الحجة والبيان على جواز الإجتماع على قراءة القرءان

الحجة والبيان على جواز الإجتماع على قراءة القرءان


بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين،والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي الأمي الأمين، وعلى آله وصحابته أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وبعد .زارني بعض الأصدقاء،وتجاذبنا أطراف الحديث من هنا وهناك،وحكى لي عن إمام بـحيهم،لا يحبذ قرءاة القرءان جماعة،لاصباحا ولامساء،ولاحتى يوم الجمعة،بدعوى أنها بدعة.فشعرت بالغيرة عن القراءة الجماعية التي أحببتها،ولزمتها منذ نعومة أظفاري.فاستعنت بالله على جمع بعض الأدلة التي تبين أنَّ الإجتماع على قراءة القرءآن في المسجد،أوفي بيت من البيوت،في غيرأوقات الصلاة مشروع وجائز،ولاعبرة بمن قال ،أن ذلك لم يقع في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم


أدلـة جـواز قـراءة الـقـرءان جـمـاعـة :

في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ،القرءان ما زال ينزل،ولا أحد يعرف أول السورة من آخرها،ولم يُجمع بعد.فليس بمنطقي أن يجتمع الصحابة،ويقرأوا سورة لايُعرف أولها من أخرها.وما ينقصها من الآيات ينتظر الوحي لإكمالها. لهذا كان كل صحابي يقرأ ما عنده من القرءان،والباقون يستمعون                  .ورد في سنن أبي داود الحديث التالي:”قال عثمان رضي الله عنه: كان النبي صلى الله عليه وسلم لما ينزل عليه الآيات،يدعو بعض من كان يكتب له،ويقول له ضع هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا،بين آية كذا وآية كذا،وتنزل عليه الآية والآيتان فيقول مثل ذلك…”

وإن قال قائل،بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، انتهى الوحي،وعُرف أول السورة من أخرها،فَلِمَا لم يجتمع الصحابة على قراءته جماعة ؟ قلت :لم يكونوا على قدم واحدة  في الحفظ،فكان من الصحابة من يحفظ القرءان كله،مثل زيد بن ثابت وعبد الله بن مسعود،،ومنهم من يحفظ ألف آية ومنهم من يحفظ أكثر، أوأقل

وإن سال سائل :لِمَ لَمْ يجتمع المتساوون في الحفظ على قراءته جماعة ؟ قلت: القراءات كانت كثيرة ،ومن الممكن أن لايكونوا قد سمعوا نفس القراءة من رسول الله صلى الله عليه وسلم،ويكفيك الحديث التالي الوارد في صحيح البخاري جوابا عن سؤالك: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ، ثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، ثَنَا شُعَيْبٌ،عَنِ الزُّهْرِيِّ،عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ،عَنْ مِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ الْقَارِئِ،أَنَّهُمَا سَمِعَا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَاسْتَمَعْتُ لِقِرَاءَتِهِ فَإِذَا هُوَ يَقْرَأُ حُرُوفًا كَثِيرَةً لَمْ يُقْرِئْنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَكِدْتُ أُسَاوِرُهُ فِي الصَّلَاةِ،فَنَظَرْتُ حَتَّى سَلَّمَ،فَلَمَّا سَلَّمَ لَقِيتُهُ، فَقُلْتُ:مَنْ أَقْرَأَكَ هَذِهِ السُّورَةِ الَّتِي سَمِعْتُكَ تَقْرَأُ بِهَا؟ فَقَالَ: أَقْرَأَنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ لَهُ: كَذَبْتَ، فَوَاللَّهِ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُوَ أَقْرَأَنِي هَذِهِ السُّورَةِ الَّتِي سَمِعْتُكَ تَقْرَأُ بِهَا، فَانْطَلَقْتُ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقُودُهُ، فَقُلْتُ:يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ الْفُرْقَانَ عَلَى حُرُوفٍ لَمْ تُقْرِئْنِيهَا،وَإِنَّكَ أَقْرَأْتَنِي سُورَةَ الْفُرْقَانِ،فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:«يَا هِشَامُ،اقْرَأْ» فَقَرَأَ الْقِرَاءَةَ الَّتِي سَمِعْتُ يَقْرَأَ بِهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:«هَكَذَا أُنْزِلـَتْ» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:«اقْرَأْهَا يَا عُمَرُ» فَقَرَأْتُهَا الْقِرَاءَةَ الَّتِي أَقْرَأَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ:«هَكَذَا أُنْزِلَتْ» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:«إِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ الْقُرْءآنَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ»انتهى.                                 تأمل قول سيدنا عمر للصحابي الجليل هشام رضي الله عنهما: “كذبت” تجد الجواب الشافي لسؤالك.فمن الصعب أن يجتمعوا على قراءة جماعية موحدة،هذا إن كانوا في الحفظ سواسية.قال صلى الله عليه وسلم”اقرَؤوا القرآنَ ما ائتَلَفَتْ قُلوبُكم،فإذا اختَلَفتُم فقوموا عنه ”  (البخاري).وأخرج الإمام أحمد بسنده عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص عن عمرو أنَّ رجلاً قرأ آيةً من القرءآن، فقال له عمرو إنما هي كذا وكذا، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ،فقال: “إن هذا القرءآن أنزل على سبعة أحرفٍ فأي ذلك قرأتم أصبتم فلا تماروا، أي لا تشكوا ولا تجادلوا”. وهذا الإختلاف في القراءات ،هو من الأسباب التي دفعت بسيدنا عثمان رضي الله عنه إلى جمع الناس على مصحف واحد،ولهذا فمن الصعب أن تجد التوافق بين الصحابة،لافي عهد رسول الله ولا بعده.فليسوا متساوين في الحفظ ولامتحدين على حرف واحد.ولهذا لم يرد عن السلف الصالح أنهم قرأوا القرءان جماعة،بل يقرأ الواحد ما عنده من القرءان،ويستمع الباقون،ويقرأ الثاني ويستمع الباقون وهكذا .

أدلـة من الـقـرءان:

قال تعالى﴿إنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ﴾جاء الفعل “يتلون” بالمضارع للدلالة على الإستمرارية ،وبالجمع إشارة إلى التلاوة الجماعية،وقدَّمها على الصلاة،وعلى الإنفاق لأن التلاوة قد تكون في غير الصلاة،ولايشترط فيها ما يشترط في الصلاة.    

وكذاقوله تعالى﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ولم يقل اجتمعوا ليقرأ أحدكم ويستمع الآخرون. قال تعالى﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْءآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. قُرِئَ.مبني للمجهول،فالقارئ يمكن أن يكون فردا،أو جماعة.والقرءان دقيق في معانيه.فإذا كنا سنأخذ بحرفية النصوص فهذه الآيات تشير إلى مشروعية القراءة الجماعية،وتنص على الاستماع،فإما أن تقرأ وإلا فاستمع تُرحم.أما إذا كان هناك تشويش فالمنع للتشويش،لا للإجتماع على التلاوة.

أدلـة من السنة:  

 – قال رسول الله صلى الله عليه وسلم”ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم، إلا نَزَلت عليهم السكينة،وغَشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة،وذكرهم الله فيمن عنده،ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه” (رواه مسلم)”.يتلون كتاب الله ويتدارسونه”،أي يشتركون في قراءة بعضهم على بعض،ويتعهدونه خوف النسيان ،ولم يرد في الحديث:يتلوا أحدهم ويستمع الباقون.فبيَّن صلى الله عليه وسلم فضل الإجتماع لتلاوة كتاب الله،وبيَّن صلى الله عليه وسلم مواضع الإجتماع فقال في بيت من بيوت الله،ولو شاء وقد أُوتي جوامع الكلم لبين الأمور أكثر.
وقوله صلى الله عليه وسلم:”مامن قوم اجتمعوا يذكرون الله لايريدون بذلك إلا وجهه؛إلا ناداهم منادٍ من السماء أن قوموا مغفورا لكم،قد بدلت سيئاتكم حسنات” (رواه أحمد)

وعن أنس بن مالك قال: كان عبد الله بن رواحة،إذا لقي الرجل من أصحاب رسول الله ،قال: تعال نؤمن بربنا ساعة،فقال ذات يوم لرجل فغضب الرجل،فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال:يا رسول الله؛ ألا ترى إلى ابن رواحة يرغب عن إيمانك إلى إيمان ساعة!فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يرحم الله ابن رواحة إنه يحب المجالس التي تتباهى بها الملائكة”(حديث حسن).

فالقراءة الجماعية،كما إنها للتعبد فهي للتعليم،وتُساعد على الحفظ،وتَعُود على القارئ المبتدئ بالنفع.فهي تصحح قراءته،وتقوِّم مخارج الحروف،فهناك من لايحسن النطق بالكلمات حتى يسمعها من غيره ،فتعينه القراءة الجماعية على تقويم لسانه،وتعوده على النطق بالكلمات الصحيحة ،ومخارج الحروف السليمة، وتربط القلوب المجتمعة على كتاب الله،وهذا من باب التعاون على البر والتقوى. ولاننسى أن التعليم عبادة.وكل العبادات في الإسلام جماعية،فالصلاة جماعية، والصوم جماعي،والحج جماعي.وكلمة قرءان وصف من فعلان،اسم فاعل وهو وزن نادر غير مألوف في أوزان اسم الفاعل، مشتق من القرء، أي الجمع،ومنه قرأت الماء في الحوض أي جمعته.ولا يقال لكل جمع قرءان،ولالجمع كل كلام قرءان، خص كلام الله بهذا الاسم ،ولايسمى به غيره،لأن غيره ليس مقروءا بحق،ولامتلوا بحق.وفي شأن الصلاة جاء الأمر واضحا: صلوا كما رأيتموني أصلي. أما في التلاوة فبقي الأمر مطلقا،ولم يحدد بكيفية معينة وترك ماسواها.

 كان الناس يصلون في رمضان أوزاعا متفرقين فأمر سيدنا عمر رضي الله عنه أبي بن كعب أن يقوم بهم،فخرج عمر والناس يصلون بصلاة قارئهم فقال “نِعمت البدعة هذه”،وقس على هذا.كانوا يقرأون القرءان فرادى،وعندما جُمع بين دفتين، وعُرف أوله من أخره،وتساووا في الحفظ،وتوافقوا إلى القراءة على حرف واحد (ورش عن نافع مثلا) اجتمعوا.ويد الله مع الجماعة، ونعمت البدعة هذه .فالأمر أوسع مما يتصور البعض.                                                               قال ابن لبّ: أما قراءة الحزب في الجماعة على العادة فلم يكرهه أحد إلا مالك على عادته، في إيثار الإتباع،وجمهور العلماء على جوازه واستحبابه،وقد تمسكوا في ذلك بالحديث الصحيح (وما اجتمع قوم….) وتدبر مسألة أن المغاربة على مذهب الإمام مالك ومع ذلك لم يتبعوه في هذه.

قال تعالى﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ الضمير يعود على آخر مذكور وهو المغارب، فكانت البركة فيها،والملاحَظ أن القرءان لايُـقرأ جماعة غالبا إلا في الدول المغاربية.ومن آثار هذه البركة خالف المغاربة مالكا، وقرأوا القرءان جماعة.                                 أما عن المشرق فورد أنَّ رسولَ اللهِ قال،وهو مُستقبلٌ المشرقَ “ها إنَّ الفتنةَ ههنا،ها إنَّ الفتنةَ ههنا،ها إنَّ الفتنةَ ههنا ،من حيثُ يطلعُ قرنُ الشيطان”(صحيح مسلم).وقال”يخرج ناسٌ من قِبَلِ المشرقِ، يقرأون القرءآنَ لا يجاوزُ تراقيهم، يمرُقون من الدِّينِ كما يمرقُ السَّهمُ من الرَّميَّةِ،ثم لايعودُون فيه حتى يعودَ السهمُ إلى فوقه.قيل :ما سِيماهم ؟قال:”سيِماهم التَّحليقُ”(صحيح البخاري).مايهمنا من هذا الحديث أنه لم يقل يخرج ناس من قبل المغرب.وقرن الشيطان ملازم للشيطان،طلع قرن الشيطان من المشرق،ولم يغرب في المغرب،ولله الحمد.إنما غَرَّب ناس فصاروا غرباء بين ذويهم ،يصومون ولم يروا هِلالاً،ينحرون أضاحيهم قبل الناس ويظنون أنهم قد أتوا حلالا، يبدِّعون قارئ القرءان جماعة وجهارا ،ويُكَفِّرون كل من خالفهم ظلما وعدوانا.”تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وصيامكم مع صيامهم” .وكأن الناس قد عاشوا في الضلال، والبدعة، والفسق، قرونا عدة حتى جاء هؤلاء .نعوذ بالله من سوء الظن بالله،وسوء الظن بالناس. وقد قال صلى الله عليه وسلم “من قال هلك الناس فهو أهلكهم” .

 إستـطراد تاريـخي:

 خلال فترة نزول القرءآن العظيم،أوكل رسول الله صلى الله عليه وسلم،مهمة كتابته إلى بعض الصحابة الكرام،منهم زيد بن ثابت،وعلي بن أبي طالب،وعبد الله بن مسعود،وأبي بن كعب ،ومعاذ بن جبل (رضي الله عنهم ) ولكنه لم يكن مجموعاً،بل كان مفرقاً،ويرجع السبب في ذلك،إلى أن كتاب الله لم ينزل دفعة واحدة ،بل نزل منجما،على مدى 23 عاماً،وبوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم اكتمل نزول الوحي،فأصبح كاملاً ،لكنه متفرقا.ووفاة الرسول أعقبتها وقائع حروب الردة والتي استشهد فيها جم غفير من الصحابة،حفاظ القرآن الكريم،مما سبب قلقاً لعمر بن الخطاب رضي الله عنه ،الذي ألح على أبي بكر الصديق،حتى أمر زيد بن ثابت بجمع القرآن الكريم,فتتبع القرءان يجمعه من الرقاع،والأكتاف، والعُسب،واللخاف،والعظام،والجلود وصدور الرجال… وكانت الصحف التي جمع فيها القرءان عند ابي بكر رضي الله عنه،حتى توفاه الله ،ثم عند عمر رضي الله عنه،حتى توفاه الله ،ثم عند بنته حفصة.أما المرحلة الثالثة،من مراحل جمع القرءآن الكريم ،فقد ثمت في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه،ففي خلافته توالت الفتوحات،واتساعت رقعة الدولة الإسلامية،ودخل غير العرب إلى الإسلام بكثرة،فصاروا يختلفون في قراءة القرءآن،بسبب اختلاف التلقي عن الصحابة، فكان أهل الشام يقرأون بقراءة أبي بن كعب رضي الله عنه،وأهل العراق يقرأون بقراءة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه،وغيرهم يقرأون بقراءة أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.فكان بينهم اختلاف في حروف الأداء ووجوه القراءة، بصورة فتحت باب الشقاق،والنزاع بين المسلمين في أمر القراءة،أشبه بما كان بين الصحابة قبل أن يعلموا أن القرءآن نزل على سبعة أحرف،واستفحل الداء حتى خطَّأ بعضهم بعضًا، بل وصل الأمر -أحيانًا- إلى تكفير بعضهم البعض، وكادت تكون فتنة في الأرض وفساد كبير.                                           روى البخاري رحمه الله في صحيحه،عن ابن شهاب أن أنس بن مالك حدَّثه أن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قدِمَ على عثمان رضي الله عته ،وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأدربيجان ،مع أهل العراق،فأفزَعَ حذيفة اختلافُهم في القراءة،فقالَ حذيفة لعثمان: “يا أميرَ المؤمنينَ أدركْ هذه الأمةَ قبلَ أن يختلِفُوا في الكتابِ اختلافَ اليهودِ والنصارى”.فأرْسَلَ عثمان إلى حفصة رضي الله عنها أن أرسلي إلينا بالصُّحف ننسخُها في المصاحفِ ،ثم نردُّها إليكِ.فأرسلتْ بها حفصة إلى عثمان، فأمَرَ زيد بن ثابت ،وعبد الله بن الزبير ،وسعيد بن العاص ،وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف. وأخرج ابن أبي داود من طريق أبي قلابة أنه قال: “لما كانت خلافة عثمان، جعل المعلم يعلم قراءة الرجل، والمعلم يعلم قراءة الرجل، فجعل الغلمان يتلقون فيختلفون حتى ارتفع ذلك إلى المعلمين، قال أيوب: لا أعلمه إلا قال: حتى كفر بعضهم بقراءة بعض، فبلغ ذلك عثمان، فقام خطيبًا فقال: أنتم عندي تختلفون وتلحنون، فمن نأى عني من الأمصار أشد فيه اختلافًا وأشد لحنًا، اجتمعوا يا أصحاب محمد فاكتبوه للناس إمامًا”.لهذه الأسباب والأحداث،تدارك عثمان الأمر،وخاف عن القرءآن من حدوث تغير في طريقة قراءته،ولفظ كلماته،وحروفه،وبالتالي تبدل المعنى،فأمر النفر الاربعة من الصحابة ،ان يجتمعوا،ويكتبوا للناس إماما يجمعهم،ويوحدهم على قراءة واحدة.فكانوا إذا تماروا في الآية يقولون انه اقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم،هذه الآية فلان بن فلان،وهو على رأس أميال من المدينة ،فيُبعث إليه فيجيء ،فيقولون كيف اقرأك رسول الله صلى الله عليه وسلم، آية كذا وكذا ،فيكتبون كما قال.حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف بعث عثمان إلى كل أفق بمصحف من تلك المصاحف التي نسخوها ،وأمرالناس باعتمادها،والتزام القراءة بما يوافقها،وبإحراق كل ما عداها من الصحف، أوالمصاحف الشخصية الموجودة لدى الصحابة، مما تخالفها،ليستأصل بذلك سبب الخلاف والنزاع بين المسلمين في قراءة كتاب الله .وقد اختلف في عدد المصاحف التي أمر عثمان بكتابتها،والمشهور أنها خمسة:أرسل أربعةً منها إلى مكة،والبصرة,والكوفة، والشام،وأمسك عنده واحدًا منها،وهو المعروف بالمصحف الإمام.وقال أبو عمرو الداني: أكثر العلماء على أنها كانت أربعة، أرسل واحدًا منها للكوفة،وآخر للبصرة،وآخر للشام،وترك واحدًا عنده.وقال ابن أبي داود: سمعت أبا حاتم السجستاني يقول: لما كتب عثمان المصاحف حين جمع القرآن، كتب سبعة مصاحف ،فبعث واحدًا إلى مكة،وآخر إلى الشام،وآخر إلى اليمن، وآخر إلى البحرين،وآخر إلى البصرة،وآخر إلى الكوفة،وحبس بالمدينة واحدًا.ومن المعلوم أن القرءآن في عهد النبي،وفي عهد عثمان كذلك،لم يكن مكتوبًا بنفس الطريقة التي نراها اليوم.فقد كانت الكتابة آنذاك خالية من التشكيل،والنقط، والأرقام، ومعتمدة على السليقة العربية التي لاتحتاج لهذا التشكيل (العربية بالنسبة لهم فطرية يرضعونها مع ألبان أمهاتهم،أما بالنسبة لنا فتعليمية).ولم يتغير هذا الحال إلى أن بدأت الفتوحات واختلط العرب بالعجم،وبدأ غير الناطقين بالعربية يقعون في أخطاء عند قراءته.فكان من الضروري كتابة المصحف بالتشكيل ،والنقط حفاظًا عليه من أن يُقرأ بطريقة غير صحيحة.وأول من وضع النقط هو التابعي الجليل: أبو الأسود الدؤلي (69هــ) من أصحاب علي رضي الله عنه،فجعل النقطة أمام الحرف علامة على الضمة،وفوقه علامة على الفتحة،وتحته على الكسرة.واستمرت الكتابة على هذا،إلى أن جاء الخليل بن أحمد الفراهيدي (174هـ) وصنف أول كتاب في رسم نقط الحروف،وعلاماتها.وهو أول من وضع الهمزة والتشديد وغيرها من علامات الضبط.ثم دوّن علم النحو ليكون ضابطًا لقراءة القرءآن ،ليقرأ بشكل سليم لا يَخِلُّ بمعناه،فوضع ضبطاً أدق من ضبط أبي الأسود،فجعل النقط لإعجام الحروف،وجعل ألفاً مبطوحة فوق الحرف علامة على الفتح،وتحته علامة على الكسر،وجعل رأس واو صغيرة علامة على الضمة. أما وضع الأجزاء والأحزاب:فقد جاءت قبل ذلك على يد نصر بن عاصم،ويحيى بن يعمر بأمر وإشراف من الحجاج بن يوسف الثقفي،والي العراق من قِبَلِ الخليفة عبد الملك بن مروان. ثم بعد ذلك مر رسم المصحف في طور التجديد ،والتحسين على مر العصور.وفي نهاية القرن الهجري الثالث،كان الرسم القرءآني قد بلغ ذروته من الجودة ،والحسن والضبط،حتى استقر المصحف على الشكل الذي نراه عليه اليوم من الخطوط الجميلة،وابتكار العلامات المميزة،التي تساعد على تلاوة القرءآن،تلاوة واضحة جيدة وإتباع قواعد التجويد.أما تسمية سور القرءان فليس أمرا توقيفيا وإنما من اجتهاد الصحابة رضوان الله عليهم،والدليل على ذلك هو عدم إتفاقهم على صيغة معينة في التسمية،فقد تكون للسورة الواحدة عدة أسماء تعرف بها،وطبعا جاءت تسمية بعض السور منه عليه الصلاة والسلام،ولكنه عليه الصلاة والسلام كان يَسمع بعض الصحابة يُسمي السورة بغير ماسماها هو،فيقره على ذلك,فإن أسماء السور كانت معروفة على عهد رسول الله ومشهورة.وأما ترتيب السور،فقد اختلف فيه أهل العلم:هل كان بتوقيف من النبي أم هو اجتهاد من الصحابة؟ فالجمهور على أنه اجتهاد من الصحابة استوحوه من قراءة النبي صلى الله عليه وسلم،ومن ذِكره لبعض السور مرتبة حسبما في المصحف الآن،كقوله: “اقرؤوا الزهراوين البقرة وسورة آل عمران …”(مسلم).وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن ترتيب السور،كان بتوقيف من النبي صلى الله عليه وسلم.(وبهذا جزم السيوطي في كتابه الإتقان) . ويبدو أن الخلاف بين الفريقين خلاف لفظي كما قال الزركشي في البرهان،لأن القائل بأن الترتيب اجتهادي يقول:إن النبي رمز للصحابة بذلك، واستوحوه من قراءته وقولِه كما تقدم .وبذلك قال الإمام مالك رحمة الله عليه(وهو من القائلين بأنه اجتهادي): إنما ألّفُوا القرءآن على ماكانوا يسمعونه من النبي.فآل الخلاف بين الفريقين إلى أنه هل كان ذلك بتوقيف قولي أو بمجرد إسنادٍ فعلي بحيث يبقى لهم فيه مجال للنظر؟.ومال ابن عطية إلى قول ثالث: هو أن الكثير من السور علم ترتيبها في حياة النبي، كالسبع الطوال والحواميم والمفصل . وأن ماسوى ذلك يمكن أن يكون فوض الأمر فيه للأمة بعده. أما علم التجويد،فأوّل من جمع علم التجويد في كتاب سماه “كتاب القراءات”هو الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام في القرن الثالث الهجري،وذلك باستخلاص قواعد هذا العلم من خلال تتبع قراءات المشاهير من القراء المتقنين.وكيف ماقُرئ القرءان،فالشخص مأجور عليه:عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله: “الذي يقرأ القرءآن وهوماهرٌ مع السَّفرة الكرام البررة،والذي يقرأ القرءآن ويتتعتع فيه وهوعليه شاقٌ له أجران” (البخاري ومسلم).ومن هذا يتبين لكل لبيب أريب أنه إذا كانت القراءة الجماعية بدعة،فهل جمع القرءان،وتنقيطه،وشكله،وترتيبه…بدعة ؟ قال تعالى﴿إٍنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَّ﴾ ورسمت’حـ.اـفظون’بالألف المحذوفة إشارة إلى هذه المعاني،ولِيَنْتَقِل الحفظ إلى المسلمين.وهذا من أسرار الخلافة التي أعطيت للإنسان ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾.ولو كتبت بالألف الثابتة لبقي كما أنزل.
الخلاصة: الخلاصة لمن فهم هذه الدراسة أن القرءان كلام الله، وليس مِلْكـاً لأحد،وهو كلام مطلق غير مقيد لابزمان،ولابمكان ولابفهم أحد.أهل كل زمن يفهمونه بمقدار مايفتح الله عليهم.فمثلا في قوله تعالى﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ فَهِمَ منها السابقون (رحمهم الله)قدرة الله على إعادة خلق البنان،إذلم يكن عندهم علم ببصمات الانسان ،وأنها تختلف من شخص لآخر .فالله تعالى قادر على أن يعيد لكل إنسان بصمته التي كان عليها في الحياة الدنيا. أصحاب التنكير والتكفير،الذين خرجوا من قبل المشرق (كما قال صلى الله عليه وسلم),ضئضئ ذو الخويصرة التميمي (يخرج من ضئضئ هذا…الحديث رواه البخاري) والضئضئ هو الأصل والمعدن. يريدون الفتنة والإنتصار لمذهب ما،ألا تراهم حتى في المطبوعات المعلقة بكافة المساجد المعنون عنها ب “اذكار بعد الصلوات” لايشيرون إلى الصلاة على النبي،كأنهم لم يقرؤا قوله تعالى﴿إنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾بل منهم من شبه قراءة القرءان الجماعية،بصلوات أهل الكتاب في كنائسهم؟؟.وحَقَّ عليهم قوله تعالى﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْءآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾.وفعلا أكثروا اللغو حتى أصبحت المناسبات التي من المفروض أن يتلى فيها القرآن خالية منه،وإن وجدت (نادرا) في مناسبة ما “الطُّـلْبة” (قراءة جماعية) فلا أحد يستمع لهم،بل يستمرون على لَغْوِهِمْ، ومناقشاتهم التافهة.وإذا ما تلي القرءآن عند قبر،تراهم ينصرفون الواحد تلو الآخر، وكأن الذي يُقرأ غناء أو لغوا ساقطا .وهل ورد في كتاب الله أو حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم :لا تقرأوا القرءان جماعة؟؟ أترى الحق سبحانه يوم القيامة مُعاتِبا شخصا على قراءة القرءان جماعة ؟ ويَجد ذلك في صحيفته من السيئات ؟ فربنا كريم والقرءان كريم﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾والكريم لا يرد ولا يعاتب سائله وقارع بابه. وهل القراءة الجماعية باطل أُلصق بالقرءآن؟والحق سبحانه يقول﴿لَايَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾.وبالعكس تجدهم شجعوا على تلاوة القرءآن في المتاجر وفي الشوارع،وجعلوا أرخس البضائع،ينادى إليها ولايسمع سامع ،ولا تـثير انتباه لا الغني ولا القانع،يتلى في الأسواق وهذا للحرام بائع ،والاخر لهوى نفسه طائع.ونسوا قوله تعالى﴿وإِذَا قُرِئَ الْقُرْءآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾بمعنى أنه إذا قرئ القرءآن،ولم تستمع،ولم تنصت فربما لا ترحم. والإستماع بالأذن والإنصات بالقلب مع ترك الكلام .وفي الأسواق الآذآن لاهية ،والأفواه لاغية،والقلوب ساهية،والمخالفات للشريعة متكررة وعادية.فكان الجن أحسن منا حالا﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا﴾.فَضَلَّ أصحاب هذه الأهواء الصاخبة ،وأضلوا.واشتروا بآيات الله ثمنا قليلا عليه أصروا.فلا من أخطائهم تابوا ولا بها اعترفوا وأقروا.فالنصوص تسمح بفهم سلامة موقف المجتمعين على القراءة الجماعية،ومن رأى غير ذلك فهو وشأنه،شرط أن لاينكر على الذين يقرأون جماعة،ويشوش عليهم.فالأمر على اليسر، والإختلاف عادي،لأننا خلقنا له﴿وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ وكلمة الناس تشمل المومن والكافر،العربي والأعجمي.والفعل “يزالون” مضارع يفيد التجدد والاستمرار فالاختلاف إلى قيام الساعة                                                 . وأختم كلامي بقوله تعالى﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾وأستغفر الله لي،ولكم وللمومنين والمومنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات.وصلى الله على نبينا وحبيبنا وسيدنا محمد الرحمة المهداة للعالمين.                                             محمد ابن المبارك بارك الله مسعاه ولجميع المسلمين والمسلمات دنيا وآخرة . مراكش شهر رجب الفرد 1434 الموافق لشهر ماي 2013 .

47 : عدد الزوار