الانسان الكامل مصطلح غير كامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الانبياء والمرسلين،وعلى مولاتنا فاطمةَ الزهراء سيدة نساء العالمين،وعلى سيدتنا خديجةَ الكبرى امِّ المومنين،وعلى اله وصحبه اجمعين. هذا الموضوع فريد من نوعه اذ يبين ان مصطلح الانسان الكامل في حق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم غير صائب بل ربمافي شئ من التنقيص،فنظرية الإنسان الكامل في الفكر الصوفي،هي ذات اصول فلسفية كانت رائجة قبل الاسلام،وفي رأي المستشرق الانجليزي نيكلسون المتخصص في التصوف،أن الشيخ الاكبرهوأول من استعمل مصطلح الإنسان الكامل،وحدا حدوه الصوفية،والمهتمون بالتصوف وتداولوه في كتبهم ،ولم ينكره أحد.فالصوفية سموا الحقيقة المحمدية بعدة اسماء وأوصاف،وكثرة الاسماء تدل على اختلاف اراء المسمين،وتباين مقاماتهم، ومن يسعى الى معرفة الحقيقة المحمدية كمن يريد ان يرى الكون كله من ثقب الابرة، فما عساه أن يرى؟ وكثرة الاسماء تدل على شرف المسمى ،فالنبوة المحمدية واسطة في التجليات الالهية، لهذا تعددت مراتبها وحضراتها، فكل عارف،وصفها بما وصل إليه فتحه.وتبقى النبوة المحمدية وراء ذالك،متعددة التجليات، ومتعددة الصور، فاستحالت معرفتها والاحاطة بكنهها ،وقد تداول الصوفية في كتبهم هذه المصطلحات واشار اليها ابن عربي في كتابه التدبيرات الالهية: يقول: …وعبّرأهل الحقائق عن هذا الخليفة بعبارات مختلفة،لكل عبارة منها معنى،فمنهم من عبّرعنه بالإمام المبين،ومنهم من عبرعنه بالعرش،ومنهم من عبرعنه بمرآة الحق…و يضيف ،فأما ما أطلق عليه بعض المحققين:المادة الأولى،فكان الأولى أن يطلقوا عليه الممد الأول…. اهـ. وسموها بالانسان الكامل ،وكلمة انسان في القرءان ألسقت بها جميع الصفات المذمومة قال تعالى (وَكَانَ ٱلْإِنسَٰنُ كَفُورًا)،( وَكَانَ الْإِنسَانُ قَتُورًا)، (إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا) (وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا)،(ولَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ) (إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاَ) ، (قُتِلَ ٱلْإِنسَٰنُ مَا أَكْفَرَهُ) (إِنَّ ٱلْإِنسَٰنَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ)(كَلَّآإِنَّ ٱلْإِنسَٰنَ لَيَطْغَىٰٓ)(إِنَّ ٱلْإِنسَٰنَ لَفِى خُسْرٍ) (بَلْ يُرِيدُ ٱلْإِنسَٰنُ لِيَفْجُرَأَمَامَهُ) (إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ) (إِنَّ ٱلْإِنسَٰنَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ)(وَكَانَ ٱلْإِنسَٰنُ عَجُولًا)،(إِنَّ ٱلْإِنسَٰنَ لَكَفُورٌ) وجادل في الخلق والبعث (وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَئِذَا مَامِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا) (وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا) فهذه الصفات المذمومة لا يمكن ان تشمل سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم فلم يكن ظلوما،ولا جهولا،ولا كفورا، ولا جادل في الخلق والبعث ولا كان مغرورا قال تعالى (ياأَيُّهَا ٱلْإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ) وكان مذكورا قبل خلق ادم ،قال تعالى(هَلْ أَتَى عَلَى ٱلْإِنسَٰنِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا) وهو صلى الله عليه وسلم يقول” كنت نبيا وآدم منجدل في طينته “.وهذا التصريحات تقع على الصفة الإنسانية،التي لم يمدحها الحق تعالى قط ،وبنو ادم متفاوتون في أخلاقهم، ومختلفون في ألسنتهم،وألوانهم، وعقائدهم، ومساكنهم وبيئتهم ،في عيشهم لهذا وردت كلمة إنسان في القرءان محذوفة الالف . اما كلمة البشر فمأخوذة من البَشَرة، باعتبارظهور بشرته،وهي ظاهر الجلد،وابن ءادم هو أحسن الحيوان هيئة بخلاف كثيرمن المخلوقات التي يغطيها وبر،أو شعر، أو صوف فسمي بشراً.وسموا كذلك بشرا لظهورشأنهم؛لأن ءادم باشر تعالى خلقه بيديه فظهرعلى الملائكة وسجدوا له.قال تعالى(يَٰٓإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ).فهي أنسب في حق النبوة من كلمة الانسان والحق تعالى امره أن يعرف نفسه بها( قل انما انا شر مثلكم) وفي القرءان كلمة البشر،نعت بها الأنبياء والرسل كذالك . ففي بداية النشأة الانسان هوالبشر،والبشرهو الانسان خلقا : قال تعالى(وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلْإِنسَٰنَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإ مَّسْنُونٍ وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِالسَّمُومِ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ).فاجتمعت الصفتان(ٱلْإِنسَٰنَ)(والبَشَرً) في النشأة من صلصال من حمإ مسنون. وكذا في الخلق من طين.قال تعالى(واذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ) (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ). وورد مع ذكرالبشراسم الفاعل(خَالِقٌ) (اني خالق بشرا من طين) الذي يعود على الحق تعالى، واخبر الملائكة به،اما مع الانسان ورد الفعل(خَلَقْنَا) (ولقد خلقنا الانسان) بالجمع الذي يعود على اسماء الحق تعالى، التي تسير مقتضياتها الانسان ، فما نُعت به خلق البشر،نُعت به خلق الانسان: الخلق من صلصال من حما مسنون،والخلق من طين,وفي احسن تقويم قال تعالى (لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلْإِنسَٰنَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ)فكان ءادم عليه السلام متصفا بالكمال الخلقي والخلقي .والاختلاف بينهما ظهر في عالم الظهور وتميزت الاخلاق المحمودة عن الاخلاق المذمومة . وهذا راجع الى ارادة الله قال تعالى(ثم رددناه اسفل سافلين)والضمير في رددناه عائد عن الحق وعن تجليات اسمائه : فتجليات (خالق)الذي ورد مع ذكر البشر، اختلفت عن تجليات (خلقنا)الذي ورد من خلق الانسان ،(خلقنا)راجع الى الاسماء الالهية المتشاجرة المتضادة ومن هنا ظهر اختلافا في الصفات التي ظهربها كل واحد.وعلى العموم القرءان الكريم لم يذكرالإنسان إلامقرونا بالنقص والعيب في 65 موضعا بينما موارد البشر،موارد ثناء ومدح من غير استثناء. و الانسان اذا جاهد نفسه واصلح باطنه واقتدى بنبيه ،ينسلخ من إنسانيته التي جمعت الاوصاف المذمومة ،ويرجع الى الفطرة ،ويصير من المومنين الصالحين ومن الاولياء الله الذين لاخوف عليهم ولا هم يحزنون.ويترقى في درجة الكمال كل على حسب مقامه وقامته،ولابد لكل زمان من إنسان كامل يصل الى قمة الهرم في الكمال،و يتقدم أهل زمانه وهو المسمى الغوث،يكون على قدم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ويكون خليفة النبوة المحمدية (سيكون من بعدي خلفاء كما ورد في الحديث). اما من مال إلى ملذات الدنيا،ولم ينه النفس عن الهوى،ونسي ربه ولم يتعلق بنبيه دخل في دائرة الصفات الانسانية المذمومة،ورد الى اسفل سافلين. و اكبر دركات اسفل سافلين ،هو الانسان الحيواني الذي قال تعالى فيه (إِنْ هُمْ إِلَّا كَٱلْأَنْعَٰمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا)وقال (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُمَثْوًى لَهُمْ). فالخطاب الموجه للانسان لا يخص سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لأنه زيد نبيا،كاملا خَلقا وخُلقا،قال تعالى(وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍۢ)ألا ترى أن الحق سبحانه لم يخاطبه في القرءان الا بصفاته الذاتية فقال﴿يَا أَيُّهَا النَبِيء﴾﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَمِّلُ﴾﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَثِّرُ)،وأضاف عبديته إليه تشريفا منه إليه (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ) وهو صلى الله عليه وسلم الرحمة المهداة للعالمين قال تعالى (واذا اذقنا الناس منا رحمة فرحوا بها وان تصبهم سيئة بما قدمت ايديهم اذا هم يقنطون)فهذه الاية لا تعلق لها به وكذا قوله تعالى (وكل انسان الزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا) وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تاخر, وإذا وصفنا حقيقته بالإنسان فهذا يعني أنها داخلة تحت تأثير الاسماء الالهية،وأنه صلى الله عليه وسلم ترقى في الكمال بمجاهدة نفسه ورياضتها على مكارم الاخلاق ،وحشا فكماله صلى الله عليه وسلم ذاتي له.فمتى اتصف هذا الوسيط البرزخي النوراني الجامع.بالنقصان،وتدرج في المقامات حتى وصل الكمال،والسيرة النبوية لا تحكي عنه الا الكمال الخلقي والخلقي. فمصطلح الانسان الكامل أوالقطب الغوث ليس وصفا صائبا،في حقه صلى الله عليه وسلم ،وهوعلى الأقل كدعاء بعضنا البعض،وقد نهينا عنه :قال تعالى مؤدبا لنا(لَّا تَجْعَلُواْ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُم بَعْضًا).. قال له تعالى (قل انما انا بشر مثلكم) فقال :”اللَّهُمَّ إِنَّمَا مُحَمَّدٌ بَشَرٌ يَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ(رواه مسلم) وقَال رسول الله :إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ {رواه احمد).فكان صلى الله عليه وسلم يظهرببعض الصفات للتشريع ليس إلا ،ولكي لا يعبد من دون الله .قال عمر رضي الله عنه والله ما أكلت ولا شربت إلا لنا.وهذه الطهارة من الاخلاق الانسانية هي نتيجة شق صدره صلى الله عليه وسلم ثلاثة مرات،إحداها فى طفولته،والثانية مع نزول الوحى،والثالثة عند واقعة الإسراء والمعراج.ومن هذا الباب آمن شيطانه. فهو صلى الله عليه وسلم اول العابدين في عالم البطون واول العابدين في عالم الظهور.فيظهر ببشريته شريعة وفي حقيقة الامر هو ليس كهيئتنا يبيت عند ربه يطعمه ويسقيه “لم يكن له ظل كان يرى من خلف كما من أمام ،يرى في الضوء كما في الظلام. وما كان ينطق عن الهوى وقال صلى الله عليه وسلم “من رأني فقد رأى الحق “فالكمال للحقيقة المحمدية ذاتي بدون مجاهدة أورياضة، غيرمكتسبة، ولا تأسيا بأحد ،والنبوة والرسالة وليستا بالجعل في حقه صلى الله عليه.بينما هي بالجعل لباقي الانبياء الذين يستمدون منه استمداد الكامل من الأكمل وينتسبون اليه انتساب الفاضل الى الأفضل،فهم موجة في بحره،وشعرة في جسمه الكريم . فسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بشر حقاني ،وعبد نوراني ،الكمال له ذاتي كان خلقه القرءان قال تعالى (وإنك لعلى خلق عظيم) بالجملة التوكيدية ،ومن عظمه العظيم،لا شك انه عظيم ،و عقولنا لا تدرك هذه العظمة لاننا لا نرى كل الحلل الربانية التي البسها الحق تعالى نبيه ،وتسميته بالانسان الكامل غير صائبة في حقه وصلى الله على سيدنا محمد نبي الله ،وعلى الزهراء بَضعة رسول الله ،وعلى اله وصحبه .

278 : عدد الزوار