الحكمة والقدرة

الحكمة عين القدرة،والقدرة عين الحكمة،إذ الفاعل واحد..
(بَحْر القدرة):بحر زاخر وأمْرُه قاهر،ليس له أوّل ولا آخر،يُظْهر ويُبْطن،ويُحَرّك ويُسَكّن،ويَقْبض ويَدْفع،ويُعطي ويَمْنع،ويَخْفض ويَرْفع. بيَده مقاليد الأمور،وعلى قُطْب دائرته الأفلاك تَدُور. أصل الفروع وفروع الأصول،وإليه ينتهي الوصول. تَطير إليه قلوب المُشتاقين،وتَعوم في طرف لُجّته أرواح السائرين،وتَخوض في بحر لُجّته أسرار الواصلين. لا تعرف كُنْه عظمته قلوب العارفين،غاية مُنتهاها الدّهش والحَيْرة ثُمّ العكوف في الحضرة.
أما (بحر الحكمة) :فهو أيضاً بحر زاخر وأمره ظاهر،يُظْهر الأسباب، ويُسْدل الحجاب.يَرْبط الأحكام بالعِلَل،ويُقَرّر الشرائع والمِلل.يُغَطّي ما يَبْرُز من عنصر القدرة برِدائه،ويَسْتُر ما يبدو من أسرار الربوبية بعِزّ كبريائه. يُنَوّر الطريقة،ويَصُون الحقيقة.يُظْهر العبودية،ويُبْطن الحريّة.من وَقَف معه كان مَحْجوباً،ومن نَفَذ منه الى بحر القدرة كان واصلاً مَجْذوباً،ومن نَظَر إليهما معاً كان كاملاً مَحْبوباً وبالعناية مَصْحوباً.
القدرة والحكمة كل واحدة تُنادي على صاحبتها بلسان حالها. أما القدرة فتقول للحكمة: أنت تحت قَهْري ومشيئتي،لا تَفْعَلي إلاّ ما أشاء،ولا يَصْدُر منك إلاّ ما أُريد،فإن أرَدْت خلافي رَدَدْتُك،وإن سَبَقْتني أدْرَكتك. وتقول الحكمة للقدرة: أنت تحت حكمي،وعند أمري ونهيي،فإن عصيتني أدّبْتك ورُبّما قتلتك. فإن بَرَزت القدرة مُوافقة للحكمة كان ذلك علامة الجمال عاجلاً أو آجلاً،وإن بَرَزت القدرة مُخالفة للحكمة كان علامة الجلال عاجلاً أو آجلاً. لأن الحكمة مَنوط الشريعة،والقدرة مَحَلّ الحقيقة..والإنسان دائر بين قدرة وحكمة كما هو دائر بين حقيقة وشريعة..ابن عربي.

185 : عدد الزوار