الذكر و مراتب الذاكرين

الذكر و مراتب الذاكرين

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد صاحب الشرائع الاحمدية والشريعة المحمدية وعلى اله وصحبه.                       

عَن ابنِ عُمر، عَن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ القُلُوبَ تَصدَأُ كَما يَصدَأُ الحَدِيدُ إِذا أَصابَهُ الماءُ، قالُوا: يا رَسُولَ الله، وما جِلاؤُها؟ قال: كَثرَةُ ذِكرِ الله». فالقلوب تصدأ بارتكاب المعاصي والغفلة عن الله وجلاؤها ذكر الله ،والذكر يحقق للذاكر مجالسة الحق تعالى. اذ الذكر نعث الهي قال تعالى “فاذكروني اذكركم ” فجعل وجود ذكره عند ذكره فهو تعالى الذاكر المذكور.     

ورد في الحديث القدسي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: يَقُولُ اللهُ: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ حِينَ يَذْكُرُنِي، إِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ، ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي،وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ، ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ هُمْ خَيْرٌ مِنْهُمْ، …الحديث)                        وما أمر تعالى بالكثرة من شئ إلا من الذكر”اذكروا الله كثيرا”.”ولذكر الله أكبر” “وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ “.

وأفضل الاذكار عند اصحاب المقامات  الكبرى الذكر باسم المفرد “الله” إذ هو دال على الذات وغير مقيد بكون من الأكوان فكلمة التوحيد ورد بها النفي والاثبات ” لا اله الا الله” ،نفي الإله واثبات الله ،وكذا سبحان الله ،والله أكبر قُيدا بالتنزيه والتعظيم فالذكر بالاسم المفرد اطلاق لهذا رجحت الطائفة ذكره مع استحضار ما يستحقه المسمى من عظمة وجلال .

وقال عليه الصلاة والسلام : لاتقوم الساعة حتى لايبقى على وجه الارض من يقول الله الله،  فما قيد ذكر اسم الجلالة بأمر زائد، فهو ذكر الخاصة من عباده الذين يحفظ الله تعالى بهم العالم ،فإذا لم يبق منهم أحد قامت القيامة .  

يقول النفري في إحدى وقفاته :” اوقفني الحق وقال لي”ان لم تراني فلا تفارق اسمي”. معناه ان لم تتحقق لك المشاهدة فلا تترك المجاهدة،ومعناه ان يذكر الاسم المفرد “الله” و إن لم يشاهد المسمى في بعض مراتب شهوده الاسمائية او الصفاتية اذ لا مشاهدة للذات.

  اما ابن سبعين وهو من أصحاب الوحدة المطلقة فمن مقام جمع الجمع او المحو فيذهب الى القول ان الذكر الحقيقي هو الذي يصبح فيه الذاكر عين المذكور،وقول ابن سبعين هذا لا يقصد به وحدة الوجود كما قد يفهم البعض انما يشير به الى الحديث : مايزال عبدي يتقرب الي بالنوافل حتى أحبه فإذا احببته كنت بصره الذي يبصر به وسمعه الذي يسمع به …الحديث) ومن يسمع ويبصر بالحق فلا شك انه ينطق بالحق ،وصاحب هذا الفناء الكلي الجمعي ،لابد ان يرجع الى البقاء والى الصحو والاثبات، لأن الذي يبقى على حال الفناء لا يستطيع القيام بالطاعات والفرائض.  

                                                                                                            اما ابن عربي فيقول ورد في الحديث القدسي “انا جليس من ذكرني” والجليس مشهود للذاكر ،ومتى لم يشاهد الذاكر الحق الذي هو جليسه فليس بذاكر.(فصوص الحكم) ،ويعني بهذا ان الذاكر يجب ان يصل به ذكره الى مقام الشهود،و إلا فليس بذاكر.

فعند اصحاب هذه المقامات القعساء الذكرحجاب أن شغله عن الله.

ومن هنا قال الشيخ الأكبر رحمه الله  :        

  بذكر الله تزداد الذنوب== وتنطمس البصائروالقلوب

وترك الذكر أفضل منه حالا==لأن الشمس ليس لها غروب

وقد حار الكثير من الصوفية في شرح هذين البيتين اماغير الصوفية فما رأوى فيهما غير الكفروالزندقة.وصاحبهما يقصد ان ترك الذكر في حالة المشاهدة افضل ،لأنه يشغلك عن المذكور.وهذا الكلام يخص صاحبه وليس تشريعا اومضادة للشريعة ،بل كلام من عارف فنى ثم فنى ثم فنى فكان فناؤه عين بقائه.

قف حيث وقف ثم احكم عليه .          

   كقول صويحبات يوسف “حَاشَ لِلَّهِ مَا هَٰذَا بَشَرًا إِنْ هَٰذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ ” وهو بشر وليس ملكا،سُكرهم بحسنه،وفناؤهم في جماله،غيبهم عن انفسهم فشطحوا( من الشطح) والسكران لا يلام في حالة سكره .                                                                              قال في البيت الثاني :”لأن الشمس ليس لها غروب” والشمس التي نعرف تغرب ،فهولا يتكلم عن عالمنا المشهود المقيد المحدود. فهو عالم خاص به، وبهذا يتبين لكل لبيب اريب اديب ان كلام صاحب البيتين يقصد حالة خاصة به ، وشعورا يهمه ، فهو يرى ان في حالة الشهود اشتغاله بالذكرعن المذكور سوء ادب وذنب فشمس التجليات  اذا طلعت على قلب فهي لا تغيب .” لا أحب الآفلين”

قال الحلاج رحمه الله :
طلعت شمس من أحب بليل    == فاستنارت فما لها من غروب
إن شمس النهار تغرب بالليـــ  == ــل وشمس القلوب ليس تغيب
من أحب الحبيب طار إليه   ==  اشتياقا الى لقاء الحبيب


يعني شمس النبوة المحمدية والتي غير مقيدة لا بليل ولا بنهار،إذ زمن النبوة مطلق. اذا طلعت شمس حقيقته صلى الله عليه وسلم في قلبك واشرقت لا تأفل بعد ذلك ابدا أما شمس النهار فإنها إذا طلعت فلابد لها من غروب، ويحل الليل بظلامه الدامس. ولاشك ان من طلعت الشمس المحمدية على قلبه تشمله اطلاقيتها ويكون ناظرا بها، سامعا بها،  ناطقا بها،ومن هنا قال  بلبل الحضرة وسلطان العاشقين على لسانها :

وروحي للأرواح روح وكل ما ==  ترى حسنا من فيض طينتي

وقال احد العارفين :

تَوَضَّأ بِماءِ الغَيْبِ إنْ كُنْتَ ذا سِرٍّ♣وإلا تَيَمَّمْ بالصَعيدِ أو الصَخْرِ

          وَقَدِّمْ إماماً كُنْتَ أنْتَ إمامَهُ ♣وَصَلِّ صَلاة الفَجْرِ في أوَّلِ العَصْرِ

              فَهذي صَلاةُ العارِفِيْنَ بِرَبِّهِم♣فَإنْ كُنْتَ مِنْهُمْ فانْضَحِ البَرَّ بالبَحْرِ

فالذكر مع الاكثار والمداومة عليه ،بعد ان يكون مقالا لفظيا ،يصبح حالا قلبيا ومن هنا قال بعضهم ان ورده كذا وكذا من الصلاة على النبي بأعداد تخيف اصحاب الحويصلات الضيقة ،ولا يقبلون بها،كقول الشيخ محمد الكتاني ان ورده كان 70000 صلاة بصيغة صلى الله على سيدنا محمد فهو ذاكر بحاله لا بلسانه .وعندما يصبح الذكر مقرونا بالمشاهدة، يكون اكبر من كل شئ “ولذكر الله اكبر” ويكون قمة هرم السالكين الى الله،ومن هنا كان الذكراعظم القربات .عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألا أخبركم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم،وأرفعها في درجاتكم،وخير لكم من إنفاق الذهب والفضة،وخير لكم مِنْ أَنْ تلقَوْا عدوَّكُمْ فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟» قالوا: “بلى يا رسول الله”! قال: «ذكر الله عز وجل»(الترمذي)                          وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير في طريقه إلى مكة،فمرَّعلى جبل يقال له جمدان” فقال: «سيروا هذا جمدان، سبق المُفَرِّدُونَ» قالوا: “وما المُفَرِّدونَ يا رسول الله”؟قال: الذاكرون الله كثيرًا والذاكرات»(مسلم).                                                                  وعن أنس رضِي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لأن أقعد مع قوم يذكرون الله منذ صلاة الغداة حتَّى تطلع الشمس، أَحَبُّ إليَّ من أن أعتق أربعة من ولد إسماعيل،ولأن أَقْعُدَ مع قوم يذكرون الله من صلاة العصر إلى أن تغرب الشمس،أَحَبُّ إليَّ من أعتق أربعة»(سنن ابي داوود).

وقال تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام” وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ” (الكهف28)


اعلم أن الطرق الى الحق كثيرة حتى قيل أن الطرق الى الخالق  على عدد أنفاس الخلائق ” وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ“( سبلنا ،جمع) وكلها تتخذ ذكر الله اساس سيرها .قال تعالى” يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا” ،” اذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم “وقال “والذاكرين الله كثيرا والذاكرات “وقال صلى الله عليه وسلم :” لكل شئ مصقلة ،ومصقلة القلوب ذكر الله “،وقال” اذكروا الله حتى يقولوا مجنون “وقال “لايزال لسانك رطبا من ذكرالله ” .

قال القشيري ذكر الله هو العمدة في الطريق، وقال لا يصل أحد الى الله إلا بدوام الذكر ،وقال الذكر منشور الولاية .وقالوا الذكر هو نعم الانيس والعقدة (ما فيه بلاغ  الرجل وغايته)ونعم الجليس والعدة ونعم الانيس لساعة الوحدة .

فمدار الطريق أيها الفقير على الذكر في البداية والنهاية،ومن أشرقت بدايته بذكر الله أشرقت نهايته بمعرفة الله. فأربحُ التجارة ذكر الله تعالى. فداوم عليه تربح. قال تعالى: “إنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً” . وختم هذه المراتب العشرة بجلسائه :أنا جليس من ذكرني

وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى اله وصحبه

 

178 : عدد الزوار