النسبية بين ابن عربي و أينشتاين

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الانبياء والمرسلين،وعلى مولاتنا فاطمةَ الزهراء سيدة نساء العالمين ،وعلى سيدتنا خديجةَ الكبرى امِّ المومنين ،وعلى اله وصحبه اجمعين.

ابن عربي عارف من العيار الثقيل.
واينشتاين عالم من العيار الثقيل.
الشيخ الاكبر قطب زمانه .
الاستاذ الاكبر حائز على جائزة نوبل (سنة 1921) وهي القطبانية العلمية.لقد درس خبايا الكون في بيته بقلم رصاص وورقة مزيتة (كما تقول زوجته) وما ذهب قط الى مَرْصَد وما استعمل مِقراب (تلسكوب).
الاول يعتمد على الكشف والعلم اللدني ،والثاني على البحث العلمي. الاول ترك لنا كتابه الفتوحات المكية،والثاني ترك نظرية النسبيىة .
الاول اعتمد على الذوق في معرفة مراتب الوجود الاولية،والثاني للعلوم الكونية ذائق حاذق ،في معادلاته باحث عن الحقائق .
ألبير أينشتاين،عملاق الفيزياء ،ولد لعائلة يهوديّة في ميونخ سنة 1879 م هو صاحب نظريّة النسبيّة ،والتي كانت نقطة تحوّل كبير في تاريخ علم الفيزياء.
فنظرية أينشتاين ربطت الزمان بالحركة ،فإذا تحرك الجسم بسرعة كبيرة تقترب من سرعة الضوء، تباطأ الزمان ،كما بينت تقلُّص وتمدّد الزّمن في الكون. وأثبتَت كذلك أنّ الكتلةَ نسبيّة ،وأنّها مقدارٌمتغيٌر،يتَغيّرُ بحركةِ الجسم؛فكلما ازدادتْ سرعة الجسم، ازدادت كتلتُه ، حتى تصبح لا نهائيّة.فتحتاج الى طاقة لا نهائية ،وبالتالي يستحيل بلوغ سرعة الضوء وخرج بمعادلته الشهيرة E=mc2
فالحركة نسبية والزمان كذلك نسبي ،والمكان والزمان مرتبطان ببعضهما البعض كشيء واحد يُسمى(الزّمكان) بعد أن كان يتم التّعامل معهما كشيئين مُختلفَين.
ولتقريب المعنى من القارئ لنفترض أن هناك شخص في مكتبه لا يتحرك ،وهذا صحيح بالنسبة للمكان الموجود به، لكن ليس صحيحاً بالنسبة للكون؛ فالشّخص ومكتبه يتحرّكان بتأثير مجموعة من الحركات ،منها دوران الأرض حول الشمس،ودوران الأرض حول نفسها،وحركة النّظام الشمسيّ في مجرّة درب التبّانة،وحركة المجرّة في الكون.
يقول اينشتاين :إن”المدة الزمنية تختلف من شخص إلى آخر، حيث يمكننا القول إن الساعة التي يقضيها المترجل على الطريق تكون أبطأ من الساعة التي يقضيها سائق السيارة على الطريق،وهذه الساعة تعد بدورها أبطأ بكثير من الساعة التي يقضيها سائق الطائرة في الجو وهكذا دواليك، وذلك نظرا لأن الحركة تختلف بينهم”.
والمثال الاكثر تداولا عند شراح النسبية هو بولادة توأمين في نفس الوقت أحدهما بقي على الأرض والآخر غادر الأرض بسرعة الضوء، لمدّة سنة، ثم عاد بنفس السّرعة مرة أخرى للأرض، سيجد أن توأمه وصل عمره إلى خمسين سنة ،وهو مازال عمره سنتين. سبب ذلك هو تمدّد الزّمن لدى التّوأم المُسافر، نتيجة تحركه بسرعة تقترب من سرعة الضّوء.
وأثبتت نظريّة النسبيّة أن الضّوء ذو سرعة ثابتة مهما كان مصدره ومكانه،(300000 كيلومتر في الثانية )وهو ليس بحاجة لِـــوسطٍ ناقل، للانتقال من مكان لآخر كما هو الحال بالنسبة لموجات الصّوت. ولا يمكنُ لأيّ جسمٍ أن يصلَ إلى سرعة الضوءِ.

والزمان الذي يَقصدِه أينشتاين هو الزمان الخارجي الذي تتحرّك النجوم والكواكب بداخِله،اما الزمانَ المعروفَ بالساعةِ واليوم والشهر والسنة، فمجرّد مصطلحات ترمز إلى دوران الأرضِ حول نفسِها، وحولَ الشمس. والنظام الشمسيّ ليس النظام الوحيد في الكون، فلا يمكن أن نَفرضَه على الكون كلّه ،الزمان مقدارٌمتغير،ولا يوجد زمان واحدٌ للكون كلّه، والمكان مقدارٌ متغير، فمثلا كوكب الزهرة يومه يدوم 243 يوما شمسيا من أيامنا أي قرابة سنة .
واينشتاين يرفض الصدفة والعشوائية في الكون الالهي يقول :
Le hasard c’est Dieu quand il se proméne incognito
بمعنى ان لا وجود للصدفة في الكون الالهي وكل ما لم نفهمه وننسبه للصدفة فهو وجه الله متستر ومختفي(incognito ) لم ندرك حقيقته

وأثبتت هذه النطرية ان الكون لم يوجد بالصدفة ،وأن وراءه علة لا علاقة لها بالمكان ولا بالزمان ولا بالمادة.
ولننظر الى هذه النسبية على ضوء القرءان : كلام الله القديم يشير الى هذه النسبية والى التمدد الزماني قال تعالى(أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا)ففي حالة الرتق لم يكن لازمان ولا مكان،وبعد الفتق حافظ الكون في توسعه على اطلاقيته، فلم يقيد بنعوث لا تتماشى وعظمته. قال تعالى ( لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)أكبر من خلق الناس المقيدين بالزمان وبالمكان، ومعرفة هذا يحتاج الى علم.
(الم ير الذين كفروا) والخطاب موجه للذين كفروا ،لأنهم هم السباقين في كل مجالات العلم .قال تعلى (والسماء بنيناها بأييد وانا لموسعون)فنسب تعالى البناء له(كما يليق بجلاله)بأييد بزيادة ياء ،وزيادة المبنى تفيد زيادة المعنى ،ومن بناه الله لا شك لا يقيد لا بالزمان ولا بالمكان وهذه الاطلاقية منحته الوسع والتوسع.
قال تعالى ” إن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون” فيوم الربوبية بألف سنة من حسابنا.
وقال تعالى “يدبر الامر من السماء الى الارض ثم يعرج اليه في يوم كان مقدراه ألف سنة مما تعدون” هذا يوم التدبير كذلك بإلف سنة مما نعد .
أمافي حق الملائكة فعروجهم مخالف قال تعالى” تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ” يوم مقداره 50000 سنة ،أرقام خيالية لا يستطيع عقلنا اسيعابها
قال تعالى “ويوم تقوم الساعة يظن المجرمون ما لبثوا غير ساعة” . فالشخص الذي مات ينتقل من التقويم الزمني الارضي،التابع لطلوع الشمس وغروبها الى تقويم اخر،الاف السنين التي مرت عليه في قبره يحسبها كساعة او كيوم .
فالزمان نسبي لهذا قُبض الزمان على طعام عزيرفلم يتسنه واحتفظ بصلاحيته،وبسط الزمان لحمارعزير فصارعظاما وقال عزير”لبثت يوما أو بعض يوم” : مائة سنة في حق عزير عدها يوما او بعض يوم ،وهو نفس شعور أصحاب الكهف” قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض” . وقد لبثوا في الكهف 300سنة.
أما نسبية الحركة والسكون فأشار اليها القرءان الكريم في قوله تعالى “وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي أثقن كل شيء” . وربط الحق تعالى الصنعة بالصانع . قال تعالى (ألم تر الى ربك كيف مد الظل)وامتداده حركة،ولو راقبت الظل اليوم كله،ما رأيته يتحرك.وهو يتحرك حركة لا ندركها. وعفريت سليمان القائل “انا اتيك به قبل ان تقوم من مقامك و إني عليه لقوي امين” قوة حركته قلصت الزمان الى ” قبل ان تقوم من مقامك” (وكان يجلس في مجلسه من الصبح الى الظهر). والذي عنده علم من الكتاب قال(قبل ان يرتد اليك طرفك) وهذا زمن الربوبية (وما امرنا الا واحدةٌ كلمح بالبصر) فكان عمله بالله.احضر العرش قبل ان يرتد لسليمان طرفه . زمان خارج الزمان ،زمان لا يقاس ولا يدخل تحت القياس. ففي نفس المسافة وفي نفس المحمول(عرش بلقيس) تغيرت الحركة، والقوة،واختلف الزمان ،ولو حملنا عرش بلقيس على طائرة ،لاستعرقت الرحلة اكثر من اربعة ساعات. نظرية النسبية تسري على جميع الاجسام المتكونة من المادة، أي من ذرات وجزئيات ،ويستثنى منها الجسم المحمدي الشريف النوراني في معراجه، فلم يتمدد الزمان ولم يتقلص له في سفره الملكوتي ،فسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم نور ،مطلق غير مقيد لا بالزمان ولا بالمكان ولا بالسرعة. ووصل الى (قاب قوسين او ادنى). أما الشيخ الاكبر فأشار الى هذه النسبية الزمانية والمكانية 700 سنة قبل أينشتاين. يقول ابن عربي في الفتوحات الفصل 31 من الباب 198 الجزء 2 صفحه 456 : الزمان امر متوهم لا وجود له،تظهره حركات الافلاك او حركات المتحيزات اذا اقترن بها السؤال بمتى… فالحيز و الزمان لا وجود لهما في العين.. واما المكان فهو ما تستقر عليه الممكنات لا فيه …. فالمكان ايضا امر نسبي …. ويقول في الباب 293….. اعلم ان النور المنبسط على الارض الذي هو من شعاع الشمس الساري في الهواء ليس له حقيقه وجوديه الا بنور البصر المدرك لذلك، فاذا اجتمعت العينين، عين الشمس وعين البصر، استنارت المبصرات وقيل قد انبسط نور الشمس عليها…انتهى. ! فبالنسبة لابن عربي حتى ضوء الشمس نسبي. ويقول ابن عربي في مكان اخر،ان الشروط الخمسة التي تُعيِّن الوجود الحسي هي المكان والزمان والمادة والحياة.اهـ ويقول وحيثما وجد الزمان وجد المكان ،وحيثما وجد المكان وجد الزمان وهو ما سماه علماء الفيزياء الفلكية (الزمكان). ويقول في الباب 198..واعلم ان الطبيعة هذا حكمها في الصور لا يمكن ان تثبت على حالة واحدة ،فلا سكون عندها ….لأنه تعالى كل يوم هو في شأن…انتهى. فكما نرى لم يترك ابن عربي بابا من ابواب العلوم الا طرقه ،ومنهم من فُتح له.فقد اصاب من سماه الشيخ الاكبر . وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد نبي الله ،وعلى الزهراء بضعة رسول الله

(1) أينشتاين كان موحدا لله والكثير من أقواله تبين ذلك: في عام 1936 وفي مدينة برنستون إلتقى أينشتاين بطفل ،وسأله هذا الاخير سيدي هل تؤمن بالله؟ قال له اينشتاين لا أستطيع الرد عليك في الحال لكن أعطيني عنوانك ،وسأرسل إليك الاجابة.وبعد أسبوع تلقى الطفل الرد التالي :أي شخص يشارك بجدية في العلم يفهم أن هناك روحا تتجلى في قوانين الكون ،روح أعلى بكثير من روح الانسان..
وسألته احدى طالباته بعد المحاضرة أستاذ عن ماذا تبحثون في معادلاتكم ،فأجاب أنا لست مهتما بتفاصيل المادة ،أريد أن أعرف كيف أبدع الله الكون، وأضاف اريد معرفة فكرالله )او تفكير الله) (je veux connaitre la pensée de Dieu)..

525 : عدد الزوار