغيب عندك…(الحديث)هذا اطلاق. 

 فمن اللازم الأدب مع كلام الله،ولا نًؤَوِّل كلام الله تأويلات على حسب هوانا،ولهذا السبب احتيج أهل الحقائق إلى من يأخذ بيدهم(هل اتبعك على ان تعلمني مما علمت رشدا).فمثلا كلمة ابليس كلمة مقيدة بالشخص الذي عصى الله،وأبى واستكبر،إن صرفتها الى غيرهذا الوجه، تكون قلت في كلام الله مالايحق،ولكن الحق سبحانه وتعالى عندما أراد اطلاقها،أعطى للإسم صفة : الشيطان (وبالحذف) وقال(فأزلهما ٱلشَّيۡطَٰنُ ) (لأتبعتم الشيطان) اتباع الصفات المذ مومة التي تبعدعن الله. صفات مشتركة (شياطين الانس والجن)كما أن هناك آيات في القرءان تقيد بعضها البعض.قال الله عز وجل (رحمتي وسعت كل شئ)قيدت بما بعدها (فسأكتبها للذين يتقون)وأخرجت إبليس من الرحمة. قال تعالى(لَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّافَرِيقاً مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ وَمَاكَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّالِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَمِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شيء حَفِيظٌ (سبأ) وإبليس مقربربوبية الله قال(إني أخاف الله رب العالمين).(وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ) فعمم ولا يخفى عليك أن لفظة(كل شئ) تقتضي الإحاطة والعموم،والشئ أنكرالنكرات،وابليس شئ فَدخل تحت حفظ الربوبية،فقد وسع هذا الحفظ ابليس في الدنيا دون الاخرة،لو لم يشمله هذا الحفظ ،لأفنته التجليات الإلهية الجلالية،ولم تتركه شيئا يذكر،ولو لم تشمله هذه الرحمة لما خرج من نسله مسلم موحد لله(وانا منا المسلمون ومنا دون ذلك) .

اما الصِفَة “المَلائكيَّة” يُمكِن أن تأتي اسما لِجنس،ويُمكن أن تأتي صِفَة وتَعني الخُلوصيَّة، والطَّهارَة،والنَّقاء وعَدم المَعصيَة،فإبليس هُو مِن الجنِّ جنسا؛وكانَ مِن المَلائِكَة صِفَة؛ فلمَّا أُمِر بالسُّجود وفسَقَ عَن أمرربِّه نُزعَت مِنه الصِفة وأُبْعد مِن رحمَة الله؛فأصبَح شَيطانا؛والشَّيطان مَأخوذ مِن الشَّطَط وهُوالبُعد من رحمة الله تَعالى؛ولِذا يشترك الإنس مَع الجِن في هذه الصِّفَة،وكذا يُمكِن أن يُشبَّه الإنسان بالمَلائِكة مَجازا إذا خلُصَ ونَقى وتطهَّر مِن الفحشاء .

اسماء الانبياء المحذوفة كماهوالشأن في اسم “ابراهيم”حذفت لوجود قراءة اخرى ب (ابراهام) والحذف يقول لك مقام ابراهيم يورث الى أمة سيدنا محمد ودليلك قول النبي  : “مثلك يا ابا بكر كمثل ابراهيم،ومثلك ياعمر كمثل نوح،ومثلك ياعثمان كمثل عيسى،ومثلك يا علي كمثل موسى…(الحديث)وفي اسم سيدنا موسى واسم سيدنا عيسى ليس هناك حذف ولكن هناك قراءة بالإمالة ،وقراءة ثالثة بالترقيق،وكل قراءة لها معناها الباطني.وإذا قلت وإسم سيدنا هود وسيدنا يونس،ويوسف … ليس بهم لا الحذف ولا الإمالة، قلت الإستمرارية في هذه  الحالة للقصة القرءانية التي تخصهم،هي التي تحمل المعاني والعبر والله اعلم.

في قصة سيدنا موسى عليه السلام الحق سبحانه مع عِلمه أنها عصا سأله(وما تلك بيمينك يا موسى) ليبين له أن الصورة الظاهرة في حقيقة الأمرتابعة للباطن (لهذا كتبت كلمة الظاهر محذوفة والباطن ثابتة في القرءان كله )والباطن هو التجلي الإلهي الحاكم على الشيء.حسيا كان أو معنويا،(السيرة الأولى كما سماها  الحق تعالى(سنعيدها سيرتها الأولى)تغيرعليها التجلي فانقلبت ثعبانا وخاف موسى.خاف من عصاه. فتأمل،وعندما تغيرعليه التجلي (فلما تجلى ربه للجبل). خر صعقا،كل هذه التجارب التي مرت به(مع فرعون ومع الخضر) جعلته يقول (ان هي الا فتنتك ) والفتنة اختلاف في الرأي  ومعارك(وان لم تكن معارك فهي فقط مشاداة كلامية)عرف سيدنا موسى أن الأمور كلها راجعة الى سلطان التجلي هوالذي له الحكم.فتنة تنتجها مشاجرات الأسماء الإلهية. الهادي يجر لمقتضياته والمضل لدائرته كذلك،والمعطي كذلك المانع، كذلك المنتقم…وهلم جرا… (ولوشاء ربك لجعل الناس امة واحدة ولايزالون مختلفين إلامن رحم ربك ولذلك خلقهم)خُلقنا للاختلاف(ما من دابة الاهوآخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم)الرب على صراط مستقيم ،وناصية الدابة بيده، فلا محالة الدابة على صراط مستقيم،واعوجاج القوس استقامته. فسلطان التجلي حاكم وعلى كل صغيرة وكبيرة قائم ،ولهذا ما كانت كلمة “عصاي” إلا أن تكتب ثابتة الألف(لا محذوف بين الصاد والياء)لأن الحكم لسلطان التجلي،فكل ما تعتمد عليه،هو عصاك سواء كان أمراحسيا،أومعنويا، مالا أو أولادا،أو زوجة أوأفكارا أوايديلوجية ، فالدساتير عصا الحكومات والشعب غنمها،و الافكار الشيوعية عصا الملحدين. وقس على هذا ماشئت(ولي فيها مآرب أخرى) لكل واحد منا عصاه ،عرف ذلك أم جهله.                   عندما ذهب الشاذلي للتربية، قال له ابن مشيش،ثلاثة مرات اذهب وتوضأ ولم يفهم الا بعد حين أن ابن مشيش يطلب منه أن يلقي جانباعصا العلم،والفقه، والنفس، وكلام القوم و…في الأسفل ،قبل الصعود الى قمة جبل العَلَم ،وتسليم نفسه للتربية. فألق عصاك جانبا إن أردت أن تسلك طريق القوم،وأن تسترجع عصاك سيرتها الأولى،فينفلق لك البحر، وينبجس لك الماء،وهش بها على غنمك بعد ذلك متى وكيف تشاء.وإلا فستبقى نفسك ثعبانا مبينا،وحية تسعى وتلدغ ،وجان يهتز. 

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد وعلى اله وصحبه

1٬040 : عدد الزوار