Search
Exact matches only
Search in title
Search in content
Search in excerpt
Search in comments
Filter by Custom Post Type

القاعدة 5 من خريطة السلوك العرفاني

بسم الله الرحمن الرحيم.الحمد لله رب العالمين.والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه.
نواصل شرح القواعد المباركة من (خريطة السلوك العرفاني) لأستاذنا سيدي محمد بن المبارك حفظه الله،ونحط الرحال مع القاعدة الخامسة التي تقول:
إعلم أنه مھما فسد الزمان،فلابد من وجود شيوخ التربية، لضرورةإستمرارية الآية (قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن إتّبعني)،ولقوله صلى الله علیه وسلم: (الخیر فيَّ وفي أمتي إلى یوم القیامة). وقد أجمع أهل الله على أن الشیخ المربي ینبغي أن یتوفّرفیه: (1- ذوق صريح 2- علم صحيح 3- همّة عالية 4- حال مُرضيّة 5- بصيرة نافذة).
وإن من لم تتوفّر،فلا تُرى آثار التربية وثمارها في أتباعه. فلا یكون العیب،عیب التصوف ومنھجه،ولكن العیب عیب الشیخ الدَّعيِّ الذي نَصَّب نفسه ولم یستحي من ربّه،وعطّل نفسه وعطّل غیره معه. وھذا من أعظم أسباب إنحراف التصوف عن هدفه الأسمى في ھذا العصر.
ما يُثير إنتباهنا في معظم هذه القواعد المباركة،أنها تركز على أهمية (شيخ التربية) في السلوك العرفاني والتدرج في المقامات السنيّة والسّير إلى الله على بصيرة.فهو بمثابة (الأساس المتين) الذي يقوم عليه بيت التربية والسلوك.
وقد تناولنا مفهوم (شيخ التربية) وضرورته في السلوك والتزكية الصوفية،في القواعد السابقة،خصوصاً (القاعدة الأولى)..
_ وما يستوقفنا في هذه القاعدة الخامسة هو تنزيل الآية الكريمة من كلام الله عز وجل الذي له الإستمرارية في كل زمان ومكان..
وأبدأ بنص بديع للتابعي الجليل عبد الله بن المبارك،يربط فساد الأمة ب الخاصة ومن خلالهم ينتشر في (العامة)،يقول:
ما جاء فساد هذه الأمة إلا من الخواص،وهم خمسة: (العلماء،والغُزاة،والزهاد،والتجار،والوُلاة). أما (العلماء) فهم ورثة الأنبياء،وأما (الزهاد) فعماد الأرض،وأما (الغزاة) فجند الله في الأرض،وأما (التجار) فأمناء الله في الأمة،وأما (الوُلاة) فهم الرعاة. فإذا كان (العالم) للدين واضعاً،وللمال رافعاً،فبمن يقتدي (الجاهل).وإذا كان (الزاهد) في الدنيا راغباً،فبمن يقتدي (التائب).وإذا كان (الغازي) طامعاً،فكيف يظفرب(العدو).وإذا كان (التاجر) خائناً،فكيف تحصُل (الأمانة).وإذا كان (الراعي) ذئباً،فكيف تحصُل (الرعاية)]. وقد قيّد الحق عزوجل للفساد والمفسدين من يتصدّى لإنحرافهم وردّ باطلهم،وليس لهذه المهمة الإصلاحية إلا أهل الله العارفون بالحق من الحق للحق،وهم (شيوخ التربية المحققون)،لأن لهم (التصريف) حقيقة في العباد والبلاد،وقد قال الشيخ محمد أبو المواهب الشاذلي:[التصريف: هو تصرّف المتحقّق بالهمّة القلبية العالية الغيبية في الأنام بالكلام من سرالفهوانية في الحضرة الإلهية،وهي كلمة (كن). يقول الله لوليّه:أنا أقول للشيء كن فيكون،وقد جعلتك تقول للشيء كن فيكون]..فما دام التكليف قائماً والفساد حاضراً،لا بد من إستمرارية مهمّة الإصلاح والتربية. هنا تكمن ضرورة (شيخ التربية) المَنوط به هذه المهمة الرسالية،وراثة نبوية،لأن فاقد الشيء لا يُعطيه.. _ عندما نستقرئ قوله تعالى (قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن إتبعني) من خلال كلام أهل الله العارفين المحققين،نجد إجماعهم على أن مفهوم (بصيرة) في الآية الكريمة هو عبارة عن (الولاية الكاملة) و(العارف المتحقق بها)..فمثلاً نجد أن الشيخ عبد القادرالجيلاني يذكر أن من معان(البصيرة)هو (الولاية الكاملة)،وقد إستنبط ذلك من الآية المذكورة قائلاً: [ وهو إشارة إلى (الوارث الكامل المُرشد)،أي الإرشاد من بعدي لمن له بصيرة مثل بصيرتي من وجه. والمراد منه (الولاية الكاملة) كما أشار إليه عز وجل (وليّاً مُرشداً)]. ويستنبط الشيخ الأكبر إبن عربي من الآية فهماً كلياً يشمل كل القوى الحسية والمعنوية للعارف،يقول:[ البصيرة:إعطاء (البصر)حقّه في حُكمه وسائر الحواس وإعطاء (العقل) حُكمه وسائر القوى المعنوية،وإعطاء (النّسب الإلهية والفتح الإلهي) حكمهم..].. يقول الإمام القشيري: [البصيرة: هي اليقين الذي لا مرية فيه،والبيان الذي لا شك فيه.وصاحبها يكون مُلاطفاً بالتوفيق جهراً،ومُكاشفاً بالتحقيق سراً.]. وقد شبّه العارفون (البصيرة) بسطوع شمس العرفان الذي تندرج بسببه أنوار نجوم العقل..ولهذا قال الشيخ عبد الله الهروي: [ البصيرة: ما يُخلّصك من الحيرة].. ومن أسامي (البصيرة)عند أهل الله:(عين القلب وعين الروح)،ولا تُفتح هذه العين الباطنية إلا للأولياء ومن كان على نهجهم وسبيلهم،فقد قال الشيخ الجيلاني: [ فالواجب على الإنسان تحصيل تلك العين (أي البصيرة) على أهل البصائر بأخذ التّلقين من وليّ مُرشد مُخبر من عالم اللاهوت]. فالبصيرة هي النظر المُؤيّد بنورالله عز وجل،وهي (فقه القلب)و(سريان الفهم) الذي يحُلّ الإشكالات المعرفية والنفسية..فهي (نور وإشراق وكشف ومعرفة).. وقد أفاض العارفون في التعريف ب(البصيرة) وشروط التحقّق بها،وعندما نقوم بتنزيلها على غالبية مشايخ عصرنا،الذين تربّعوا على سجادة التربية والتّسليك ظلماً وزوراً وإدّعاءً،نستحيي من إنتسابنا إلى طريق أهل الله المبارك ونخجل عند دفاعنا عن نهجهم وأخلاقهم وأحوالهم..وما حصل لنا كل ذلك إلا من قلّة ونُذرة المتحققين بالمعاني السامية للصوفية الحقيقيين وللعارفين المحققين..وقد تأوّه وتألّم العارفون في كل العصور من كثرة المدّعين والمرتزقين بالنّسبة الشريفة لسلسلة أهل الله،فغيّروا وحرّفوا وكذبوا،فضلّوا وأضلّوا..(فكل من إدّعى فتح بصيرته وعنده بَقيّة طمع فيما بأيدي الناس فهو كاذب،فإن من فتح الله عين بصيرته لا يصح أن يُعَلّق قلبه بمخلوق،لأنه يجد الخلق كلهم فقراء لايملكون شيئاً مع الله تعالى) كما قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي..وحدّث ولا حرج في الطمع والجشع والإسترزاق والإستجداء الذي يقع فيه المدّعون جهاراً،فيستغلون كل من له محبة في طريق أهل الله..فكل من له مرض نفسي أو مسّ شيطاني فقد أدرج نفسه في أهل الله،وتصدّر للتربية بالأحوال الوهمية الهستيرية،ودعا لنفسه واستُدعيَ له بأنه صاحب بركة وخوارق وكرامات.. والوجع يطول سرده.. _ ولتستوفي القاعدة حق النصيحة،فقد أدرج أستاذنا حفظه الله معياراً للتمييز بين المحقّق والمُدّعي في المشايخ،وذلك من خلال وضع خمسة شروط من توفّرت فيه فهو (محقّق)،وإلا فليس هناك إلا الدّعوى العريضة التي تنطلي على صاحب القفى العريضة،فالجهل هو آفة الآفات عند السالكين لطريق التصوف.. وشروط التحقّق هي: (ذوق صريح ، علم صحيح،همّة عالية، حال مرضية، بصيرة نافذة)

1_ (ذوق صريح): (الذوق)هو(نورعرفاني) يقذفه الحق بتجلّيه في قلوب أوليائه،يُفرّقون به بين الحق والباطل من غير أن ينقلوا من كتاب أو غيره.. فالذوق مُتوقّف على تزكية النفس،لأنه ــ كما قال الشيخ الأكبر ــ [تجلّي إلهي حاصل للمؤمن الذي أكمل شرائط الإيمان،وهو بدء جعل السكينة في قلبه]..ولهذا كان (علم الأذواق) هو العلم الصحيح،لأنه غير حاصل عن فكر وبرهان (علم الظاهر)،بل هو نتيجة ذوق وكشف (علم الباطن / العلم اللدُني)..
وقد ترك لنا الشيخ فريد الدين العطار عبارة رقيقة يقول فيها: [ إذا إجتمع (العقل والدين والعشق)أدْرَك (الذوق)كل الأسرار التي يبتغيها الطالب]. ولما كان (الذوق)علمُه مقصور على ذائقه،فدعواه ثابتة بشواهد حاله،كاذبة بها.. لهذا يجب أن يكون (الذوق) صريحاً وربانياً..

2 _ (علم صحيح): بحيث يكون مبنياً على الكتاب والسنة، مُؤيّداً بالقضايا العقلية والوجوه المُفهمة المُسلّمة بالأدلّة الصحيحة المقدّمة..

3_ (همّة عالية): (الهمّة) هي القدرة والإرادة والطلب للشيء بكليتك،وهي حالة للقلب،تكون عالية إن تعلّقت بمعالي الأمور وسافلة إن تعلّقت بأدانيها..و(الهمة العالية) هي نور في القلب مُتوجّه إلى العالم الأعلى.. يقول الشيخ الجنيد: [ ليس في الدارين شيء أعظم من (همّة العارف)،لأنها (ربانية فردانية صمدانية روحانية ديمومية عُلوية قُدسية)،بل هي لحظة بَرقية ولَمعة وقتية ووَديعة سرية،التي منه بَدت وإليه تعود،فلا يُدرك كمالها وشرفها غير الله]. يقول الشيخ كمال الدين القاشاني:[همة أرباب الهمم العالية: هي التي لا تتعلّق إلا بالحق ولا تلتفت إلى غيره،فهي أعلى الهمم حيث لا ترضى بالأحوال والمقامات، ولا بالوقوف على الأسماء والصفات،ولا تقصد إلا عين الذات].

4 _ (حال مرضية): يقول السيد محمود أبو الفيض المنوفي: [ (الأحوال): مواجيد روحية وثمرات وَهْبية،يُنتجها سلوك المقامات العَليّة التي يتدرّج فيها السالك مُجاهداً لنفسه (الأمارة بالسّوء) حتى يصل إلى درجة (النفس المَرْضية)]. ويقول الشيخ نجم الدين الكبرى: [ الحال: هو زاد وشراب ومَركب،بها يتقوّى السيّار ويَسْتعين في سَفره المعنوي إلى مطلوبه الكُلّي.فهو قوة الروح أو القلب أو النفس أو الشهوة،وهو قوة من باق في باق إلى باق]. ومن خلال (نور الحال) يُغذّي (الشيخ المربي) قلب المُريد بما يَفيض عليه من إشعاعات مباركة تتمثّل بما يَجده المريد من (فُتوحات).. 5 _ (بصيرة نافذة): وهي الإدراك والفطنة والنظر النافذ إلى خبايا الأشياء..ومن خلالها يكون (الكشف والمعرفة) أعمق وأكمل.. أول ما يتبيّن لنا عند إخضاع غالبية مشايخ عصرنا لهذه المعايير التّحقيقية،أنها مثالية وغيرقابلة للتنزيل في أرض الواقع،وما ذلك إلا من كثرة المُدّعين وقلّة المُحقّقين..وهو أمر طبيعي فلا يصلُح للحضرة الإلهية إلا من صفت نفسه وتطهّر قلبه،فالحضرة لا تقبل إلا طاهراً،ومن لم يكن على سبيل المصطفى الكريم سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم فلا يطمع في دخولها وبالتالي في القيام بمهمة (التربية) على بصيرة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم.. وصلى الله وسلم على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه. الفقير الى عفو ربه رشيد موعشي.

122 : عدد الزوار