الخضر في كلام ابن عربي

الباب الخامس والعشرون : [في معرفة (وَتَد مَخصوص مُعَمّر). وأسرار الأقطاب المُختصّين بأربعة أصناف من العلوم. و(سِرّ المنزل والمنازل)، ومن دَخله من العالَم] [ الخَضر في حياة الشيخ الأكبر]:

اعلم أن هذا الوَتَد هوخضر،صاحب موسى،أطالَ الله عُمره إلى الآن.وقد رأينا من رآه.واتّفَق لنا في شأنه أمر عجيب.وذلك أن شيخنا أبا العباس العُرَيْبي،جَرَت بيني وبينه مسألة في حق شخص،كان قد بَشّر بظهوره رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال لي:هو فُلان بن فُلان،وسَمّى لي شخصاً أعرفه بإسمه.. ولَم آخُذ بالقبول قول شيخي فيه،لكوني على بَصيرة في أمره. ولا شكّ أن الشيخ رَجع سَهمُه عليه،فتأذّى في باطنه،ولم أشعُر بذلك،فإني كنت في بداية أمري في الطريق. فانصَرفت عنه إلى منزلي، فكنت في الطريق، فلَقيني شخص لا أعرفه،فسَلّم عليّ إبتداءاً،سلامَ مُحبّ مُشْفق.وقال لي يا محمد،صَدّق الشيخ أبا العباس فيما ذكر لك عن فُلان، وسَمّى لنا الشخص الذي ذكره أبو العباس،فقلت له نَعم،وعَلمت ما أراد. ورَجعت،منحيني،إلى الشيخ لأعَرّفه بما جرى. فعندما دَخلت عليه،قال لي: [يا أبا عبد الله،أحتاج معك،إذا ذَكرت لك مسألة يَقف خاطرك عن قبولها، إلى الخَضر يتعرّض إليك،يقول لك:صَدّق فلاناً فيما ذكره لك؟. ومن أين يتّفق لك هذا،في كل مسألة تَسمعها منّي فتتوقّف؟]. فقلت: إن باب التوبة مفتوح،فقال وقبول التوبة واقع. فعَلمت أن ذلك الرجل كان الخضر،ولا شكّ أنّي إستفهمت الشيخ عنه: أهُوَ هو؟ قال: نعم،هو الخضر.

ثمّ إتّفق لي مرة أخرى أنّي كنت بمرسى تونس بالحفرة في مركب في البحر،فأخذني وجع في بطني،وأهل المركب قد ناموا. فقُمت إلى جانب السفينة،وتطلّعت إلى البحر،فرأيت شخصاً على بُعد في ضوء القمر، وكانت ليلة البدر،وهو يأتي على وجه الماء،حتى وصل إليّ،فوقف معي، ورفع قدمه الواحدة واعتمد على الأخرى،فرأيت باطنها وما أصابها بَلَل،ثمّ اعتمد عليها ورفع الأخرى،فكانت كذلك. ثمّ تكلّم معي بكلام كان عنده،ثمّ سَلّم وانصرف يطلُب المنارة ــ محرساً على شاطئ البحر ــ على تَلّ بيننا وبينه مسافة تزيد على ميلَين. فقطع تلك المسافة في خطوتين أو ثلاثة. فسَمعت صوته وهو على ظهر المنارة يُسبّح الله تعالى،وربّما مَشى إلى شيخنا (جَرّاح بن خميس الكناني)،وكان من سادات القوم مُرابطاً بمرسى عيدون،وكنت جئت من عنده بالأمس من ليلتي تلك. فلما جئت المدينة لَقيت رجلاً صالحاً،فقال لي: كيف كانت ليلتك البارحة في المركب مع الخضر، ما قال لك،وما قُلت له؟. فلما كان بعد ذلك التاريخ،خرجت إلى السياحة بساحل البحر المحيط،ومعي رجل يُنكر خرق العوائد للصالحين،فدخلت مسجداً خراباً مُنقطعاً لأصَلّي فيه أنا وصاحبي صلاة الظهر. فإذا بجماعة من السائحين المُنقطعين دخلوا علينا يُريدون ما نُريده من الصلاة في ذلك المسجد،وفيهم ذلك الرجل الذي كلّمني على البحر،الذي قيل لي: إنه الخضر. وفيهم رجل كبير القدر،أكبر منه منزلة،وكان بيني وبين ذلك الرجل اجتماع قبل ذلك ومَودّة.فقُمت فسَلّمت عليه،فسلّم عليّ وفَرح بي، وتَقدّم بنا يُصلّي. فلما فرغنا الصلاة،خرج الإمام وخرجت خَلفه،وهو يُريد باب المسجد،وكان الباب في الجانب الغربي يُشرف على البحر المحيط بموضع يُسمّى (بَكّة). فقُمت أتحدّث معه على باب المسجد،وإذا بذلك الرجل الذي قلت إنه الخضر،قد أخذ حصيراً صغيراً كان في محراب المسجد،فبَسطه في الهواء على قدر عُلوّ سبعة أذرُع من الأرض،ووقف على الحصير في الهواء يتنفّل،فقلت لصاحبي: أما تنظُر إلى هذا وما فَعل؟ فقال لي: سِرْ إليه وسَلْهُ؟ فتركت صاحبي واقفاً وجئت إليه.. فقال لي ــ أي الخضر ــ: يا فلان،ما فعلت ما رأيت إلا في حقّ هذا المُنكر،وأشار إلى صاحبي الذي كان يُنكر خرق العوائد..فردَدت وَجهي إلى المنكر وقُلت له: ما تقول؟ فقال: ما بعد العين ما يُقال. ثمّ رجعت إلى صاحبي،وهو ينتظرني بباب المسجد،فتحدّثت معه ساعة،وقلت له: من هذا الرجل الذي صلّى في الهواء؟ وما ذكرت له ما اتّفق لي معه قبل ذلك. فقال لي: هذا الخضر..
خِرْقَة الخَضر: و اجتمع به رجل من شيوخنا،وهوعليّ بن عبد الله بن جامع،من أصحاب عليّ المُتَوكّل وأبي عبد الله قَضيب البان. كان يَسكُن بالمِقْلى،خارج الموصل،في بستان له. وكان الخضر قد ألْبَسه الخِرقة بحُضور قضيب البان. وألْبَسنيها الشيخ بالموضع الذي ألبَسه فيه الخضر من بُستانه،وبصورة الحال التي جَرت له معه في إلباسه إيّاها. وقد كُنت لَبِسْتُ خرقة الخضر بطريق أبْعَد من هذا،من طريق صاحبنا تَقيّ الدين عبد الرحمن بن عليّ بن ميمون بن آبّ التَّوْزَري. ولَبسها هو من يَد صدر الدين شيخ الشيوخ بالديار المصرية،وهوإبن حَمُوِيهْ،وكان جدّه قد لَيسها من يد الخضر. ومن ذلك الوَقت،قُلت بلباس الخرقة،وألبَستها الناس لمّا رأيت الخضر قد اعتبرها. وكنت،قبل ذلك،لا أقول بالخرقة المعروفة الآن. فإن الخرقة،عندنا،إنما هي عبارة عن الصّحبة والأدب والتخلّق. ولهذا لا يوجد لباسُها مُتّصلاً برسول الله صلى الله عليه وسلم. ولكن توجد صُحبة وأدباً،وهو المُعبّر عنه بلباس التّقوى. فجَرت عادة أصحاب الأحوال،إذا رأوا أحداً من أصحابهم عنده نَقص في أمر ما،وأرادوا أن يُكملوا له حاله، يتّحد به هذا الشيخ. فإذا إتّحدبه،أخذ ذلك الثوب الذي عليه،في حال ذلك الحال،ونَزَعه وأفرغَه على الرجل الذي يُريد تَكملة حالِه،ويَضُمّه،فيَسري فيه ذلك الحال،فيَكمُل له ذلك الأمر. فذلك هو اللّباس المعروف عندنا، والمنقول عن المُحقّقين من شيوخنا.الفتوحات المكية… ذ رشيد موعشي…وللاشارة ففي مشربنا مقام الخضر لا يتعدى الابدال.

188 : عدد الزوار