جواهر المعاني وبلوغ الأماني

جواهر المعاني وبلوغ الأماني /الباب الخامس

_ المؤلف: سيدي عليّ حرازم ابن العربي بَرادة المغربي الفاسي. _ (الباب الخامس): في ذكر أجوبته عن الآيات القرآنية والأحاديث النبوية،وفي ذكر رسائله وكلامه وإشاراته،وما سمعته من فيوض علومه وأسراره وتقريراته.. وهذا الباب هو لُبّ اللّباب،وعليه مدار هذا الكتاب. ذكر الآيات القرآنية على طريق أهل الإشارة الربانية _ (معنى القرآن): قول أهل السنة: “القرآن دالّ على كلام الله تعالى”،فيه إطلاق تسامح. ووجه التحقيق في ذلك أن: كلامك بالقرآن دالّ على مدلولات الكلام الأزليّ،لا على عين الكلام الأزليّ البارز من الذات،فإن ذلك لا تُمكن الدلالة عليه.. فالكلام الذي تتلوه في القرآن ليس هو دالاً على المعنى القائم بذات اللهتعالى،وإنما اتّحَدت دلالة لفظك بالقرآن ودلالة المعنى القائم بذات الله على المدلولات في الكلام،فأطلق عليه اسم القرآن من هذا الباب،إذ لم يكن لذلك سبيل إلا هذا.. فإن اسم القرآن ما أطلق إلا على الكلام البارز من الخلق،الدالّ على مدلولات كلام الله تعالى. وليس اسم القرآن يُطلق على المعنى البارز من الذات المقدسة،فإن ذلك لا يطلق عليه اسم القرآن،وإنما هي صفة قائمة بالذات العليّة،والقرآن لا يطلق إلا على تلفّظنا بكلام الله تعالى وقراءتنا له.. ويوضّح لك هذا: أن عِلمَك بالمعلومات ليس هو دالاً على علم الله،وإنما هو دالّ على مدلولات علم الله.. وهكذا في السمع والبصر،وهكذا في الإرادة: فإن مدلولات إرادتك هي مدلولات إرادة الله تعالى،وليست إرادتك عين إرادته ولا دالّة عليها.. ولو انكشف الحجاب لرأيت أن الزمان لا وجود له أصلاً،ولا يبقَ إلا الوجود المطلق وقِدَمه وبقاؤه.. فكلام الله تعالى وصف قائم بذاته،لا يدلّ عليه القرآن كما يقوله العلماء،وإنما القرآن دالّ على مدلولات الكلام الأزليّ.. _ (التفضيل بين الصلاة على النبي وبين تلاوة القرآن): تفضيل القرآن على جميع الكلام،من الأذكار والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وغيره من الكلام،فأمر أوضح من الشمس.. وتفضيله من حيثيّتين: الأولى: كونه كلام الذات المقدّسة المتّصفة بالعظمة والجلال.. والثانية: ما دلّ عليه من العلوم والمعارف ومحاسن الآداب وطرق الهُدى ومكارم الأخلاق والأحكام الإلهية والأوصاف العليّة،التي لا يتّصف بها إلا الربانيون.. ثمّ إن هاتين الحيثيّتين لا يبلغ فضل القرآن فيهما إلا عارف بالله قد انكشف له بحار الحقائق،فهو أبداً يسبح في لُجَجها. فصاحب هذه المرتبة هو الذي يكون القرآن في حقّه أفضل من جميع الأذكار والكلام،لكونه يسمعه من الذات المقدسة سماعاً صريحاً في كل وقت..
والمرتبة الثانية في القرآن،دون هذه،وهي: من عرف معاني القرآن ظاهراً وألقى سمعه عند تلاوته،كأنه يسمعه من الله يقصّه عليه ويتلوه عليه،مع وفائه بالحدود. فهذا أيضاً لاحق في الفضيلة بالمرتبة الأولى،إلا أنه دونهما.
والمرتبة الثالثة في تلاوة القرآن: رجل لا يعلم شيئاً من معانيه،ليس له إلا سرد حروفه،ولا يعلم ماذا تدلّ عليه من العلوم والمعارف. فهذا إن كان مهتدياً،فهو لاحق في الفضل بين المرتبتين،إلا أنه منحطّ عنهما بكثير،بشرط أن يكون مُهتدياً موفياً بالحدود والواجبات،غير مُخلّ بشيء منهما.
والمرتبة الرابعة: رجل يتلو القرآن،سواء علم معانيه أو لم يعلم،إلا أنه مُتجرّئ على معصية الله.. فهذا لا يكون القرآن في حقّه أفضل،بل كل ما ازداد ذنباً تعاظم عليه الهلاك.. وكل من يحفظ القرآن ولم يقُم بحدوده،فقد اتّخذه هُزواً..
فأصحاب المراتب الثلاثة الأولى: القرآن في حقهم أفضل من الصلاة على النبي. وصاحب المرتبة الرابعة: الصلاة على النبي في حقّه أفضل من القرآن،وبيان ذلك: أنه يزداد من الله تعالى بتلاوة القرآن طرداً ولعناً وبُعداً،إلا أن يكون صاحب مرتبة إلهية في الغيب مُدّخرة له في المعرفة بالله العيانيّة.. بخلاف الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم،لكون الله يُصلّي عليه بكل صلاة عشراً،وهذا الوعد من الله محقّق لكل مطيع وعاصٍ. فكل من صلى عليه ربّه صلّت عليه الملائكة،فهو من أهل السعادة. فصاحب هذا الحال يقع له الهلاك والشقاء بتلاوة القرآن،وتقع له السعادة والغفران بالصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
القرآن هو أفضل الدرجات في التقرّب إلى الله تعالى،لكن لمن صَفت أعماله وأحواله مع الله تعالى. فيكون تاليه،حينئذ،من أكبر السابقين وأعظم الفائزين برضا الله تعالى. ولا قدرة لأهل هذا الوقت على هذا،فإنهيقع بهم من المقت بتلاوة القرآن ما لا تُدركه العقول. فإن لله تعالى غيرة على كتابه لكونه حضرة القُرب والتّداني،فمن خالط كتابه وأساء الأدب معه طرده ومَقته لكونهلم يُعط الحضرة حقّها. فإذا عرفت هذا،عرفت النّسبة بينه وبين الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم..
_ (وَجهي القرآن: بين العامّة والخاصّة): اعلم أن الكلام في القرآن على وجهين: الأول: هو ما عليه العامّة وأحوالهم،من الظلم وجزائه والتقريع والتوبيخ،وإسناد الفعل إلى المكلفين والغضب عليهم،وإيقاع الوعيد عليهم باللعنة والسخط والعذاب،وإيقاع الحمد والثناء على القائمين بأمور الله منهم،وبسط الكلام على ثوابهم ودرجاتهم في الجنة وما يُلاقونه من الرضا من الله تعالى،إلى غير ذلك.. وأما في طريق الخاصة،فالعارف يرى أن ما في طريق العامّة غطاء غطّى الله به أسرار القرآن،ومَذاقات أهل الخصوص من وراء أطوار الحسّ والعقل المُدرَكين في أمر العامة. فيجب كَتمُه على كل من علمه إن لم يُرد سبحانه إظهاره،إلا للخاصة العليا من خلقه.. _ (المحبة العامّة والخاصّة): محبّة المخلوقات،التي هي شدّة الميْل والشّغف بالشيء حتى لا يجد عنه صبراً،وشدّة الاشتياق إلى المحبوب عند فَقْده والولوع به حتى يذهب عن عقله هائماً في حبّ المحبوب. فهذه كلّها مستحيلة في حق الله تعالى،لا يتأتّى في ذاته العليّة أن يطرأ فيها ميل أو شغف أو شوق،إذ هو في مرتبة ذاته جلّ وعلا في العلوّ الذاتي والكبرياء والعز الكامل والجلال،الذي لا يوصف ولا يُكيّف. وكل هذه الصفات العلية،من حيث ما هي هي في الذات،اقتضت أن لا يوجد شيء معه من الأكوان،فضلاً أن يلتفت إليه بمحبّة أو يلتويَ إليه بشوق.. وهو المشار إليه في الحديث: “كنت كنزاً لم أعرف”.
ثمّ تنزّل سبحانه بقوله: “فأحببت أن أعرف”. وهذا التنزّل منه ليس نزولاً عن المرتبة الأولى،بل هو فيها أزلاً وأبداً. لكن اقتضت مشيئته تعالى،التي يستحيل نفي ما تعلّقت به،أن يوجِدعالَماً من الموجودات يتصرّف فيه بإفاضة رحمته وعمومها،وبظهور سطوات جلاله وعلوّها. وتعلّق هذه المشيئة هو المُعبّر عنه ب”التنزّل”..
هناك أمر دقيق صعب المُرام،لا مطمع للعقول والأفكار فيه،اختصّ به المرسلون والصديقون،ومن وَراءهم من عموم النبيين،وهو: محبّة ذاته العليّة خالصاً لذاتها،لا ليعود عليها منه شيء. وهذا المطلب هو أقصى المرامات كلّها،فمن مَنحه تعالى ذرّة من هذا المطلب ارتفع به إلى الرّتبة العليا في التعظيم والإجلال. ومن دون الصديقين لا حظّ لهم في هذا الخطاب.
وهناك المحبّة العامة منه تعالى،وفي هذه المحبة جميع العوالِم،حتى الكفار فإنهم محبوبون عنده في حضرة قوله تعالى: “فأحببت أن أعرَف،فخلقت خلقاً فتعرّفت إليهم” الحديث.. فالأرواح كلّها خُلقت كاملة المعرفة بالله تعالى،ولكنطرأ عليها الجهل بمخالطتها للجسم.. فإن الجهل الذي وقع للأرواح ليس هو الأصل فيها،وإنما الأصل فيها المعرفة بالله تعالى من كل وجه.. فما خرجت الكفار عن محبّته تعالى،لكن المحبّة العامّة،وإليها مرجعهم ومآلهم من وجه لا يحلّ ذكره وما يعقله إلا الأكابر،ويُترَك ذلك تحت غطائه لا يُذكَر لأهل الظاهر لعدم قبول عقولهم له،وأطلع عليه الخاصة بالفيض الإلهي. ولقد غنا غنّات من هذا الأمر الشيخ الأكبر والشيخ عبد الكريم الجيلي،فقدوقع عليهم الخبط والصّعق عقوبة لهم لما أبدَوا من العلم المخزون. إلا أنه جاء ما يدلّ على هذا في الظاهر في قوله صلى الله عليه وسلم،في سهيل بن عمرو: “لا أمَثّل به فيُمثّل الله بي وإن كنت نبياً” عَلم أنه ما خرج عن محبّة الحق،ولو كان كافراً..
وأما محبّة الخلق لله تعالى: فهم فيها،أيضاً،على مراتب: الأكابر الأعلون مَنحهم محبّة ذاته سبحانه،فهم بها غرقى في بحار التوحيد،لا يعرفون غير الله تعالى.. ودونهم في المحيط: عامة الأولياء،يُحبّون الله تعالى لفضله ولما منحهم من جوده وكرمه،ومحبتهم مقتضاها الشكر. وعلى هذه المحبة دلّت الأنبياء جميع الخلق،وهي التي فيها يعمل العبد. ليست كالمحبة الأولى،التي هي محبّة الذات،فإنها لا تعمّل للعبد فيها،إنما هي فيض من فيوض الحق تعالى. وفي هذه الرّتبة جميع الأولياء. والمحبة الثالثة: هي محبة الإيمان باللهتعالى،وهي محبة جميع المؤمنين التي انتفى بها بُغض الحق تعالى.. والمحبة الرابعة العامة: هي للكفار خاصة،فإنهم يحبون الله تعالى محبة الألوهية،لما هو عليه من كمال الألوهية وعمومها،إلا أنهم مختلفون في هذه المرتبة: منهم من أحبّ الله تعالى،مع معرفتهم بألوهيته،كاليهود مثلاً. ومنهم من أحبّ الله تعالى غلطاً منه بنسبة الألوهية لغيره،إلا أن الحق تجلّى لهم في تلك الألباس لكمال ألوهيّته،فأحبّوه وعبدوه من حيث لا يشعرون. فلولا أنهم تجلّى لهم في تلك الألباس وجذبهم بذلك التجلّي إلى محبّة ألوهيته،ما كانوا يلتفتون إلى تلك الأوثان،فضلاً عن أن يعبدوها. وهذه العبادة هي المعبّر عنها ب”السجود كَرهاً” في قوله تعالى: (ولله يسجد من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً وظلالهم بالغدو والآصال). فكل عابد أو ساجد لغير الله في الظاهر،فما عبد ولا سجد إلا لله تعالى،لأنه هو المتجلّي في تلك الألباس. وتلك المعبودات كلها تسجد لله تعالى،ولو أنها برزت لعبادة الخلق لها ــ بدون تجلّيه ــ لتحطّمت في أسرع من طرفة العين،لغيرته سبحانه لنسبة الألوهية لغيره تعالى.. فمراتب محبة الخلق لله تعالى: محبّة الذات،ومحبةالآلاء،ثم محبة الإيمان،ثم محبة الألوهية التي فيها الكفار.. قوله تعالى: (فاتبعوني يُحببكم الله)،وكل طائفة تَبعته في المحبة على مقدارها.
أصحاب “محبّة الذات”: اتّبعوه واقتدوا في الاتّصاف بالأحوال العليّة والأخلاق الإلهية والصفات القدسية،التي لا تُدرك إلا ذوقاً ولا ينالها إلا أهل محبة الذات. وأهلها هم الصفوة العُليا عند الله تعالى. ويُحببكُم الله في هذه المرتبة: هو أن يمنحهم الله تعالى من تجلياته العيانيّة ومواهبه العرفانية،وجذبهم إليه جذباً كلّياً حتى لا يبقى فيهم بقيّة لغيره. أما ما يُمنح هؤلاء من العطايا والمنَح،فلا يُذكر ولا تُدرك له غاية ولا يُعرف له تقرير..
الطائفة الثانية: الذين أحبّوه لآلائه ونَعمائه،ومقتضى ذلك هو الشكر لله تعالى. فهؤلاء اقتدوا به صلى الله عليه وسلم واتبعوه في مقام الشكر،قال سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: “أحبّوا الله لما يغذيكم به من نعمه” الحديث. ولم يدلّ على المحبة الأولى،وهي محبة الذات،لعلمه أن تلك موهبة من فيوض الحق تعالى،ليس للخلق فيها تعمّل..ويهبُهم الله في الدار الآخرة من جزيل الثواب وعلو الدرجات ما لا تنتهي إليه الأفكار..
وأما محبّة أهل الإيمان: فقال تعالى في حقهم: (وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار) الآية. فهؤلاء اتبعوه في مرتبة الإيمان والمحافظة على بعض الفرائض،وإن وقعوا في بعض المخالفات فما خرجوا عن متابعته صلى الله عليه وسلم. ومحبة الله لهم هو ما جازاهم به من الجنة،وينتهون إلى رؤية وجهه الكريم..
وأما الطائفة الرابعة: وهم الكفار،فلا حظّ لهم في متابعته صلى الله عليه وسلم،ولا يتوجّه لهم الخطاب في قوله تعالى: (فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم).. وهم داخلون في عموم هذه المحبة..
_ (رحمة الكفار): الألوهية لها وصفان: الأول لجنود الحق والنور والسعادة،والثاني لجنود الظلام والباطل والشقاوة. فكلها كمالات ألوهيته تعالى وتعلّقات مشيئته،لا يخرج شيء عن هذا المنوال. وما أطلق في الكفار من العداوة والغضب والسخط،فإنما هي أحوال اقتضتها كمالات الألوهية،تتعاقب عليها،لا أنها أمور قائمة بذاته،فإنما هي من صفات الفعل فقط.. فكل ما تعلّقت المشيئة به هو محبوب،لأنالمحبة هي عين الإرداة،متى أحبّ الشيء أرادَ،والإرادة عين المشيئة. فإذا عرفت هذا عرفت أن كل ما في الكون محبوب لله تعالى لأنه مُراده،كافرهم ومؤمنهم.. ولا يُلتفت لأبحاث أهل الظاهر من قصور أفهامهم،فإن هذه من علوم العارفين،ليس لأهل الظاهر فيها مجال.. الخَلق قِسمان: قسم مُعذّب مرحوم،وقسممرحوم لا عذاب عليه.
أما القسم المرحوم المعذّب،قال تعالى: (عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء). والقسم المرحوم بلا عذاب،فقال تعالى في حقّهم: (فسأكتبها للذين يتقون).
وما ورد في قوله تعالى،ممّايُناقض عموم الرحمة: (والذين كفروا بآيات الله ولقائه أولئك يئسوا من رحمتي وأولئك لهم عذاب أليم). فالرحمة في هذه الآية،التي يئسوا منها،هي الجنة فقط،فإنها محرّمة على كل كافر. وليست الجنة هي غاية رحمة الله تعالى،فإن رحمته تعالى لا تُحيط بها العقول..
الطهارة طهارتان: طهارة أصلية وطهارة عَرضيّة. فالطهارة الأصلية: هي في جميع الموجودات،جملة وتفصيلاً،مَنزعها ومحتدّها من سرّ اسمه “القدّوس”،فإن اسمه مُتجلّ في كل ذرّة من الوجود. والقدوس هو الطاهر الكامل من جميع النقائص.. فما في الوجود إلا طاهراً كامل،لتجلّي اسمه القدوس على كل ذرّة. فلو وقع التنجيس في ذرة من الوجود،لوقع النقص في صفاته الكاملة،وبه يلزم تعطيل الألوهية،والألوهية شاملة لكل ذرة،لأنها في المرتبة الجامعة المحيطة لله تعالى في جميع الموجودات. فما في الوجود إلا داخل تحت الألوهية بالخضوع والتذليل والعبادة والتسبيح والسجود.. فالطهارة شاملة لها من حيث حيطة الألوهية،وتجلّي اسمه القدوس على جميعها.. فما في الوجود ذرّة إلا انبسط عليها نور اسم من أسماء الله تعالى،ولولا ظهور ذلك النور عليها لَما ظهرت للوجود ولبَقيت في طيّ العدم. فلا يشترك موجودان في اسم واحد،ولا يكون لذرّة منها اسمان في ذات واحدة. فانبساط أنوار الأسماء الإلهية ظهر على كل ذرّة من الوجود،عظيمها وحقيرها،فما في الوجود إلا ظهور الأسماء الإلهية بأنوارها،وبواسطة ذلك النور ظهرت الموجودات.. فالقدوس تتّصف به الذات والصفات والأسماء،فهذا معنى تجلّي اسمه القدوس على جميع الوجود،وهي الطهارة الأصلية. وهذا الكلام من علوم العارفين،لا مدخل فيه لأهل الظاهر. وأما الطهارة العرضية: هي ما نصّ عليه تعالى في شرعه،وهي قوله تعالى: (إنما المشركون نجس)،وما دلّت عليه الرسل من اتّقاء الأشياء المتنجّسة،يعني المحكوم بنجاستها شرعاً،لا أصلاً عند العبادة. فإن نجاستها عارضة،ليست ذاتية،لأنها باقية ببقاء الشرع الذي هو مقتضى الأمر والنهي. فإذا نُفخ في الصور وزال حكم الشرع،انتقلت الأشياء كلها للطهارة الأصلية.. وأما من حقّ عليه العذاب من الكفرة،فإنما هو عرض فيهم،والأصل الرحمة والمحبة.. فما في الخلق كلهم،من نعيم وعذاب وراحة وبلاء ورحمة وانتقام،كلها أحكام الألوهية المحيطة،فليس لغيره تعالى فيها شيء.. _ (بساط الحكمةوبساط الحقيقة): قوله تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) هو خطاب منه تعالى في بساط الحكمة. ثمّ في بساط الحقيقة والمشيئة،هو قوله تعالى: (ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم) فهذا هو الواقع،لأن خطاب المشيئة لا يتأتّى انتفاؤه،وأما خطاب الحكمة يُمكن انتفاؤه في بعض الموجودات. لأن أمر الله مَسوق إلى المشيئة،لا إلى الحكمة. والحكمةسجاف على المشيئة.. فما شذّ شيء،قَلّ أو جلّ،عن المشيئة الإلهية،لأن التكوين من حيث ما هو هو في جميع المكونات إنما برز عن الكلمة الإلهية بقول: “كن”،والكلمة الإلهية مشروطة بتقدّم المشيئة الإلهية،ما قال لشيء كن إلا بتقديم مشيئته على تكوينه..
قال تعالى: (وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله) وذلك خطاب في عالم الحكمة،فلذلك وقع فيه التخلّف.. ولو كانت طاعة الخلق مقرّرة في المشيئة،ما أمكن أن يعصي الرسل أحد..
_ (آباء سيدنا محمد): اعلم أن أجداده صلى الله عليه وسلم،كلّهم مؤمنون،من أبيه عليه السلام إلى سيدنا آدم عليه السلام.. وفي عين التحقيق أن الله قدّس الأنبياء،ما أخرج نبياً من نطفة منجّسة بالكفر،وفي الحديث: “لم يزل الله ينقلني من الأصلاب الطاهرة إلى الأرحام الزكيّة” الحديث. وفي الحديث الآخر قال صلى الله عليه وسلم: “بُعثت خير قرون بني آدم،قرناً فقرناً،لم يفترق شعبتان إلا كنت في خيرهما”،والخيريّة فيهم هي خيريّة الإيمان،وخيريّة الكافر على المؤمن مستحيلة شرعاً. فدلّ خبره صلى الله عليه وسلم على أن كل أب من آبائه أفضل من أولياء عصره،ما عدا النبوة.. فحصل لنا من هذه الأدلّة: القطع بأن آباءه صلى الله عليه وسلم كلهم مؤمنون.. وأن كل أب من آبائه صلى الله عليه وسلم أفضل من أولياء عصره.. _ (فضل الإمام عليّ): ورد في الحديث: “كنت أنا وعليّ نورين بين يدي الله تعالى،ثمّ أودعنا في صلب آدم،فلم يزل ينقلنا من صلب إلى صلب إلى عبد المطلب،فخرجت في عبد الله،وخرج عليّ في أبي طالب،ثمّ اجتمع نورنا في الحسن والحسين،فهما نوران من نور ربّ العالمين”.
ما يصل شيء في الوجود،من العلم مطلقاً،إلا من صهريج عليّ،لأنه باب مدينة علمه صلى الله عليه وسلم،لا من الخلفاء الأربعة ولا الصحابة بأجمعهم.. وأما قوله صلى الله عليه وسلم في أبي بكر: “ما طلعت شمس ولا غربت،بعد النبيين،علي أفضل من أبي بكر” الحديث،قُلنا: إن الأفضليّة في الشخص ليست من كل وجه،إلا في شخص واحد،فهو أفضل وأعلا في جميع الوجود. جاء في الحديث: “في كل أمة محدثون،فإن كان في أمتي فعمر منهم” فهذه الأفضلية لعمر،والمحادثة مرتبة عَليّة ودرجة زُلفى.. واختص أبو بكر بمرتبة الإيمان والسرّ. واختصّ عليّ بمرتبة العلم الباطن الحقيقي،لا العلم الظاهر..
_ (برزخيّة سيدنا محمد): قال الله تعالى: (مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ). معنى “البحرين”: بحر الألوهية وبحر الوجود المطلق،وبحر الخَليقة،وهو الذي وقع عليه “كُن”،وهو البرزخ بينهما صلى الله عليه وسلم،ولولا برزخية سيدنا محمد لاحترق بحر الخليقة كلّه من هَيبة جلال الذات. “بحر الخليقة”: هو بحر الأسماء والصفات،فما ترى ذرّة في الكون إلا وعليها اسم أو صفة من صفات الله. “بحر الألوهية”: هو بحر الذات المطلقة التي لا تُكيّف ولا تَقع العبارة عنها. ويلتقيان لشدّة القرب الواقع بينهما،قال تعالى: (نحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون).. ولا يختلطان،فكل منهما لا يَبغي على الآخر،للحاجز الذي بينهما،وهي البرزخية العظمى التي هي مقامه صلى الله عليه وسلم. فالوجود كلّه عائش بدوام بقائه تحت حجابته صلى الله عليه وسلم،استتاراً به عن سبحات الجلال التي لو تبدّت بلا حجاب لاحترق الوجود كلّه وصار محض العدم في أسرع من طرفة عين.. _ (ذنوب الأنبياء): اعلم أن الذنوب في حقّ الأنبياء،التي هي اقتحام المنهي عنه شرعاً،مستحيلة في حقّهم لا تُتصوّر منهم،لثبوت العصمة لهم ممّا دقّ أو جَلّ منها. والذي وقعت فيه المغفرة منه،في حقهم،هي التي تصدر من الأنبياء بلسان الإباحة الشرعية،لكن يتناولها طلب التّرك من وجه إجمالي لا تصريحي. وطلب الترك ههنا ليس المحرم شرعاً،وإنمايطلب ترك ذلك الأمر تنزيهاً لعلُوّ مقامهم بالتدنّس بمُلابسة ذلك المباح..
فإن المباحات في حق الأنبياء منقسمة قسمين: قسم يتمحّض فيه حُكم الإباحة من كل وجه،لا يُعارضه طلب الترك في وجه من الوجوه،فهذا لا عتاب عليه. وقسم من المباح يتناوله حكم الإباحة من وجه،ويتناولهطلب الترك من وجه أو وجوه،فهذا إن تفطّنوا له وعَلموه تركوه ولم يقتحموه،وإن غفلوا عن وجه طلب الترك فيه واقتحموه لأجل ما فيه من الإباحة،وقَع العتاب لهم،وهذا هو الذنب المعهود في حقّهم.. فهو ليس بذنب شرعاً،وإنما مما أطلق عليه اسم الذنب مجازاً،وإن كان مباحاً لغيرهم من العامة. وطلب منهم تركه لعلوّ مقامهم،فهو كما قيل: “حسنات الأبرار سيّئات المقربين”..
وأما ما ذكر من “الغفلة”،فليست هي الغفلة المعهودة في حقّ العامة،وهي الإعراض من مطالعة الحضرة الإلهية،ولكن الغفلة في حقّهم هي النسيان. والنسيان غير مستحيل في حقهم،لأنهمجبلّة بشرية،فقد قال صلى الله عليه وسلم: “إنما أنا بشر أنسى كما تنسون،فإذا نسيت فذكروني”،وكما في قضية حديث ذي اليدين حيث سلّم صلى الله عليه وسلم من ركعتين في الرباعية.. فالنسيان في تصرّف الأحكام الشرعية غير مستحيل في حقّهم بشاهد الحديث..
والنسيان المعبّر عنه في حقّ الأنبياء ينقسم قسمين،لا ثالث له: القسم الأول هو الطارئ بالجبلّة البشرية،وهو نسيان الحكم في الأمر وعدم وقوعه في بال الشخص،فهذا صاحبه معذور لا يؤاخذه به شرعاً. والقسم الثاني أن يطرأ على أكابر الصديقين والأنبياء في حضرة ذي الجلال من التجلياتوالواردات،ممّا يُذهل العقل ويُنسيه الأحكام التي كان يعلمها أو بعضها،بسبب السطوة الطارئة من التجلّي أو الوارد. فهذا أيضاً كالنسيان الجبلّي،إذ صاحبه معذور. وهذه وجوه النسيان في حق الأنبياء..
الجهل المستحيل في حقّ الأنبياء إنما هو الفعل الصادر عن متابعة الهوى والغفلة عن حضرة الله تعالى،بانهماك النفس في شهواتها والولوع بمألوفاتها. أما من استغرق في مشاهدة حضرة الله تعالى في جميع لحظاته،مع كمال مراعاته لأدب الحضرة الإلهية،مع توفيّته بما يلزمه من القيام بالحقوق الإلهية: فإن هذا لا يلمّ بساحته الجهل..
فالذنوب التي ذكرت في حقّ الرسل،والأفعال التي تصدر منهم في صورة المخالفة،ليست بذنوب حقيقيّة،وإنما هي مباحة في نفس الأمر لهم.. وإنما وقع العتاب عليه،والعتاب المؤاخذة في الدنيا ببعض مصائب الدنيا.. حاشا سيد الوجود صلى الله عليه وسلم،فإنه لم يقع له شيء من المؤاخذة على ما فعله،وهو المعبّر عنه ب”غفران ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر”..
أكابر الصدّيقين ليسوا كغيرهم،فإنهميؤاخذون بمثاقيل الذرّ،لأن الحضرة مطلوبة بالأدب. فمن كان في حضرة الحقّ وغفل أو نسي،ولو في أقلّ القليل،يؤاخذه،ولم يُعذَر كغيره،وإن كان في ظاهر الشرع غير ذنب..
البشرية في الأنبياء موجودة لطلب الانغماس في الشهوات،كسائر البشر،سواء كانت الشهوة محرمة أو حلالاً. والقلب هو القائم على البشرية،يفصل أحوال الشهوات،يُصرّف البشرية في الشهوات الحلال ويقمعها عن الوقوع في الشهوات المحرّمة. هذا هو عين العصمة التي يتّصف بها الأنبياء،لا زوال البشرية كما يظنّه الجهّال. فإن البشرية لو كانت مفقودة فيهم لم تكن لهم عصمة،لعدم وجود سَببها وهو ظهور البشرية لطلب الوصول إلى السهوات المحرمة. فامتناع القلب من موافقة البشرية عن الوصول إلى الشهوات المحرمة،مع وجود داعية البشرية إليها،هو الأمر المسمّى في عرف الشرع ب”العصمة”.. _ (مَظهري الحق والباطل / سيدنا محمد وإبليس): يقال في المثل: “من سبقت له العناية لم تضرّه الجناية”.. فأدم لبس تاج الخلافة بسبب المخالفة،وإبليس لبس خلعة الشقاوة بسبب العبادة،مع الطرد واللعن والخذلان والحرمان والخزي والنكال،وأعدّت له دار الهوان والعذاب والغضب،مقراً للخلود فيها بزلّة واحدة،وهي إبايته عن السجود. فسبحان المتصرّف في العباد بما أراد..
فمن ذلك الوقت صار إبليس مظهراً للغواية والضلال والشقاء والبُعد والخسران والعناد والغضب والفساد والزّيغ والبهتان،وأنواع العصيان والكفر والباطل،ومخالفة أمر ربه في كل ما ينهي عنه أو يأمر به.
كما كان سيد الوجود صلى الله عليه وسلم مظهراً للهداية والتوفيق والسعادة والقرب إلى الله والربح،والانقياد والرضا والصلاح والرشد،والصدق وأنواع الطاعات والإيمان والحقّ والامتثال لأمر الله،وجميع وجوه التقرّبات وجماع الخيرات.
فهما في عالم الحكمة عينان متقابلتان في غاية المضادّة والتنافر،وأما بالنظر للمشيئة،فليس لهما شيء من ذواتهما،ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: “بعثت داعياً وليس لي من الهداية شيء،وبعث إبليس داعياً وليس له من الغواية شيء”..
_ (استغفار سيدنا محمد لأمّته): قال الله تعالى: (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً). فمن وقع في ذنب،وجاء إليه صلى الله عليه وسلم مُستغفراً وتائباً،وجد الله غفوراً رحيماً. والإتيان له صلى الله عليه وسلم بعد موته كحياته.. _ (الوسيلة / الشيخ الكامل): قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة) معناها: اتّقوا الله وخافوه من شدّة عقابه،وابتغوا إليه الوسيلة وهي الأعمال الصالحات التي فيها رضاه سبحانه. ويؤخذ من هذه الآية،على طريق الإشارة: وابتغوا إليه الوسيلة التي تنقطعون بها عن غيره لتتّصلوا به،ولا وسيلة أعظم من النبي صلى الله عليه وسلم،ولا وسيلة إلى النبي أعظم من الصلاة عليه. ومن جملة ما يبتغي من الوسيلة إلى الله تعالى: الشيخ الكامل،فإنه من أعظم الوسائل إلى الله تعالى..
_ (الإحاطة المحمدية): قال الله تعالى: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم). النبي صلى الله عليه وسلم له الاستيلاء على جميع المراتب،والانفراد بالحكم التحكّم فيها بكل وجه وبكل اعتبار. والمراتب هي أفراد المخلوقات،من كل جوهر وكل ذات وكل ذرّة وكل جرم. وكل ذات على انفرادها هي مرتبة الحقّ،وكلها مراتب إلهية. فبهذا القدر كان أولى بكل أحد من نفسه.. _ (العلم بالغيب): قال الله تعالى: (وعنده مفاتيح الغيب لا يعلمها إلا هو). نفى الله العلم بالغيب عن الخلق بهذه الآية،فلا يعلمها أحد سواه. لكن العلم المَنفي هو ما كان للخلق إليه طريق،وطُرق العلم إلى الخلق من أحد ثلاث: إما بحاسّة من الحواس،وإما بطريق السّمع وتبليغ الخبر،وإما بطريق الفكر وهو النظر في أمور معلومة يتوصّل بالنظر فيها إلى العلم بأمور مجهولة. فهذه الطرق المنفية عن الخلق،وبقيت الطريق الرابع وهي: ما يقذفه الله في قلب العبد بغير حاسة ولا واسطة ولا فكر،ويُسمّى هذا ب”العلم اللّدُني”. فإن هذا العلم غير منفي على الرسول ولا على غيره،ويَشهد بهذا قوله تعالى: (عالِم الغيب فلا يظهر على غيبه أحد) إلا من ارتضى من رسول،قال المُرسي: “أو صدّيق أو وليّ”،يشهد لهذا قوله صلى الله عليه وسلم: “إن من العلم كهيئة المخزون،لا يعلمه إلا العلماء بالله،فإذا نطقوا به لا ينكره عليهم إلا أهل الغرّة بالله”.
بعبارة أخرى: المراد بالعلم الذي نفاه الله عن خلقه،في الخمسة وغيرها من المغيّبات،هو العلم المكتسب الذي يتوصّل إليه الخلق بأحد أمور ثلاثة: إما من أخبار سمعية أو بأدلّة فكرية أو بمعاينة حسيّة،فهذه الطرق هي التي حجّر الله عن صاحبها أن يعلم الغيب. وأما من وَهبه الله العلم اللدُني،فإنه يعلم بعض الغيب،كهذه المذكورات أو غيرها،كما في قصة الخضر وموسى..
_ (الإلقاء الشيطاني على الأنبياء): قال الله تعالى: (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي). فأجاب الشيخ،من طريق التأويل،وتأويلها: أن كل رسول يتمنّى إسلام المُرسَل إليهم وهدايتهم،حِرصاً على أمر الله وشفقة عليهم. فإذا تمنّى هذا،ألقى الشيطان في قلوب المُرسَل إليهم نقيض ما تمنّاه ضلالاً وكفراً،فينتقص الرسول بذلك. ثم ينسخ الله ما يُلقي الشيطان في قلوب المرسول إليهم،من المعاصي والكفر والتكذيب،ثمّ يُحكم الله آياته.. وأما حديث الغرانيق،فباطل لا أصل له من وجهين،كلاهما يقطع ببُطلانه: الأول قوله تعالى: (وما تنزلت به الشياطين وما ينبغي لهم وما يستطيعون)،فهذا شاهد في الآية بعصمة الوحي من تطرّق الشيطان. والثاني قوله تعالى في الآية التي زعموا فيها الغرانيق: (إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآبائكم ما أنزل الله بها من سلطان).. _ (ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان): اعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلم علوم الأولين والآخرين،إطلاقاً وشمولاً. ومن جملة ذلك: العلم بالكتب الإلهية،فضلاً عن القرآن وحده. ويعلم مطالبة الإيمان،بدايته ونهايته،وماهية الإيمان وما يُفسده وما يقوّيه. كل ذلك ثابت في حقيقته المحمدية.
وأما قوله تعالى: (ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان) فإن هذا الحال كان قبل النبوة،لم يُعلمه الله بحقيقة الإيمان ولا بكيفية تنزيل الكتب ولا بماهية الرسالة وتفصيل مطالبها. كل ذلك حجبه الله عنه قبل النبوة،وهومكنوز في حقيقته المحمدية،ولا يعلمه ولا يشعر به. حتى إذا كان زمن النبوة رفع الله عنه الحجب،وأراه في حقيقته المحمدية. يشهد لذلك قوله صلى الله عليه وسلم: “وضع يده بين كتفي حتى وجدت بردها بين ثديي،فعلمني علوم الأولين والآخرين”،وهذا كان في زمن النبوة،رفع الله عنه الحجاب وأراه ما أدرجه الله له في حقيقته المحمدية من كنوز المعارف والعلوم والأسرار التي لا يُحاط بساحلها ولا ينتهي إلى غايتها.. فحقيقته المحمدية لم تزل مشحونة من جميع هذه المعارف والعلوم والأسرار،من أول الكون،من حيث أنه أول موجود أوجده الله تعالى قبل وجود كل شيء،وفطره على هذه العلوم والمعارف والأسرار.. إلى أن كان زمن وجود جسده الكريم صلى الله عليه وسلم،فضرب الحجاب بينها وبين علمه بها،إلى أن كان زمن النبوة فرفع الحجاب وأطلعه على ما أودعه في حقيقته المحمدية.. قال سيدنا محمد: “كنت نبياً وآدم بين الماء والطين”،وحيث كان في ذلك الوقت نبياً يستحيل أن يجهل الرسالة والنبوة والكتاب.. ولا يتأتّى لنبي ولا رسول أن ينال من الله تعالى،قليلاً ولا كثيراً،من العلوم والمعارف والأسرار والفيوض والتجليات والمواهب والمنَح والأنوار والأحوال،إلا بواسطة الاستمداد منه صلى الله عليه وسلم،وهو المُمدّ لجميعها في علم الغيب. فكيف يُمدّهم بما هم علماء به،وهو جاهل به صلى الله عليه وسلم.. ولو كشف الله له قبل النبوة ما أدرجه في حقيقته المحمدية،وتكلم به قبل زمن الرسالة والبعث،لوقع الرّيب في نفس المدعوين فيما تحدّى لهم به من الرسالة.. فستره الله عنه كي لا ينطق به.. وشاهد هذا قوله تعالى: (وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذاً لارتاب المبطلون). وأما قوله تعالى: (وما أدري ما يفعل بي ولا بكم) فالجواب: أنه صلى الله عليه وسلم عنده العلم القطعي بأنه عروس الممكلة الإلهية،وأنه ليس في جميع الخليقة أكرم منه على الله تعالى،وأنه مأمون العاقبة في الآخرة،لا يلحقه لا ألم ولا عذاب.. ويُحتمل من الآية أنه أراد تفصيل ما يقع به من النعيم،وتفصيل العطايا والمنح الواردة عليه من الله تعالى.. فإنه ردّ الأمر إلى إحاطة العلم الأزلي الإلهي،فإنعلم الله في هذا الميدان لا يحيط به محيط،لا نبينا صلى الله عليه وسلم ولا غيره.. وأما الخبر الوارد عن عائشة،إن صحّ،وهو قولها: “من قال إن النبي يعلم ما في غد فقد كفر” أو ما هذا معناها،فلا يتأتّى هذا إن سمعته من النبي،إلا أن يكون كَتَم الأمر عنها لسِرّ ظهر له في ذلك الوقت،كما كتم عنها رؤيته للذات العليّة بعيني رأسه،وهو واقع له صلى الله عليه وسلم بالإجماع.. والأخبار والآثار وكتب الحديث كلها مشحونة بإخباراته بالغيوب التي تأتي من بعده،المتقاربة والمتباعدة،حتى قال بعض الصحابة: ما ترك صلى الله عليه وسلم أمراً يكون في أمّته من بعده إلا ذكره إلى قيام الساعدة.. _ (بُعْد الأنبياء عن خرق العوائد): مقام النبوة ليس له إلا تلقّي ما هو في الحضرة الإلهية من جميع التجليات: ذاتية أو صفاتية أو أسمائية أو فعلية.. فأدبه في مقامه ثبوت لجميع التجليات،طابَقت غرضه أو خالفته. ولذا لم يكن من النبيين خروج عن دائرة الأسباب الحكمية،مَيلاً إلى خرق العادات،لقوّة كمالهم وكمال أدبهم واستغراقهم في العلم بالله تعالى،وفناء إرادتهم في إرادة الله تعالى،حتى لا تريد إلا ما أراد. وهذا الوصف لهم وصف ذاتيّ استقرّ عليه مقامهم،فلا يزحزحهم عن هذا المقرّ تجلّ من التجليات وإن عظُم.. فقوّاهم الله بقوته وأثبتهم بإثباته،وتحمّلوا أعباء الحضرة الإلهية على غاية ثقلها وصعوبة مُباينتها لأغراض النفوس،ولم يبالوا بما هو دونها. فحال الأنبياء البُعد عن الميل إلى خرق العوائد،فضلاً عن فعلها،ما لم يؤدّهم إلى خرق العوائد ضرورة إثبات الرسالة وإيضاح صحتها في قلوب المرسَل إليهم.. وهذا الخرق هنا هو المسمّى في اصطلاح المسلمين ب”المعجزة”. حتى إذا فرغوا من إثبات المعجزة،فارقوا خرق العوائد،ما لم يكن ذلك بأمر إلهي.. وأما الأولياء،فمامالوا لخرق العوائد إلا لضعفهم عن تحمّل أعباء الحضرة الإلهية وعدم طاقتهم لصعوبة تجلياتها،فمالوا إلى خرق العوائد ترويحاً لأرواحهم من ضغطة الوارد وإبقاء على أنفسهم بدوام التمتّع ببعض من شهواتها،وهم معذورون.. أحوال الرّسل لا يَليق لأحد أن يبحث فيها،لأن حركاتهم وسكناتهم سائرة مع الذّوق،وليس لغيرهم ذلك. فلا يبحث في أحوالهم إلا من ذاقَ مذاقهم،وهذا الباب ممنوع عن كافة الخلق،مسدود،إلا التسليم لهم في أحوالهم.. _ (الأمانة): الأمانة هي القيام بحقوق مرتبة الحق في كليّة معانيها،خَلقية وإلهية. فلم تُطق حمل هذه الأمانة السماوات والأرض،وأشفقن منها،وحملها الإنسان وهو الإنسان الكامل الذي يحفظ الله به نظام الوجود،وبه يرحم جميع الوجود،وبه صلاح جميع الوجود،وهو حياة جميع الوجود،وبه قيام جميع الوجود،ولو زال عن الوجود طرفة عين واحدة لصار الوجود كله عدماً.. وهو المعبّر عنه “قطب الأقطاب والغوث الجامع”.. ومعنى قوله: (ظلوماً جهولاً) فالظلم الذي نسب إليه هو أعلى مراتب اصطفاء الحق لعبده،والجهل الذي نسب إليه هو نفس الإحاطة بكنه جلاله،وذلك غاية المعرفة بالله،فإن معرفته بالله من وراء خطوط الدوائر كله (أي دوائر الصديقيّة).. والإنسان الكامل تخطّى جميع الدوائر،ووصل من المعرفة بالله تعالى إلى حيث لا إحاطة بكُنه جلاله ولا حدّ ولا كيف ولا أين ولا رسم ولا دائرة.. فليس يُطيق القيام في هذه المرتبة وإعطاء جميع تجلياتها،إلاالفرد الجامع المعبّر عنه بقطب الأقطاب. ولو جمعت عبادة جميع العالمين،ما عدا الملائكة والنبيين والمرسلين والصحابة،وجمعت تلك العبادة كلها من منشأ العالم إلى النفخ في الصور،ما عادلت من عبادات قطب الأقطاب في هذه المرتبة مقدار طرفة عين من عمره. _ (نفْخ الروح / الروح الحيواني والروح القُدسي): قال الله تعالى: (ونفخت فيه من روحي). المراد بالنّفخ: وضع الروح في الجسد،سُمّي نَفخاً لأنه من النفَس الرحماني.. والإضافة هي إضافة الاختصاص،وأنه مخصوص منه بعظمة العناية والمحبة والتكريم.. والروح المذكور ههنا هو “الروح الحيواني”،المدبّر للأجسام،المُظهر لصورة الحياة فيها.. ثمّ في طَيّه “الروح القدسي اللاهوتي” الذي استوجب الروح الآدمي به الكمال والعلوّ على جميع المراتب الخَلقية.. والروح القدسي منفوخ في روح آدم،لا في جسده. فإن الروح الحيواني منفوخ في الجسد،وبذلك الروح استوجب الجسد الحياة والعقل وجميع ما يشتملان عليه من العلم والحسّ والحركة والتخيّل والفكر إلى آخر ما يستوجبانه من المعاني. وأما الروح القدسي فهو منفوخ في الروح الحيواني من آدم،وبسببه كان حياً حياة أبدية. لأن الروح الحيواني ما فيه إلا ما أعطي للجسم من الحياة والحسّ والحركة،وما معها من المقتضيات واللوازم.. وأما الروح القدسي فإنه أعطى الروح الحيواني كمال العلم بالحضرة الإلهية،وما هي متّصفة به من العظمة والكبرياء والعز والجلال والعلو والتعالي،وما هي مشتملة عليه من الأسماء الحسنى والصفات العلى. وأعطاه أيضاً كمال العلم بما تستحقه الحضرة الإلهية من كمال الأدب وكمال التعظيم والإجلال وكمال المحبة والاعتناء وكمال الانقطاع إلى الله تعالى والفراغ من ملاحظة الحظوظ..
فالروح الحيواني حيّ بهذا النفخ،لأنه بدونه كسائر أرواح الحيوانات،ليس فيه زيادة عليها من الكمال وغيره. وأما الروح القدسي فهو نور عظيم الشأنيَفيض من حضرة الحق،يأتي حاملاً لما لا غاية له من الأنوار والأسرار والعلوم. فإذا استقرّ في الروح الحيواني أعطاه من الكمالات ما صيّره خليفة لله على خلقه..
_ (سرّ خوف موسى من السحرة): أجاب بعض الفقهاء ــ في مجلس الشيخ ــ بما ذكره المفسرون في الآية: (فأوجس في نفسه خيفة موسى).. فقال الشيخ: ليس ذاك،والجواب عن هذا المحطّ أن خوفه عليه السلام لم يكن من وجه من الوجوه التي ذُكرت،وإنما خوفه ممّا هو معلوم عند الأكابر العالين من أهل الحضرة الإلهية. إن لله تعالى تنزيلات بحُكم القهر لعبيده الخاصّة،وتلك التنزيلات يُذيقهم الله فيها من مرارة قهره وفساحة بأسه.. وليس ذلك ازدراء بمراتبهم،ولا إسقاطاً لعظيم وجاهتهم عنده،وإنما حقيقة تلك التوقعات أنه لا بدّ لمن اصطفاه الله لمحبة ذاته أن يُذيقه ضرباً من المرارة لتكون المرتبة عالية عن أن يطمع بها ضعفاء السّفلة من الناس.. أي ليعلموا أن المرتبة صعبة المدرك،عزيزة المنال،لا يظفر بها إلا من ذاق تلك التوقعات. فإذا علمت هذا عرفت طريق تنزّل البلاء على النبيين والأولياء،فهو من هذا المأخذ.. فللأكابر علماً ثابتاً من وراء العلم الذي ظهر لخلق الله تعالى،لا يعلمه غيرهم،إنهم وإن سمعوا خطاب الله وصِدق وعده فإنهم يعلمون أن في غيب علم الله تعالى ما لا يتناوله الوعد الذي وَعده لكمال عِلمهم بالله تعالى. وشاهد هذا أنه صلى الله عليه وسلم وعده الله تعالى بظهور سلطانه على قريش،ثمّ لما رآها يوم بدر تُصوّب من كَثيب الرمل آتية لبدر،قال صلى الله عليه وسلم: “اللهم هذه قريش جاءت بفخرها وخُيلائها،تجادل وتكذّب رسولك،اللهم نصرك الذي وعدتني”،وقال له أبو بكر: دع مناشدتك ربّك،فإن الله منجز لك ما وعدك به.. _ (قوة التجلّي): الأكابر لهم صدمات من قوة التجلّي لسطوة جلاله،فربما أفرطت تلك الصدمة عن النظر في غير تلك الطاعة التي هم فيها لقوة التجلّي. لأن المطلوب منهم في الحضرة مُراعاة حقوق الأوقات في كل آن،لا يغفلون عن حق من الحقوق. وقد تقع بهم لمّات من قوة سلطان التجلّي الإلهي،فتؤثّر فيهم غفلة عن الطاعة التي تأتي بعد،فيمضي وقتها وهم ذاهلون عنها لقوة ما هم فيه. من هذه القضية سهوه صلى الله عليه وسلم حتى سلّم في الرباعية من اثنين،حتى نبّهه ذو اليدين..
_ (معية الحقّ وقُربه): معيّة الحق تعالى لكل شيء من الوجود وقُربه منه،صفتان نفسيتان يتبعان ماهية ذاته سبحانه. وكما لا تُعقل ماهية الذات،كذلك لا سبيل للعقل لإدراك حقيقة معيّة الحق لكل شيء وقُربه لكل شيء. فهو سبحانه مع كل شيء بذاته وأقرب إلى كل شيء بذاته،من وجه لا يُدركه العقل في هاتين الحقيقتين. فذاته تعالى متعالية مقدسة على جميع حدود الجرم والجسم ولوازمه ومقتضياته،ولذا لا يقع عليه الوهم والعقل لأنهما في وقت الفكر لا يخرجان عن قيود الجسم ولوازمه. فتعيّنت ماهية الذات العليّة من وراء طور العقل والحسّ والفكر،كماقال بعض الأكابر في هذا الحدّ: “لا يتمثّل في النفس،ولا يتخصّص في الذهن،ولا يتصوّر في الوهم،ولا يتكيّف في العقل. لا تلحقُه العقول والأفكار،ولا تُحيط به الجهات ولا الأقطار”.. _ (علم الظهور الإلهي): قال تعالى: (ولنبلونكم حتى نعلم) وأمثال هذه الآيات.. العلم ههنا: عِلم الظهور،لا العلم الأصلي،لأن العلم الأصلي محيط بهم بما يقع منهم وما يصدر منهم وما يؤول إليه أمرهم،وهذا العلم كامن لا يظهر في الوجود،بخلاف علم الظهور.. _ (علم الأسماء): الأسماء التي علّمها الله لآدم هي الأسماء التي يطلبها الكون. والكُليّة المذكورة فيها هو إحاطته بجميع متعلقات الكون حتى لا يشذّ عليه منها شيء.. أما الأسماء الخارجة عن الكون،فلا يمكن الإحاطة بها ولا نهاية لها،قال تعالى: (ولا يحيطون به علماً).. _ (سبب سجود الملائكة لآدم): السبب الموجِب لسجود الملائكة لآدم،فالكلام فيه من وجه التحقيق أنه غيب لا يُدرك إلا بالنصّ القطعي،ولا نصّ،فلا مجال في هذا الميدان.. ولا نقول لأجل الخلافة ولا لغيرها،بلنسكُت حيث لم يُذكر شيء في سببه.. _ (التفضيل بين الملَك والآدمي): اعلم أن هذا الأمر لا مجال فيه للعقول من طريق النظر والتخمين والقياس.. والحق الفصل في ذلك أن التفضيل واقع باختيار الله تعالى وحُكم مشيئته،يُفضّل من يشاء على من يشاء بلا علّة ولا سبب،أو بعلّة أو سبب أو بأيّ شيء يريده.. فما عدا سيد الوجود صلى الله عليه وسلم فإنه أكمل المخلوقات على الإطلاق،وأفضلهم عند الله على العموم،من غير تخصيص،وأعلاهم رتبة ومكانة عند ربّه.. فلا يقع عليه هذا الخلاف،ففَضّله الله تعالى واصطفاه واختاره ورفع مكانته على الخلق،لا لشيء،بل بمحض اختياره تعالى.. _ (الحروف): “الحروف اللفظية”: يوجَد منها عالم الأرواح،ومعناه أن كل كلمة تلفظ بها خلق منها ملَك يسبّح الله تعالى،فإن تكلم بكلمة من الخير خلق منها ملك رحمة،وإن تكلم بكلمة شر خلق منها ملك عذاب.. والحروف اللفظية لا ظهور لها في عالم الحسّ.
وأما “الحروف الرقمية”: يوجد منها عالم الحسّ،ومعناه أنه تُدرك بالبصر..
وأما “الحروف الفكرية”: يوجد منه عالم العقل في الخيال،ومعناه أنه يوجد فيها ما يوجد عن حُكم التخيّل. وأما تخيّل العامة فلا يوجد منه شيء،ويُقال فيه تمنّي. وأما تخيّل العارف فيوجَد في الحين..
والعارفون لهم تصرّف بالحروف الرقمية واللفظية والخيالية،والتصرّف الرابع يُسمونه “التصرّف بالجانب الأحمى”،ولا يعلم هذا التصريف إلا الرسل،دون الأنبياء،جعله الله محل أسراره،وهو موضع النّسب الإلهية. وكل رسول بُعث إلى قومه أطلعه الله تعالى على ما في بواطنهم من الطبع،وما دارت عليه جبلاّتهم،فعاملهم بحسب طباعهم ليدوم قيامهم بالتكليف..
وأسماء الله تعالى إنما قامت بالحروف،والحروف كلها قدسية في كلامه تعالى وفي صورة علمه،وكلها قديمة أزلية لأنها وجدت في كلامه وفي علمه..وليس قِدَمها ما يوجد في ألفاظنا ويُكتب ببَناننا ويُتصوّر في خيالنا،فليست هذه هي الحروف التي نقول..
الوجود كله كلمات الحقّ.. وعن كلمة الحقّ وُجدت الموجودات كلها.. فأسماء المُسميات من الوضع الإلهي،وكذا وضع اللغات وأساميها هي أوضاع إلهية وضعها الحقّ وأجراها على الألسنة..
وأما الكلام الأزلي فهو بحروف قدسية منزّهة عن الآلات التي يقع النطق بها.. والكلام الأزلي ليس فيه تقديم ولا تأخير،ولا حصر ولا مادة ولا كيفية. إذا برز كلام الحق،من حيث ما هو،وسمعته زالَت عنك الألباس كلها،وهي القيود،ورأيت الوقت حينئذ ــ ذلك الوقت الذي كان قبل وجود الكائنات ــ أنت فيه الآن،وهو الوقت الذي كان في الأبد هو الآن أيضاً..
_ (وَلد الزنا): وأما ولد الزنا لا حسنة له أصلاً ولا دخول له للجنةأصلاً،ولو فعل ما فعل،لأنه لم يتكوّن من نكاح شرعي،إلا إن صَحب أحداً من العارفين،وهم: مفاتيح الكنوز الأربعة،والأفراد الأربعة،والقطب والخليفة والإمامان. فمن صَحب واحداً منهم واحتمى به،طَهّره الله وأدخله الجنة إذا خدم واحداً من هؤلاء المذكورين أو تَحابّ معه أو صَحبه أو أكل معه أو صلّى خَلفه أو تصرّف له في حاجة قضاها له.. _ (رؤية الله تعالى): قال الله تعالى: (قال ربي أرني أنظر إليك قال لن تراني). معنى الآية: أن سيدنا موسى طلب رؤية الله،وهو التجلّي الذي اختصّ به نبينا صلى الله عليه وسلم،فطلبه من الله قال: “لن تراني”،أراه سبحانه بأنه لا يُطيق ذلك. ثمّ أراه الآية في ذلك بالجبل،من حيث أنه أشدّ منه قوّة،ضربه له مَثلاً،فقال: ولكن أنظر إلى الجبل،فإن استقرّ مكانه حين أتجلّى عليه فسوف تراني أنت. فلما تجلّى ربه للجبل ــ قيل: أخرق من الحجاب للجبل مقدار عين الإبرة،حتى طالَع الجلال الذاتي القُدسي ــ فتهدّم الجبل من حينه،وصار دكّاً من هَيبة الجلال. فلما أفاق قال: (سبحانه تُبت إليك) يعني من هذا (وأنا أول المؤمنين) بأنك لا تُرى..
_ (السبع المثاني): قال الله تعالى: (ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم). السبع المثاني هي السبع الصفات التي هي حقيقة باطنه صلى الله عليه وسلم،وهي: “الروح والآدمية والعلم والنبوة والرسالة والقبض والبسط”.. وأول ما نزل من القرآن هي: (اقرأ باسم ربك)،لم ينزل عليه قبلها شيء من القرآن. فليس فيها إلا النبوةفقط،دون الأمر بالرسالة. ثمّ أنزل عليه في مبدأ الرسالة: (وأنذر عشيرتك الأقربين) فخصّ عشيرته بالتبليغ دون غيرهم. فأوليّة هذه الآية من كونها أول آية نزلت بالأمر بالرسالة الخاصة دون العامة. ثمّ أنزل عليه بعد ذلك: (يا أيها المدثر قم فأنذر) فهي أول آية نزلت بالرسالة العامة. وأما هو صلى الله عليه وسلم فما طرأ عليه حجاب ولا جهل،بل كان عارفاً بالله المعرفة الكشفية العِيانية من بطن أمّه. وكذا كل النبيين على هذا المهيع،ما طرأ عليهم حجاب قط،لم يزالو في مرتبة الصديقية من بطون أمهاتهم إلى الآباد.. _ (الخضر عليه السلام): اعلم أن الخضر وليّفقط،وليس بنبيّ عند الجمهور. وقال الشيخ الأكبر: [ الخلاف فيه،يعني في نبوته،عند أهل الظاهر لا عندنا،فإنه مقطوع به من الأولياء لا من النبيين.. ]. وقال الشيخ زروق،وقد حكى قول بعض العلماء ــ قال ذلك العالِم: “أن الخضر رسول من رسل الله،أرسل إلى طائفة من البحر،فمن لم يقُل برسالته فقد كفر” ــ قال الشيخ زروق مُجيباً عن هذا القول: [ سلّمنا صحة ما يدّعيه،ولا نُسلّم القول بكفر من لم يعتقده لأن تلك زيادة عقيدة في الإيمان وإلزام لها،وهي لم تُجمع الأمة عليها.. فلو علم موسى أنه نبيّ ما تجرّأ عليه بقوله: لقد جئت شيئاً إمراً وشيئاً نُكراً،لأنه يعلم أن هذا مستحيل على النبوة،لا يتأتّى ولا يتصوّر منها لثبوت العصمة،فهذا أكبر دليل على أنه ليس بنبيّ ]..
هل يتأتّى زيادة غير الأنبياء على الأنبياء في العلم أم لا؟ فالجواب: أن زيادة غير الأنبياء في العلم جائز في نفس الأمر،لا إحالة فيه ولا يزري ذلك بمرتبة النبي. إلا أن هناك فرقاً: أما في العلم بالله وصفاته وأسمائه وتجلياته،وما تشتمل عليه من المنَح والمواهب والفيوض،فلا مطمع لغير النبي أن يزيد على النبي في هذا الميدان،فإن النبوة أكبر علماً وأوسع دائرة وأعظم إدراكاً فيما ذكرناه.. وأما فيما دون تلك المرتبة من العلم بمراتب الكون،وما يقع فيه جملة وتفصيلاً،وتقلبات أطواره وانكشاف ما سيقع في المستقبل قبل وقته،وهو كشف الغيوب الكونية،فإن غير النبي قد يزيد على النبي في هذا الميدان ــ وهي قضية الخضر بعينها ــ وحقيقة ذلك: أن بصائر النبيين والمرسلين أبداً تنظر إلى جناب الحق،شديدة العكوف والدّؤوب عليه،فقلوبهم أبداً تنظر إلى الله،لا التفات لها إلى الأكوان.. فلا عناية لها إلا بما يبرز من الحضرة الإلهية في كل حين وأوان،من التجليات والمنح والمواهب والواردات،لتعطي كل شيء مما ذكرنا حقّها من الآداب ووظائف الخدمة،لا تفتر عن ذلك لحظة واحدة. فلأجل هذا الاستغراق لا يلتفتون إلى الأكوان،ولا يعلمون ما وقع فيها. وأعظم من ذلك الاشتغال بمحادثة الحق لهم في حضرة قدسه،فلا شك أن من ذاق ذلك لم يقدر أن يلتفت إلى غير الله تعالى.. وغير الأنبياء لا طاقة لهم على الدوام على هذا الحال،إنما لهم فيه أحوال تارة وتارة،فلأجل ذلك يكثُر كشفهم للكون وأموره،إذ لا قدرة لهم على الاستغراق على ما فيه الأنبياء.
فإذا عرفت هذا عرفت وجه اختصاص الخضر بكشف الغيوب دون موسى،لأنهاغيوب كونية،فلا ينتفي زيادة الخضر فيها على موسى لأن موسى شغله عنها ما ذكرنا،والخضر لا يقدر على ذلك.. ومع هذا فلا حجر على الله في مُلكه ولا في حُكمه أن يزيد غير النبي في العلم على درجة النبي،فإنهلا تحجير عليه في هذا،له الاختيار التام والمشيئة النافذة،لا تأخذه القيود ولا الضوابط،ولا يُحيط بعلمه مُحيط.. فليس ما ترتّب في قلوب العلماء من استحالة زيادة غير النبي على النبي في العلم يَلزم أن يحكُم به على الله تعالى،وليس للعلماء شيء من هذا،إنما هي قاعدة مُحكمة في قلوبهم لم يقُم عليها دليل لا من الكتاب ولا من السنة. قال الشيخ الأكبر: [ آتاني الله عِلماً لم يعلم به آدم فمن دونه ] يُريد بهم النبيين والمرسلين..
_ (طمأنينة الأنبياء): قال الله تعالى: (ربّ أرني كيف تحيي الموتى) الآية. اعلم أن ما في هذه الآية هو أن الله تعالى ما خفي عليه حال إبراهيم عليه السلام من كونه مؤمناً بأن الله قادر على إحياء الموتى،ولا كان الشك من إبراهيم أن الله قادر على إحياء الموتى. ولكنه عليه السلام أراد الانتقال من علم اليقين إلى عين اليقين. والأمر الواجب في هذا أنه ما تجرّأ على هذا السؤال إلا إبراهيم لمكان خصوصيته من الله تعالى بين الرسل،وإلا فما كان يتأتّى لأحد أن يسأل عن مثل هذا فإنه من كشف سِرّ القدر الذي استأثر الله به عن جميع خلقه. فإن التجليات الإلهية البارزة للوجود ليس لخلقه منها إلا الشهود،صورة وعيناً. وأما ما في باطنها من بوارق الأسرار التي لا مطمع أن تنتهي إليها الأفكار،فإن تلك الأسرار انفرد الحقّ بعلمها.. ولذا أدّب تعالى سيدنا نوح بقوله: (فلا تسألن ما ليس لك به علم)،وصفَح عن سيدنا إبراهيم لمكان خصوصيته،وأراه ما طلبه.. (ولكن ليطمئن قلبي): ومعنى الطمأنينة هو: سكون الروْع وتمكّن السّكينة من الرّوع،من وجود الاضطراب والشك والوهْم والوجَل والفرْق. واطمئنان إبراهيم في هذا: بأنه إذا حدّثه مُحدّث السرّ،فإن لكل إنسان مُحدثاً في سرّه يُخبره أو يسأله أو يوجِب له شكاً أو ظناً أو وهماً،وهو المعبّر عنه بالوسواس.. فأراد طمأنينة قلبه ليُجيب سائل السرّ ــ إذا حدّثه عن موجب إيمانه بأن الله قادر على إحياء الموتى ــ بأنه رآه بعينه حقيقة.. _ (أقسام الوحي وكيفياته): قال الله تعالى: (والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى). اعلم أن الله تعالى برّأ رسوله صلى الله عليه وسلم من جميع تعلّقات الهوى وأسبابه،بل نفسُه خلُصت إلى مواطن القُرب وتمكّنت من صفاء مشاهدة الحضرة الإلهية،بحيث أن لا تغيب عنها طرفة عين ولا يشغلها عنها شاغل..
والخلوص إلى مواطن القُرب هو: وصول العبد إلى رتبة حقّ اليقين،فما يتخلّص العبد من جميع المشاغل ومُلابسة النقص،إلا بالغرق في بحر حقّ عين اليقين. فإن رتبة عين اليقين،وإن كانت تُخلّص النفس من جميع البقايا المناقضة لأمر الربوبية،فصاحبها ناقص النظر من كونه لا يعطي المراتب حقّها،ولا يستوفي في العلم بخواص المراتب الحقيّة والخَلقية. وصاحب حق اليقين قد استكمل الخلاص من جميع غبش طباع البشرية،فأعطى كل ذي حق حقه،ووفّى بالوظائف والآداب،فما يحيف ولا يَميل ــ ولو لحظة ــ إلى متابعة الهوى.. فصاحب رتبة حقّ اليقين ليس في نظره إلا الحضرة الإلهية،وإن نظر إلى متفرقات الكون،قد محَق منه السّوى من كل وجه..
قال صلى الله عليه وسلم حيث سأله السائل: أين كان ربنا قبل أن يخلق الخلق؟ قال: “كان في عماء،ما فوقه هواء وما تحته هواء”. والعمى هنا هو احتجاب الرب سبحانه في حضرة ذاته بما هي متّصفة به من العلو الذاتي والكبرياء والعظمة والعزّ،فلا وجود لشيء معه. وإليه يُشير الحديث: “كان الله ولا شيء معه”.. وإليه يُشير الحديث القدسي: “كنت كنزاً لم أعرف فأحببت أن أعرف” الحديث. فالخلق المخلوقون هم ظواهر الأكوان وصورها،وما تعرّف إليهم إلا بظاهر الألوهية. والذات في حضرة الطمس والعمى،لا مطمع لأحد في معرفتها.. فالتعرّف بظاهر الألوهية لأصحاب الحجاب من جميع الأكوان،فكلها تُقرّ له بالألوهية،وتعترف بأنهم عبيد مقهورون تحت حُكمه.. وبذا تعرف بُطلان قول من قال من العلماء بوجود التقليل في الخلق في معرفة الألوهية،وظنّوا أن معرفة الألوهية يُخاض فيها بالبراهين.. فإن الرسل التي أرسلت إلى الخلق،ما بعثوا إليهم إلا بتوحيد العبادة للإله وخلع كل ما يعبدون من دونه. فما كذّبتهم الأمم إلا في صحة الرسالة من عند الله تعالى،وما جحدوا وجود الله تعالى ولا جحدوا ألوهيته.. وأما التعريف بباطن الألوهية فهو للصديقين والعارفين،خرقوا أحجاب الظواهر،وبلغوا من باطن الألوهية إلى رتبة حقّ اليقين. فما الكون عندهم كلّه إلا صفات الله وأسماؤه.. وصارت جميع حركاتهم وسكناتهم،وجميع تقلباتهم وأحوالهم وأفعالهم وأقوالهم،بالله محضاً،وحيث كانوا بالله كانوا في جميع أمورهم لله في الله عن الله،موتى عن جميع ما سواه. فهذه هي غاية الصديقين في التعريف،ليس لهم مطمع في الوصول إلى ما وراء هذه المرتبة. والتعريف للأقطاب والنبيين تجلّى عليهم بالسرّ المَصون والغيب المكنون،الذي تنقطع الأعناق دون ذكره،ويُسمّى في الوضع “باطن باطن الألوهية”. وأسرار هذا الباطن الثاني وعلومه ومعارفه،لو تبدّى منها لأكابر الصديقين مقدار هيئة لذابوا من هيبة الجلال وصاروا محض عدم. وهذا الباطن الثاني للأقطاب والنبيين لا مطمع لغيرهم فيه،إلا أن الأقطاب في أسفل هذه الحضرة والنبيون في أعلاها. ثمّ الباطن الرابع هي الحضرة الخاصة بمولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم،لا مطمع للأقطاب والنبيين أن يشمّوا منها رائحة..
والوحي من الله لأصحاب هذه المراتب،كل على قدر مرتبته من الوحي. فأما أصحاب الرتبة الأولى،وهم جميع الخلق المحجوبين،فوحي الله إليهم ما يعطيهم في حال المنام يكشف لهم ما شاء من أمور الغيب في وقت ما،وهم أصحاب ظاهر الألوهية. وأما أصحاب باطن الألوهية،وهم الصديقون،فوحيه إليهم أن كشف لهم أحوال الغيب جِهاراً،وأسمعهم تعالى لذّة مُساررته لهم لتَبدّي حقائق تلك الأسرار..
ووحيه تعالى إليه صلى الله عليه وسلم في مرتبته لا يساويه فيها مخلوق،ولا يشمّ أحد رائحة عن رتبته. ثمّ إنه يسمع السرّ المصون جهاراً،كما رأى بعيني رأسه السرّ المصون جهاراً..
ثمّ الوحي من حيث ما هو: تارة يكون بمجيء الملَك يُخبره بقول الله تعالى،وهذا هو القرآن. وتارة يكون الوحي بسَماع السِرّ المَصون،وهو الرّتبة العُليا في الوحي،ولا مرتبة فوقها. وتارة يكون الوحي باللّقاء،واللقاء مرتبة مَصونة عند أهلها لا تُذكَر،يتلقّى فيها الأمر الإلهي من الله عز وجل بلا واسطة. وتارة يكون الوحي بالإلقاء،وهذا الإلقاء هو المُسمّى ب”النّفْث”،وإليه يُشير قوله صلى الله عليه وسلم: “ألا وإن روح القُدس قد نفَث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها” الحديث. وتارة يكون الوحي بالنيابة،بحُكم المرتبة،وهذه النيابة لا تُذكر،وذَوقها عزيز الوجود،وإلى هذه المرتبة في الوحي تُشير جميع الأحاديث القُدسيّة..
ثمّ من أقسام الوحي: ما يكون من فيض المقام الذي تقتضيه المشاهدة. ومنه ما يكون بالإلقاء الذي هو الإلهام،ولا يعلم صاحبه من أين دخل عليه؟.. ومن الوحي أيضاً ما يكون بالنظر في مراتب الأسماء والصفات،وما تستحقّه من الخواص،فيأخذ منها فيضاً إلهياً ووحياً ربانياً يعلم به حُكم الغيب وصريح الأمر الإلهي. ومن الوحي ما يكون بطريق الورود،يَرد عليه الوارد في حضرته من عند الله تعالى في منزلة الرسول من عنده،فيُلقي إليه ما يُلقي من التعريفات والأسرار والعلوم وكشف الغيوب وتحقيق الأمر. ومن الوحي ما يكون تلقّيه بالنظر في قواعد الحكمة السارية في الوجود بالنظر فيما تستحقه الصفات والأسماء من الخواص.
فهذه هي مراتب الوحي.. ثمّ الناس في هذا على قدر مراتبهم ودرجاتهم..
_ (العصمة للنبيين وللأقطاب): اعلم أن من تجلّى الله له بالسرّ المصون والغيب المكنون،عُصم من المعاصي.. ولهذا ثبتت العصمة للنبيين،وفي ضمنهم الأقطاب،ولم يُصرّح بهم صلى الله عليه وسلم في قوله: “لا عصمة إلا لنبيّ”. فقد ستر الأقطاب هناك من كونهم لا تُعرف مراتبهم،وما أخبر الله الخلق بمرتبتهم،ولا وصل العلم إليهم بها. فهي مكتومة،لذلك لم يُصرّح بعصمة أهلها.. لكن السرّ المصون مانع لمن ذاقه أن يعصي الله حتى طرفة عين. وأما من عداهم من الصدّيقين الذين نزلوا عن رتبتهم،فلا عصمة عندهم،وتجري عليهم الأقدار كما تجري على غيرهم.. _ (فاطمة الزهراء عليها السلام / الكمال عند النساء): فإن قُلت: إذا كان حدّ الأنوثيّة في الضعف على ما ذكرتم،فكيف يصحّ لسيدتنا فاطمة الزهراء أن تتحمّل قوة أعباء الخلافة الإلهية؟.
الجواب: اعلم أن في روحها قوّة ليست كقوة النساء،ثمّ إن جسدها رضي الله عنها تَكوّن عن استمداد الجنة،والجنة كلها في غاية القوة لأنها دار التجلّي للحق تعالى. فقَوّاها جل جلاله بقوته الكاملة،فكل شيء منها هو في غاية القوة والمتانة والثبوت للتجليات الإلهية. وكان جسدها من هناك،لأننُطفتها تَكوّنت عن تفاحة من الجنة.
فاستمدّت بذلك من القوة الإلهية،في روحها وجسدها،ما ليس للنساء فيه نصيب،فبذلك تحمّلت أعباء الحلافة الإلهية..
النبوة مستحيلة على النساء،لا سبيل لهن إليها. ثمّ إن مريم وآسية قال فيهما صلى الله عليه وسلم: “كمُل من الرجال كثير،ولم يكمُل من النساء غير آسية ابنة مُزاحم ومريم ابنة عمران” والمراد بذلك: أنهنّ أدركن مرتبة الصديقية التي ليس فوقها في المعرفة بالله والعلم به والرسوخ في العلم إلا القطبانية والنبوة،وهذا غاية ما أدركن. وأما خديجة فقد صرّح صلى الله عليه وسلم بفضلها في أحاديث،حتى قالت عائشة: “ما كنت أغار من امرأة من نسائه صلى الله عليه وسلم إلا من خديجة من كثرة ما يذكرها ويعظّمها”.. وقد تعارضت أقاويل العلماء في التفضيل بين فاطمة وعائشة،كل طائفة مالت إلى تفضيل إحداهنّ،وقد قال مالك: “أما أنا فلا أفضّل أحداً على بضعته صلى الله عليه وسلم”. مع كون جماعة من العارفين أجمعوا،من طريق الكشف لا من طريق السمع،على أن فاطمة أدركت من بعد أبيها صلى الله عليه وسلم مرتبة القطبانية العظمى،وحيث كان الأمر هكذا فلا نسبة بين فاطمة وعائشة.. وليس في خلق الله عز وجل كلها،عموماً وإطلاقاً،من بعد الأنبياء من البشر والملائكة،من يتأتّى منه أن يصل إلى مقدار ألف جزء من تقوى قطب الأقطاب،إلا ما كان من مفاتيح الكنوز فهو أفضل منهم في أمور وهم أفضل منه في أمور.. وكونها عليها السلام أدركت القطبانية دون سائر النساء: لكونها لا تحيض،وسبب عدم حيضتها أن تكوين نطفتها التي تكونت في صلبه صلى الله عليه وسلم تكونت من أكله تفاحة من تفاح الجنة،فلذا قال فيها أبوها: “هي حوراء آدمية”.. فإنها وصلت مرتبة القطبانية لأنها استمدّت الكمالات الإلهية التي تحمل بها سرّ الاسم الأعظم والثبوت في مرتبة القطبانية،ولا مطمع للنساء في استمداد تلك الكمالات منه صلى الله عليه وسلم إلا فاطمة فقط،فبذلك كانت هي أفضل النساء على الإطلاق.. _ (وما ينطق عن الهوى / طهارة سيدنا محمد): اجتهاده صلى الله عليه وسلم في الأمور ليس كاجتهاد غيره،فإنه حيث ما أخذ الحُكم والأمر ــ من أي أقسام الوحي كان ــ كان آخذاً الحكم عن الله تعالى،لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه صلى الله عليه وسلم. فكيف ما حَكم كان هو حُكم الله تعالى،لا يتطرّق إليه الغلط ولا السّهو ولا الضلال بوجه من الوجوه أصلاً. ولذا قال تعالى: (وإن تُطيعوه تَهتدوا). فكل أحكامه وجميع تصرفاته،كلها بطريق الوحي،ليس فيه شيء من مُخامرة الهَوى ولا من طباع البشرية التي تخرُج عن الحقّ. وكذا غيره من جميع النبيين والمرسلين على هذا المهيع.
ثمّ اعلم أنه صلى الله عليه وسلم حيث كمُل خُلوصه إلى أوطان القُرب والتمكين من حضرة الله تعالى،التي لا مطمع فيها لغيره،أنه قائم بتكميل الأدب وتكميل وظائف الخدمة في كل ما برز عن الحضرة من الأسرار والتوقعات والتجليات،في ظاهر العالَم وباطنه وباطن باطن الحضرة الإلهية. فلا يفتُر من ذلك مقدار طرفة عين،ولا يقع منه التفريط في تكميل حقّ من حقوق التجليات. كل ما برز من التجليات،على غاية كثرتها وعدم نهايتها،يُعطيها حقّها من العبودية،من غير إخلال ولا ضعف ولا تزحزح عن موقف الكمال. فإن أطوار الوجود بكل ما تطورت: من خير أو شر،أو دفع أو جلب،أو إعطاء أو منع،أو تحريك أو تسكين،أو تمكين أو تلوين،إلى سائر أقسام التطورات ممّا يعرفه العامة في ظواهر الوجود،وما يتبلور في بواطن الوجود: من الإرادات والتخيلات والتوهمات والخواطر والأفكار. كل ذلك تجليات الحق تعالى بآثار صفاته وأسمائه،ما تَمّ غيره سبحانه في كل ما سمعت. وهو صلى الله عليه وسلم في موقف كماله،دائماً أبداً سرمداً،يعطي جميع التجليات حقّها ويوفي آدابها..
__ (كشف السّاق / التجلّي في الصور): ذكر الشيخ حديث التجلّي في الصور يوم القيامة،ثم قال:
وأما الكلام على العبارة بالكشف والساق،فالمراد ههنا: هو تبدّي ذلك الجلال العظيم والكمال العديم المِثال،فهو المراد بالساق. والعبارةخرجت مَخرج الأمثال،على طريق السياق عند العرب،لأنهم كانوا إذا اشتدّ الأمر واحتيج إلى القتال الشديد والمُصابرة العظيمة للأمر،قالوا: “الآن كشف عن ساق” يعني: الرّيب،وانزاحَ الرجاء الذي كان يعتقده المُعتقد وأن الشدّة لا تقع بهم،فانكشف الغطاء،وتبيّن الاحتياج والاضطرار إلى مُقاساة الشدائد والثبوت في موقف الشجاعة وشدّة الصبر لتحمّل الأثقال العظيمة..
ووجه ضرب المثَل في هذه الآية بقوله: (يوم يُكشف عن ساق) كان كل عابد لغير الله تعالى،من الأوثان والطواغيت،يظنّ أنه ناجٍ بعمله،راجٍ الفوز ببلوغ أمله. فانكشف لهم الأمر من الله بقوله لهم: “من كان يعبد شيئاً فليتبعه”،فإذا تبع العابدون ما عبدوه قذف بهم مع معبوداتهم في النار. فذلك هو “الكشف عن ساق” في ضرب المثل في الآية..
ثمّ تبقى الفتنة الثانية لمن عبد الله تعالى هو قوله: “فيأتيهم الله في غير الصفة التي يعرفون”،فيقول: “أنا ربكم”،فيقولون: “نعوذ بالله منك،هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا،فإذا جاء ربنا عرفناه” الحديث. ومعنى هذا الحديث أنه تجلّى لهم تعالى من وراء حُجب الأستار ولم يكشف لهم صريح الجلال،وأسمعهم مع هذا خطاب ذاته بقوله: “أنا ربكم”. والموقف جمع أصحاب اليقين وأصحاب الإيمان: فأما أصحاب اليقين فسكتوا عِلماً منهم بأن ذلك هو الحق سبحانه،وهو الذي يُخاطبهم بذاته،ولم يعتبروا تلك الأستار التي تجلّى لهم بها من ورائها.. فعامة المؤمنين لجهلهم بالله في مراتبه،ظنّاً منهم أنه لا يكلمهم إذا تبدّى لهم جلاله وزالت حُجب الأستار،فلذا قالوا: “نعوذ بالله منك”. والصديقون والنبيون،وقد شَملهم الموقف مع أهل الإيمان،موقنون به أنه هو المتجلّي من وراء حُجب الأستار،كما قال تعالى: (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام).. فأصحاب الإيمان سمعوا الكلام منه تعالى،ولكن أنكروه في الصور،فما مقتهم سبحانه لأن تلك رُتبة إيمانهم،فتجلّى لهم حينئذ في الصفة التي يعرفون،وهي الحدود المذكورة آنفاً،فيقولون: “انت ربنا،فيخرّون له سُجّداً” الحديث. لكن إنكارهم في المرة الأولى سَلبهم أنوار اليقينفلا يتحقّقون شيئاً،فأنكروه لما خاطبهم. وفي التجلّي الثاني قذف فيهم أنوار اليقين،فعرفوه بتلك الأنوار.. ولا تظنّ أن من عرف الله،أياً كان من المؤمنين والموقنين،أن ذلك من قوته أو فكره،وإنما هو بنور مقذوف من عنده تعالى لمن اختصّه من خَلقه..

_ (في الأحاديث النبوية،وعلومه الاختصاصية المصطفوية) _

_ (العندية الإلهية / الذكر منشور الولاية): في الحديث القدسي: “أنا عند ظنّ عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني،فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي” الحديث. العندية هنا هي من إطلاقات الكناية الإلهية،وذلك علم (علم الكناية الإلهية) اختصّت به الرسل. وفي علم الكناية وَقعت على الحقّ عبارات استحال ظاهرها،من النزول والدنوّ والتدلّي والمعيّة والعندية والمَجيء والضحك والعجب،وأمثالها كثيرة في الشرع. وظواهرها مستحيلة على الحق سبحانه وتعالى،إلا أن تلك العبارات وقعت من الرسل عن معاني غيبية لا تُعرف حقائقها في حق الله تعالى،وعبّروا عنها،لكن عبّروا للخَلق. فمن كان من الصديقين عرف معاني تلك الألفاظ،ومن لم يكن منهم لا يعلم منها شيئاً.. هي عبارات تُنبئ عن أمور مكتومة في جانب الحق تعالى لا تُعرف،ليس فيها إلا التّسليم لما يسمع. وافترق الناس فيها على فرق: فطائفة خاضوها بالتأويل،بعد صَرف ظواهرها عن الله تعالى. وطائفة من أهل العلم أحالوا ظواهرها وفوّضوا أمرها إلى الله تعالى وسلّموا الأمر إلى الله تعالى في حقائقها،فلم يخوضوا فيها بشيء. وبعض أهل العلم تكلّموا في حقائقها،لكن بإشارة دون تصريح،قال العارفون بالله: من دخل منهم أرض السمسمة انكشف لهم حقائق تلك الصفات المُشكلة ونَظروها عِياناً،فلم يبق لهم إشكال بعدها،لكن لم يتكلّموا بها.. العندية ــ في الحديث ــ اقتضت الحلول معه تعالى في المكان،لأن العبد في مكان مُستكنّ،وذلك مستحيل على الله تعالى.. ومعنى العندية هنا إسعافه للعبد بمطلبه فيما ظنّ به فيه.. ورد في بعض الأخبار أن الله تعالى يوقِف العبد بين يديه فيقول له: “ما الذي جرّأك على معصيتي حتى خالفت أمري؟” أو ما هذا معناه،فيقول العبد: “ربّ ظننت أنك تغفر لي” فيغفر له لحُسن ظنّه.. وبالجملة: فالمُعوّل عليه في بساط التحقيق أن من لَقي الله يُحسن الظنّ به في العفو عن ذنوبه،وإن كان من أكبر المنهمكين،لَقي من ربّه عفواً. ومن لم يكن كذلك،فأمرُه إلى الله،ولا سيما إن كان يُكثر التضرّع من ذنوبه في أوقات من أيامه بطلب العفو.. والمعية في الحديث غير قوله تعالى: (وهو معكم أينما كنتم) فهذه له صفة ذاتية،والمعية في الحديث هي معية العناية والمحبّة. فإنه مع الذاكر بعنايته ومحبّته له،كما أن معيّته مع الصابر في الجهاد بالنّصر والتأييد،ومع الدّائن بالمعونة والتيسير،وهكذا.. فالمعية في قوله تعالى: (وهو معكم أينما كنتم) هي معية الذات،فهو مع كل شيء بذاته،وهي لا تقبل انفصالاً عن تلك المرتبة،فهو في تلك المرتبة مع كل شيء،لا بحلول ولا اتصال ولا انفصال ولا مسافة ولا قُرب ولا بُعد،إذ تلك صفاته الذاتية.. لا يزال العبد مرّة يذكُر ومرّة يستريح،حتى إذا رأى الحق منه ذلك صَبّ في قلبه من مواهبه أنواراً إلهية شغلت القلب عن غير الله تعالى وملأته بذكر الله تعالى،وصار القلب بسبب ذلك مطمئناً بذكر الله. ومن الطمأنينة ينتقل إلى المراقبة،وهي حالة عزيزة ما نالها إلا الأفراد،يعني أفراد السالكين،فإنها إن دامت للعبد وتمكّن أمرها من القلب خرجت به إلى الذّهول عن الأكوان،ثم إلى السكر عنها وهو أعلى من الذهول،ثم إلى الفناء عن الأكوان مع شعوره بفنائه،ثم إلى الفناء عن الفناء. فإذا وصل إلى هذا الحدّ انمحق الغير والغيرية بهَدْم جميع الرسوم والأطلال وانمحاق جميع الآثار،فلم يبق إلا الحق بالحق في الحق عن الحق،وهو باب المدخل إلى محبةالذات وهي غاية الغايات. فإذا وصل العبد إليها ارتفع الحجاب له عن الحضرة القدسية وطلعت له شمس المعارف،فرفعت له الأستار عما في الحضرة الإلهية من العلوم والمعارف والأسرار والأنوار والأحوال العليا والأخلاق السّنية الكريمة والتوحيد والتجريد والتفريد والحِكَم والحقائق والعجائب،التي لا تعرف ولا تُذكر،وهي غاية الغايات. وأكثر ما يوصل إليها من النوافل: الذكر،بملازمته ومعانقته له،فإن الذكر هو الذي يأتي بالمواهب.. حقيقة الذكر في نفسه تعالى هو حقيقة علمه بالموجودات،فإذا علم هذا دلّ الحديث على أن هذا الذكر ذكر خاص ليس الذكر الأصلي الذي هو في حقيقة العلم الإلهي،لأن هذا الذكر الخاص جعله تعالى جزاء لذكر العبد حيث قال: (فاذكروني أذكركم).. قال الأستاذ القشيري: [ الذكر منشور الولاية ومنار الوُصْلة،فمن أعطي الذكر فقد أعطي المنشور ]. يُريد بجلوسه على بساط الولاية،فإنه يقول في الحديث القدسي: “أنا جليس من ذكرني” وهو معنى القُرب.. _ (وإن أتاني يمشي أتيته هرولة): يُريد إذا استغرق أوقاته في ذكري أعطيته ما لا تُحيط به العقول من الثواب ولا تنتهي إليه الأفكار،فإنه تعالى يقول: (والذاكرين الله كثيراً والذاكرات أعدّ الله لهم مغفرة وأجراً عظيماً).. وأما مطلب الحقيقة والسلوك: فإن حدّها هو الرجوع إلى الله تعالى من طبائع النفوس،فإن العبد خُلق مطبوعاً على الإدبار عن الله والاشتغال عنه باشتغاله بمقتضيات طبعه وهَواه. والشرع أوجب الرجوع إلى الله تعالى ممّا هو فيه،على حدّ قوله تعالى: (ففرّوا إلى الله إنّي لكم منه نذير مبين) يعني: من مقتضيات طبعكم وهواكم،وكقوله تعالى: (وأنبيوا إلى ربكم وأسلموا له) والإنابة إلى الشيء هي الرجوع عن ضدّه،وهي الرجوع عن متابعة النفس والهوى. فإن هذا المسلك هو مسلك جميع الصديقين،فإنهم سلكوا إلى الله تعالى بالرجوع من نفوسهم وهواهم إلى الاشتغال بالله تعالى والدؤوب على خدمته والأدب بين يديه..
والمشي ههنا هو وقوع العبد في آخر مراتب السلوك،فإنه في البداية كان مقيّداً بمقتضيات طبعه فلا يقدر على المشي،لكن يترُك من مقتضيات طبعه أموراً قلائل،ثمّ إذا داوم عليه سهُل عليه ترك ما بعدها من مقتضيات الهوى..
_ (قُرب النوافل): جاء في الحديث القدسي: “لا يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتّى أحبّه” الحديث. النوافل هو ما زاد على الفرائضالمعلومة،وأفضل النوافل التي يتقرّب بها إلى الله تعالى: الذكر والصلاة والصوم بشروطه،فهو أعظم النوافل وأحبّها إلى الله تعالى.. والمراد بالنوافل ههنا: قيام روحها في السلوك،وهو عملها خالصة لله لا لحظّ عاجل أو آجل،بل يريد الخروج بها إلى الله محضاً من جميع حظوظها وشهواتها ومتابعة هواه. فالعبد في هذه المرتبة بمنزلة الشخص الملطّخ بالنجاسات،فهو لا يلتفت لعمل الثواب،بل يشتغل بتطهير نفسه.. فهو ساعٍ في ذلك لتطهير روحه ممّا استوطنته من الولوع بغير الله تعالى،فيأخذها بالمجاهدة والمكابدة والقمع عن هواها ومُزاولة المألوفات والشهوات. والمُعين له على هذه المجاهدة هو الذكر على أصله،فإنه لا تخلّص للعبد من ورطاته إلى الصفاء الذي يدخل به إلى الحضرة الإلهية القدسية إلا بفيض الأنوار من حضرة القدس،وفيض الأنوار أكبر ما يأتي بها الذّكر.. وهذا القرب الذي اجتمعت عليه الطائفة المُصرّح به في الكتاب والسنة،ليس هو قرب المسافة ولا قرب الاتصال،وإنما هو قُرب النّسبة فقط.. فإن نسبة الحضرة الإلهية تقتضي أن لا وجود لشيء مع الله تعالى،ولا حُكم لغير الله تعالى.. وفي هذا الميدان: الكافر والمسلم والمؤمن والصديق والقطب والرسول والنبي والملَك،كلّهم على حد سواء في هذا الميدان،ليس أحد منهم بأخصّ من الآخر،إلا من كان من الصديقين ومن وراءهم انكشف لهم ذلك فرأوه عِياناً،فأعطوا جميع هذا المشهد حقّه. والعامّة عَموا عن هذا وجَهلوه،فأدبروا عن الله تعالى بمُعانقة أغراضهم وشهواتهم،لكن لهم عُذر في هذا،فإن الصفوة العليا من الصديقين إلى الرسل أعرى عنهم الحجاب فتجلّى الله لهم عياناً.. _ (التجلّي بالكبرياء الذاتي): جاء في الخبر: في جنّة التجلّي حيث تجلّى لأوليائه قال: “يتجلّى فيها ضاحكاً ليُؤنس أولياءه ويُفرحهم،ويُذهِب عنهم جميع الرّوع من سطوة العظمة والكبرياء”. ولذا قال الشيخ الكامل مولانا عبد القادر الجيلاني: [ من ألِفَ البَهاء من الله تعالى لم يُطالع إلا صفات الجمال من الحق تعالى،لا يثبُت لبُدوّ العظمة والكبرياء ]،ومعناه: أنه لا يثبُت ــ للعظمة والكبرياء ــ لها إلا الأكابر من الرجال،لا العارفون فإن أكملهم وهو القطب الكامل لا تتجلّى له حقيقة الكبرياء إلا بعد بلوغه للرّتبة العليا من القطبانية،وذلك المقام يُسمّونه ختم المقامات،ولم يرتقه من الأقطاب إلا القليل لبُعْد مرامه. فإذا ارتقاه ووصَله،هنالك يتجلّى له بالكبرياء الذاتي،ولا يزال مُرتقياً فيها إلى الأبد. ولو تجلّى بذلك الكبرياء بمقدار ذرّة منه لجميع العارفين والصديقين لصاروا هباءً منثوراً في أسرع من طرفة عين،ولا يقدر عليه إلا القطب الفرد الجامع،لكن بعد بلوغه مقام الختم،وقبل بلوغه لا قُدرة له عليه. قال الإمام عليّ: [ المعرفة:كشف سُبحات الجلال،وغايتها الدّهَش في كبرياء الله ] أراد بغايتها: مقام الختم في القطبانية،فهو غاية الغايات..
_ (نظر الحق عز وجل): ورد في الحديث: أن ثواب الذي يقول هذه الكلمات: “سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله”،من قالها مرة واحدة كُتب له ست خصال،منها: “نظر الله إليه،ومن نظر الله إليه لم يُعذّبه” الحديث. وحقيقة النظر ههنا ليس هي صفة البصر،فإن تلك الصفة قال فيها: (ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء).والمراد بالنّظر ههنا: هو النظر الخاص بحُكم العناية والمحبّة. قال محمد بن علي بن الحنفية: [ إن لله في خَلقه في كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة ]،والمراد بهذه النظرات هي فيوض الرحمة الإلهية التي يُفيضها على خَلقه من سوابغ فضله،فيُصيب بها من يشاء ويمنعها عمّن يشاء. فهذا هو النظر،فمن أصابته نظرة من هذه النظرات فقد سَعد.. وفي الحديث الآخر: “ما قال عبد: لا إله إلا الله،إلا فتقَ الله السماوات حتى ينظر الله إلى قائلها”.. فالنظر ههنا: هو نظر الرحمة والعناية،لا نظر الصفة،فكل الخلائق مُنكشفة لبصره تعالى لا يخفى عليه شيء.. ويُرفع نظر الرحمة هذا عن طائفة،كقوله تعالى: (إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً ــ إلى قوله ــ ولا ينظر إليهم يوم القيامة). فلا ينظر إليهم نظر الرحمة،كناية عن شدّة غضبه وشدّة عقابه. لكن نَفْيَنا نظر الرحمة يُعارضها قوله تعالى: (ورحمتي وسعت كل شيء) فتلك الرحمة العامة هي للمُعذّب وغيره،حتى لأهل النار. وهذه الرحمة الخاصة التي ينظر بها لخلقه فهي المقيّدة بقوله تعالى: (فسأكتبها للذين يتقون)،فإن صاحب هذه النظرة لا يناله عذاب من النار ولا تُفضح مَساويه في موقف القيامة.. _ (أصابع الرحمن / أسماء الذات وأسماء المرتبة): ورد في الحديث: “ما من قلب إلا وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن يُقلّبه كيف يشاء”.
الكلام ههنا على الإصبع وعلى اسم الرحمن. فالرحمن هو من أسماء المرتبة،وهي مرتبة الألوهية،ليس من أسماء الذات كالعظيم والكبير والجليل. فإن أسماء الذات لا تعلّق بها للخلق،وأسماء المرتبة كلها متعلّقة بالمخلوقات،لأن الألوهية اقتضت وجود المخلوقات من غير حاجة بالإله لهم.. فالألوهية هي مرتبة الإله المعبود،ومن أكبرها اسمه الرحمن فإنه محيط بجميع أسماء الوجود،ومنه الفيض على جميع الوجود..
الرحمن هو من أكبر أسماء الألوهية،لكونأسماء الوجود كلها تحت حيطته،فليس شيء في الوجود يخرُج عن حيطة الرحمة الإلهية (ورحمتي وسعت كل شيء). ولهذا الأمر وقع الاستواء بهذا الاسم على العرش،كما أنه تعالى استوى على حقيقة الإنسان باسمه “الله”،وليس في الوجود من يُطيق حمل التجلّي بهذا الاسم إلا الإنسان. كما أنه سبحانه وتعالى استوى على الحقيقة المحمدية بالاسم الأعظم الكبير الذي لا تُعرف له كيفية ولا يُطيق حمله في ذلك إلا هو صلى الله عليه وسلم..
والأصابع هي متعلقات المشيئة،فالمشيئة بمنزلة اليد ومتعلقاتها بمنزلة الأصابع،وكذا القدرة بمنزلة اليد ومتعلقاتها بمنزلة الأصابع.. فكل قلب هو مُقام بين أمرين إلهيين: أمر من متعلقات المشيئة،وأمر من متعلقات القدرة.. هذا معنى الأصابع في الحديث..
_ (قدم الجبار): قال صلى الله عليه وسلم: “لا تزال النار تقول: هل من مزيد،حتى يضع الجبار فيها قدمه فتقول: قط،بمعنى: حسبي حسبي امتلأت” الحديث. ولهذا الحديث معنيان،كلاهما صحيحان: المعنى الأول: أن القدم ههنا هي المخلوقات التي يخلقها تعالى بعد استقرار الخلائق في الجنة والنار يوم القيامة،يخلُق خلقاً يملأ بهم الجنة فهو القدم الأول،والقدم الثاني: يخلُق خلقاً يملأ بهم النار يوم القيامة.. فهؤلاء أقدام الجبار،يعنيآخر خلق يخلُقهم،لذا استعير لهم لفظ القدم.. والمعنى الثاني: القدم مُستعار لها من اسمه الجبار،وهوالقهر والسطوة والجبر. والمراد به هنا: لا تزال بقوة صولتها على الخلق وبقوة إحراقها وعذابها،حتى يتجلّى عليها باسمه الجبار فيدكّها دكاً من هيبة الجلال،فتخضع وتذلّ،وبهذه السطوة ينقضي عذابها.. _ (نزول الربّ تعالى): ورد في الحديث: “ينزل ربّنا كل ليلة إلى سماء الدنيا” الحديث.اعلم أن للحق تعالى في مرتبة ذاته نسبتين:
النسبة الأولى: نسبة للكُنْه،وهذه المرتبة بعيدة عن التغيّر بالزمان والمكان والنّسب والإضافات والجهات والتوجّهات،لا تقبَل شيئاً من هذه النّسب،لا ظاهراً ولا باطناً ولا حقيقة ولا مجازاً.
والنسبة الثانية: نسبة للتنزّل،إما بالنيابة،وإما بالرحمة والفضل،وإما بالغضب والبطش،وإما بالاشتراك.
فأما نسبة النيابة: فهو مثل قوله صلى الله عليه وسلم: “السلطان ظلّ الله في الأرض” ومعناه: ينوب عن الله تعالى بإيقاع الخير والشر..
وأما تنزّل الرحمة والفضل: مثل ما قيل في الحجر الأسعد أنها يمين الله في الأرض،يُريد من قبّلها كأنما قبّل يد الحق تعالى،بمعنى ينغمس في بحر الرحمة والفضل. وكقوله: “ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا” الحديث..
وأما تنزّله بالغضب والبطش: مثل قوله تعالى: (وطنّوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله) ومعلوم أنه ما سلّط عليهم إلا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه..
وأما تنزّل الاشتراك: مثل قوله تعالى: (وجاء ربك والملك صفاً صفاً) فإنه في ذلك المقام يُظهر فضله ورحمته على طائفة،ويُظهر بطشه وغضبه على طائفة،في مقام واحد وآن واحد.. ومن تنزّل الاشتراك قوله في الحديث القدسي: “ما وسعني أرضي ولا سمائي،ووسعني قلب عبدي المؤمن” فإنه تنزّل فيه بالتجلّي بجميع صفاته وأسمائه،جلالاً وجمالاً واشتراكاً،فضلاً منه ورحمة. وهذا خاص بالآدمي،وهو العارف بالله فقط. ولم يتجلّ الله في كل ذرّة من ذرّات العالم إلا باسم واحد،ولم يتجلّ ربّنا باسم واحد في حقيقتين ولا باسمين في ذرة واحدة،ما عدا الإنسان..
وللحق تعالى تنزّلان: تنزّل الوجود،وتنزّلالإمداد. فأما التنزّل الأول: فهو تنزّله من مظهر الأحدية إلى مظهر صورة الألوهية،فإنه ورد في الخبر القدسي: “كنت كنزاً لم أعرف فأحببت أن أعرف فخلقت خلقاً فتعرّفت إليهم،فبي عرفوني”. فوجوده الأول سبحانه وتعالى الذي هو الذات الساذج،لا مظهر فيه للغير والغيرية لشدّة الغيرة منه تعالى وسطوة العزّة وصولة الجلال. فإنه في ذلك المظهر له العلو الكامل،وله الكبرياء والعظمة التامان،وله العزّ الشامل الذي لا يُدرك أمره ولا تُعرف حقيقته.. وهذه المرتبة التي هي كُنْه الحق،تُسمّىحضرة الطمس والعمى الذاتي والبطون الأكبر الذي لا مطمع لأحد في درك حقيقته. وكل ما فيها من الصفات العظام،من العلو والكبرياء والعظمة والجلال والكرم والمجد وأشباهها من الصفة الجامعة،فإن هذه الصفات كلها صفة الذات الساذج الذي حرم على العقول والأفكار شمّ أقلّ قليل منها فضلاً عن ذوقها.. وفي هذه المرتبة يُقال: لا يعلم كيف هو إلا هو.. ثمّ تنزّل سبحانه من حضرة عُلوّه إلى حضرة تَعاليه ومن حضرة كبريائه إلى حضرة تكبّره،حيث يُدرك الخلق العلم به لأن التكبّر والتعالي وصفان قديمان يُدرك العلم بهما بوجود الخلق. وإن كانا وصفين للذات،لكنهأظهر ما يتكبّر عليه من خَلقه ويتعالى عنه من أوصاف خلقه.. ولا يُقال أن هذا التنزّل حادث،بل كان قديماً وَصفاً من أوصاف الذات،إلا أن وجود الخلق في هذه المرتبة التي تنزّل الحق إليها هو أمر اقتضاه كمال الذات العليّة.. فكما اقتضت الذات في مرتبة الكنه عدم وجود الغير والغيرية لعظم العزّ وعظمة العلوّ،كذلك الذات في هذه المرتبة اقتضت وجود الخلق لأن وجود الخلق في هذه المرتبة هو من كمالات الذات،إذ لولا وجود الخلق ما عرف تكبّره ولا تعاليه لعدم وجود من يتعالى عنه ولا من يتكبّر عليه.. والتنزّل الثاني: هو تنزّله بفيض الرحمة الإلهية المُسمّاة بالنّفَس الرحماني،وهي التي اقتضت مُلاءمة أغراض الخلق من كل ما يُطابق أغراضهم،من الشهوات والملذوذات والمسرّات مطلقاً. هذا هو التنزل بالرحمة التي عمّت كل شيء،ما في الوجود إلا مرحوم،كافره ومؤمنه.. وهذا التنزل الثاني والتنزل الأول،كلاهما مجموعان في الحقيقة المحمدية،فإنها أول موجود أنشأه الله من حضرة العما الرباني،وأوجدها سبحانه مشتملة على جميع ذوات الوجود من الأزل إلى الأبد،والوجود كله مُتنسّل منها. كما أن آدم عليه السلام وجوده مشتمل على وجود ذريته إلى قيام الساعة،فما في الوجود آدمي خارج عنه. كذلك ما في الوجود ذرة موجودة،من الأزل إلى الأبد،خارجة عن الحقيقة المحمدية إذ هي الأب الأول للوجود كله. فهذا هو التنزل الأول،وهو تنزل وجود الذوات. والتنزل الثاني الذي هو فيض الرحمة الإلهية الذي اقتضاه النفَس الرحماني،مجموع أيضاً كله في الحقيقة المحمدية. فكما أنه صلى الله عليه وسلم هو السبب في إيجاد الخلق،كذلك هو السبب في إمدادهم بالرحمة الإلهية. فيُشار للتنزل الأول بقوله تعالى: (قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين)،ويُشار للتنزل الثاني بقوله تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين).. _ (الفرق بين المراتب الأربع: الذات السادج،الأحدية،الوحدة،الواحدية): الذات الساذج: هو تجلّيه بذاته في ذاته لذاته،مع عُروّ النّسب،فلا أحديّة ولا كثرة ولا وصف ولا اسم..وأما الأحديّة: فهو تجلّيه بذاته في ذاته لذاته عن ذاته،مع ظهور نسبة الأحدية،ومَحو جميع النّسب من الأسماء والصفات والكثرة والغيرية..وأما الوحدة: فهو تجلّيه بذاته عن ذاته في الحقيقة المحمدية،والحقيقة المحمدية هي الرائية له في ذاتها،فهو تجلّيه لغيره في غيره.وأما الواحدية: فهو تجلّيه بأسمائه وصفاته في غيره لغيره،وهي الحقيقة الآدمية..
ومجموع المراتب كلها هو الحضرات الخمس:
الحضرة الأولى: هي حضرة عالم الناسوت،وهي مرتبة وجود الأجسام الكثيفة.
والحضرة الثانية: هي مرتبة عالم الملكوت،وهي مرتبة فيض الأنوار القدسية،وهي من السماء الأولى إلى السابعة،وهو عالم المُثُل وعالم الروحانية والأفلاك.
والحضرة الثالثة: هي حضرة عالم الجبروت،وهي من السابعة إلى الكرسي،وهي حضرة فيض الأسرار الإلهية،وهو عالم الأرواح المجردة،وهو عالم الملائكة.
والحضرة الرابعة: حضرة عالم اللاّهوت،وهي حضرة ظهور أسماء الله تعالى وصفاته بأسرارها وأنوارها وفيوضها وتجلياتها.
والحضرة الخامسة: هي حضرة الهاهوت،وهي حضرة البطون الذاتي والعما الذاتي،وهذه المرتبة لا مطمع في نيلها إلا التعلّق بها.
_ (اليقظة القلبية): قال صلى الله عليه وسلم: “تنام عيني،ولا ينام قلبي”. قلبه صلى الله عليه وسلم لا يزال مُستغرقاً في مطالعة الحضرة القدسية،بمراقبة ما يبرُز منها من الفيوض والتجليات والأحوال والمعارف،وتجليات الأسماء والصفات بملازمته لما يلزمه في مقابلتها من الأدب والتعظيم والإجلال،ووظائف ما تستحقه من الخدمة والعبودية.. وأما نومه صلى الله عليه وسلم فإنما حدّه وغايته: وقوعه على حواسه البشرية،ولا يتعدّى نومه إلى قلبه حتى يغفل عن مطالعة الحضرة الإلهية كما هو حال البشر. ولا خصوصية له في هذا،بل جميع الأنبياء هكذا.. _ (حجاب النور): قال صلى الله عليه وسلم: “حجابه النور،لو كشفه لأحرقت سُبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه”.
معنى هذا: أنّ الموجودات لو نظرت إلى الله تعالى بلا حجاب،وأدركته أبصارها،لأحرقت سُبحات وجهه تعالى جميع الموجودات التي أدركته أبصارها بلا حجاب.. وقوله: “ما” صادقة على جميع الموجودات،والضمير الأخير في “أدركه” يعود على الله تعالى،وفاعل أدرك هو “بصره”،والضمير في بصره هو المفسّر بقوله: “من خلقه”.
هناك نوران حاجبان للخلق عن النظر للحق: الحجاب الأول هو الحقيقة المحمدية،فإنها هي البرزخ الأكبر بين الله وبين خلقه. والحجاب الثاني هو رداء الكبرياء على وجهه تعالى،فلا سبيل إلى انخراقه..
وحجابيته صلى الله عليه وسلم وُضعت لتمام الإفادة،لا للمنع من الإفادة. فإنه لولا الحجاب لم يقدر الخلق أن يُباشروا ربّهم بالإفادة منه،بنفس وقوع أبصارهم على سُبحات وجهه تحترق الموجودات.. إذ جميع الإفادة من الله مطلقاً يتلقّاها الحجاب الأعظم من الله،لكونه قوّاه بقوّته،ثمّ يُفيضها على جميع الوجود،ولولا هو ما استفاد أحد من الله شيئاً.. يقول صلى الله عليه وسلم: “إنما أنا قاسم،والله مُعطي” يُشير إلى أن الإقطاعات الإلهية للقوابل الأصلية كانت مقسومة بحُكم المشيئة الربانية،ليس لغير الله فيها مدخل. ثمّ جعل سبحانه نبيّه قائماً له في توصيل تلك القِسَم المفصّلة بحكم المشيئة.. والحقيقة المحمدية دونها حُجُب الأنوار،فلا مطمع لأحد أن يصل إلى الحقيقة المحمدية بتخطّي حُجب الأنوار التي دونها. وإنما تجليات الحق كلها من وراء حجاب الكبرياء،ومن وراء حجاب الحقيقة المحمدية،ومن وراء الحجُب التي دونها. وأما الوصول إلى الله تعالى فمن باب النبي صلى الله عليه وسلم بكونه باباً في الوصول إلى الله تعالى،ولا مطمع لأحد في الوصول بدونه. وحصول ذلك بمتابعة شرعه واقتفاء سبيله،والتخلّق بأخلاقه والتأدّب بآدابه،مع إخلاص الوجهة في ذلك كله إلى الله تعالى..
_ (حُبّب إليّ من دُنياكم ثلاث): قال صلى الله عليه وسلم: “حُبّب إليّ من دنياكم ثلاث” الحديث. اعلم أن له صلى الله عليه وسلم بشريّة كغيره من الأنبياء والرسل،لكن تلك البشرية معصومة من مخالفة الأحكام الإلهية مطلقة فيما أذن لها فيه،كالجماع والأكل والشرب.. اعلم أن لكل عارف محبتين: محبة في روحه،متعلّقها الذات القدسية،مَنشؤها مطالعة الجمال.. ومحبة له من حيث البشرية،هو قوله صلى الله عليه وسلم: “حُبّب إليّ من دنياكم ثلاث” الحديث،فهذه المحبة لا تُناقض تلك المحبة،ولا تُسمّى نقصاً،لأن الحق تعالى وضعها للرسل للتأليف مع الخلق وتأدية الأحكام الإلهية وتبليغ الرسالة والتناسل الذي تقع به عمارة الدارين،فإن ذلك هو عين الكمال.. ولذلك صحّت له صلى الله عليه وسلم الخلافة لتآلفه بالعوالم بالمحبة البشرية،وهذا هو معنى اسمه “محمد”،يَحمدُه جميع العوالم بما أفاض الله عليه من الحضرة الإلهية. والمحبّة الأصلية هي التي يُسمّى فيها “أحمد”،لأن تلك الحضرة لا يُشاركه فيها مخلوق،فهو أحمد من حَمد الله في ذلك المقام لعلوّ عِلمه بالله تعالى بما ليس لغيره فيه مطمع.. _ (الرؤيا الصالحة): الأشياء التي يراها النائم هي خواطر ترد على قلبه في حالة النوم،ويصوغ الملَك الموكّل بالرؤيا للرّائي صورة تُناسب ذلك الخاطر على قدر ما يراه في الصورة المتخيّلة،وهذه حقيقتها..
وأصل الرؤيا كلّها: إمّا من عالَم الخواطر،وإمّا من عالم الوحي. والوحي فيها هو كاليقظة للروح المتمكّنة من الصفاء،ويبعُد غوره على قدر بُعد الروح من التمكّن من الصفاء. وعالم النوم شامل لعالم الخواطر وعلم الوحي..
وأما تفسير الرؤيا فلا يحلّ لأحد أن يتكلّم فيها إلا إذا عَلم تأويلها،ولا يعلم تأويلها إلا صدّيق أو من قارب مقام الصديقيّة..
_ (حياة سيدنا محمد): قال صلى الله عليه وسلم: “ما من أحد يُسلّم عليّ إلا ردّ الله عليّ روحي حتى أردّ عليه السلام”. النبيّ صلى الله عليه وسلم حيّ في قبره بذاته الشريفة التي كان عليها في دار الدنيا،مع أن روحه الشريفة دائمة في حضرة القدس أبد الآبدين. ومعنى حياته في قبره أن الروح تُمدّ الجسد في القبر بنورها من الحضرة القدسية،فهذا معنى الحياة في القبر وكذلك حياة العارفين. وأما قوله: “إلا ردّ الله عليّ روحي” يعني: روحه التي في حضرة القدس تَرجع إلى جسده الشريف لردّ السلام على المُسَلّم عليه،وترجع إلى مقرّها وهي حضرة القدس.. _ (مُدارسة القرآن الكريم في رمضان): جاء في الحديث: “كان جبريل يُدارسني القرآن في كل رمضان مرّة” الحديث.
حقيقة المُدارسة هي المُفاعلة عند العرب.. والمُدارسة تُطلق على التلاوة،وعلىالمُساءلة والبحث في معاني الأمر المتلُوّ. يقول صلى الله عليه وسلم: “ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا حفّتهم السكينة” الحديث،فهذه هي المدارسة وهي البحث في معاني القرآن والتماس غرائبه. قال الله تعالى: (ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون)..
المعنى الأول: وكون ذلك في رمضان لأن رمضان محلّ فيوضات مواهب الحق تعالى ومحلّ فيوضات رحمته الإلهية،ومن جملة ذلك فيوض الأسرار والعلوم والمعارف والأنوار على قلوب الصديقين في رمضان ما لا يجدونه في غيره. ولذا خُصّت المُدارسة في رمضان لما يُفيضه الحق من الأسرار والمعارف والعلوم والمواهب على قلوب كل واحد منهم يستفيد من الآخر ما لم يكن عنده..
والمعنى الثاني: أن يكون كل منهما يتلو على الآخر القرآن وهو يسمع له،فيستفيد السامع من القارئ بسبب الاستماع علوماً وأسراراً،وكذا القارئ يستفيد من السامع له علوماً وأسراراً..

_ (في إشاراته العلويّة وحَلّ مُشكلاتها بعبارات وَهْبيّة) _

_ (أبيات شعرية): [ تطهّر بماء الغيب إن كنت ذا سِرّ // وإلا تَيمّم بالصّعيد وبالصّخر.. ]. اعلم أن “ماء الغيب” الذي أشار إلى التطهير به،هوالفيض الأكبر الفائض من حضرة القدس الذي هو حضرة اللاّهوت،ويعبّر عنه عند العارفين بالفتح. وتسميّته بالفتح فيه تسامُح،فإن الفتح هو زوال الحُجب الحائلة بين العبد وبين حضرة القدس،وهي مائة ألف حجاب وخمس وستون ألف حجاب،وزوال هذه الحجب بأسرها هو الفتح.. والفيض الوارد عليه بعد الفتح من حضرة القدس،عند دخوله في ذات العبد يتطهّر بسببه من جميع الأخلاق والأوصاف والنعوت البهيمية والطبيعية والشيطانية،مثل الكبْر والعُجب وحبّ الدنيا والكذب والبهتان والخداع والمكر،إلى غير ذلك من الأخلاق المذمومة.. وأما الفيض الأقدس فإنه يأتي قهراً عن تجلّي إلهي لا مدخل فيه للعبد،يهدم قواعد الرسوم البشرية،ويُخرج العبد عن ملاحظته ورؤيته وإدراكاته،ويُلقيه في بحر فناء الفناء،ويقذفه في البحر الأعظم والسر الأكبر المُشار إليه بقوله صلى الله عليه وسلم: “إن الله خلق آدم على صورته”،ويقذفه في بحر قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي: “لم تسعني أرضي ولا سمائي،ويَسعني قلب عبدي المؤمن”. ومعاني هذين الحديثينلا تُدرك باللفظ ولا تَكشف العبارة عن معانيهما شيئاً،وإنما هي أسرار عاليات وفيوض أقدسيات يَهبها الله لمن أحبّه واصطفاه من عباده.. وبسبب ذلك يكون عارفاً بالله كاملاً وعبداً محضاً خالصاً.. “إن كنت ذا سِرّ”: هذا الفيض الأقدس والفتح المتّصل به لا يرد إلا على أهل الأسرار،لا من عداهم. والسرّ ههنا هو فيض من الأنوار الإلهية يَرد على العبد قبل الفتح،إذا سَرى في ذاته وقلبه حمَل الذات على طلب الحقّ ومُتابعته،ومَنعها من الباطل ومتابعته،عملاً وحالاً.. فلا يرد على العبد ما ذُكر من الفتح والفيض الأقدس،إلا إذا ورد عليه السرّ المذكور قبله،وإن لم يكن ذا سرّ فلا مطمع له فيما ذُكر من الفتح والفيض الأقدس.
ولذا قال الناظم: “وإلا تيمّم بالصعيد وبالصخر” أشار بالصعيد والصخر إلى ظواهر الشرع التي يكون التطهير بها بتعمّل العبد وتكلّفه،على حدّ من فقَدَ الماء للوضوء صَرفه الشارع إلى التيمّم نيابة عن الماء..
فالتطهّر بماء الغيب هو التّطهير الكلّي الموفي بغاية المقصود،إذ بسبب هذا التطهير يكون العبد ملَكياً ربانياً وعبداً محضاً إلهياً.. وهذا العبد هو الذي عبّر عنه أبو القاسم الجنيد بقوله لمّا سُئل عن المُحبّ قال: [ هو عبد ذاهب عن نفسه،متّصل بذكر ربّه،قائم بأداء حقّه،ناظر إليه بقلبه. أحرقت قلبه أنوار هويته،وصفا شرابه من كأس ودّه،وتجلّى له الجبار من أستار غيبه ]..
وإن لم تكن أيها الطالب من أرباب الأسرار،فتطهّر بالصعيد وبالصخر،وهو المعبّر عنه بقوله صلى الله عليه وسلم: “تخلّقوا بأخلاق الله”،وبقوله في الحديث القدسي: “هذا دين ارتضيته لنفسي ولمن أحبّ،ولن يُصلحه إلا السخاء والتكرّم،فأصلحوه بالسخاء والتكرّم ما صَحبتموه”،وحديث: “إن الله يُحبّ معالي الأمور ويكره سفاسفها”،إلى غير ذلك من الأحاديث النبوية والآيات القرآنية. فعلى العبد ملازمتها على ما يقدر عليه منها،بدوام معانقة الذكر معها. ونعني بالذكر الذي يكون بتلقين شيخ واصل،لا الذي يأخذه العبد باختيار..
“وقَدّم إماماً كنت أنت أمامه”: الإمام الذي يلزم تقديمه ههنا يصحّ أن يُقال فيه هو الشارع،ويصحّ أن يُقال فيه هو العقل. فأما إن قُلنا هو الشارع صلى الله عليه وسلم فمعناه: حيث وصلت أيها العبد إلى التطهير بماء الغيب وحصلت على غايته،وأردت الصلاة لربّك،فقدّم الإمام الأكبر والقدوة العظمى الأشهر،واقتد به في حضرة ربّك لكونك شاهدت حقيقته صلى الله عليه وسلم وهي الواسطة بينك وبين ربك،ولم يصل إليك خير إلا منها.. ومعنى “قدّمه”: تأدّب بآدابه والتزم متابعته،واجعله قبلة وجهك وتوجهاتك ليحصُل لك بذلك الرضا من ربك. وقوله: “كنت أنت أمامه” أي: فإنك قبل هذا التطهير كنت متقدماً على الشارع ظُلماً وعدواناً،تحكُم لنفسك بهواك ولا تسعى إلا في متابعة مرادك.. والتصريح بالنهي عنه في قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تُقدّموا بين يدي الله ورسوله)،وبقوله تعالى: (فلا وربك لا يومنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً ويسلموا تسليماً).. وإن قُلنا الإمام هو العقل: فالعقل ههنا هو العقل الرباني المستنير في حضرة الغيب،الذي كان صفة للروح أولاً قبل التركيب في الجسم. فإنه كان للروح بمنزلة البصر للعين،كما أن البصر تنكشف به حقائق الأشياء الظاهرة للعين،كذلك العقل الرباني تنكشف به حقائق الأشياء الباطنة.. وهذا العقل الرباني يأخذ العلم عن الله بلا واسطة،لا يحتاج إلى تعليم معلم ولا إخبار مُخبر.. ثمّ إن مراتب العقل ثلاثة: المرتبة الأولى: هو العقل الرباني،الذي هو محض النور الرباني المتّصف في باطن حقيقة الروح. فهو الهادي والمُبلّغ إلى الغاية،ولا يصل إلى هذا العقل إلا العارف بالله الكامل.والمرتبة الثانية: هو العقل الكُلّي،الذي استتر بقشور من الظلمة الخفية فانكشفت له حقيقة الأشياء الكونية،ظاهراً وباطناً. والفرق بين العقل الكلّي وبين العقل الرباني: أن العقل الرباني تنكشف له الأشياء ظاهراً وباطناً،ويُعاين أسرار الحضرة القدسية ويجلس على كرسي السلطنة العظمى ويحكُم في جميع الأشياء بما يُريد،فتنفعل له ولا يستعصي عليه شيء. وأما العقل الكلّي فإنه احتجبت عنه الحضرة الإلهية بحُجب كثيرة ولم يُحط بشيء من أسرار الحضرة القدسية،إلا أنه انكشفت له حقائق الكون الظاهرة والباطنة،لكن بنور إلهي قذف فيه.. فتارة ينفُذ مُراده،وتارة يستعصي عليه مراده. وعرف موارد الأمور ومصادرها من مظاهر الكون،لا من باطن الحضرة القدسية.. والعقل الكلّي وإن كان قصُر به الأمر عن بلوغ رتبة العقل الرباني،فإنهيُفيده إفادة عظيمة وله علوم ومعارف جسيمة،إلا أنها في صور الأكوان فقط. وهذا العقل الكلّي يشترك فيه المؤمن والكافر،وقد يظهر الكفرة بخواصه في الدنيا،من كشف بعض الغيوب والتصرّف في بعض الخواص والأسرار ونفوذ الكلمة في كثير من الأمور،ولكنه استدراج لهم إلى ما يريد بهم من إهلاكه لهم في الآخرة،عافانا الله من ذلك بمنّه وكرمه. والمرتبة الثالثة: هو العقل المعاشي ــ وهي أحطّ المراتب وأسفلها ــ الذي يُدبّر أمر الدنيا وظواهرها،من الشهوات والعكوف عليها وحبّ الراحات،والانهماك في متابعة الهوى،والفرار من كل ما يناقض هذه الأمور. وهذا العقل يشترك فيه الآدمي والبهائم.. “وصَلّ صلاة الفجر في أول العصر”: الفجر ههنا هو فجر إيجاد الأرواح،حيث بزغت شمسها من حضرة العدم إلى حضرة الوجود.. وقوله: “في أول العصر” عُمر الأرواح من أول نشأتها،يُشير إلى حالة الروح وما كانت عليه من كمال الطهارة والصّفاء،وكمال معرفتها بالله تعالى،وكمال حُبّها ونسيانها لكل ما سوى الله تعالى،وعكوفها على خدمته والأدب بين يديه.. فهذه حالة الروح في أول نشأتها الذي هو أول عصر عُمرها،وهو انشقاق فجر إيجادها.. فمتى مَرّ بقلبك في الصلاة غير الله تعالى فما أنت بمُصلّ،ولا هي صلاة العارفين.. لأن العارف إذا قام إلى الصلاة نَبذ الوجود كُلاً من وراء ظهره،وأقبل على الحق بكليّته ظاهراً وباطناً..
وقوله: “فإن كنت منهم” أي من العارفين،”فانضح البرّ بالبحر”. البرّ هو ظواهر الشرع،من المأمورات التكليفية التي هي القيام فيها لله تعالى عبادة وعبودية وعبودة. والبحر هو بحر الحقيقة. يُشير إلى أنك لا تفعل فعلاً من المأمورات التكليفية شرعاً إلا وأنت تُشاهد الحق أمامك ومحيطاً بك وناظراً إليك،وأنك في قبضته وفي حضرته.. وهذا الشّهود ليس اعتقاداً،بل عينياً حقيقياً وإدراكاً يقينياً بثمرة صفاء الأحوال،ويُعطيه كمال التحقيق في مقامات الإنزال،ولا إدراك فيه للمقال..
_ (العبادة والعبودية والعبودة): الفرق بين العبادة والعبودية والعبودة: العبادة: هي القيام بأمر الله في مقام الإسلام،صاحبها لا حضور له مع الله إلا نزر قليل بكدّ شديد. والعبودية: هي القيام بأمر الله في مقام الإيمان،وصاحبها يكون حاضراً مع الله أولها من وراء ستار كثيف،وأخرها من وراء ستار رقيق. والعبودة: هي القيام بأمر الله في مقام الإحسان،فإن صاحبها لم يكن في عينه وجود إلا الحق تعالى،وهو يرى الحق عياناً بعين بصيرته ونور يقينه. قال ابن عطاء الله: [ شعاع البصيرة يُشهدك قُربه منك،وعين البصيرة يُشهدك فناءك لوجوده،وحقّ البصيرة يُشهدك وجوده لإفنائك ولا وجودك ]. فشعاع البصيرة هو نور العقل،وعبادة صاحبها هي المعبّر عنها بالعبادة. وعين البصيرة هو نور العلم،وعبادة صاحبها هي المعبّر عنها بالعبودية. وحقّ البصيرة هو نور الحقّ،وعبادة صاحبها هي المعبّر عنها بالعبودة.. _ (النفس والروح والقلب والسرّ): اعلم أن هذه الأسماء المتعددة إنما هي لمسمّى واحد لا تعدّد فيها،وإنما تتعدّد أسماؤها ــ أي الروح ــ لتعدّد مراتبها. وبيان ذلك:
أن الله تعالى خلق الروح الإنساني من صفاء صفوة النور الإلهي،وأنشأها من فيض العما الرباني،وأسكنها محلّ الروح. لم تزل فيه كاملة المعرفة بالله تعالى،مستقرة في محبته ووحدانيته،عارفة بأسمائه وصفاته،لا تلتفت لغيره ولا تُبالي بسواه.. ثمّ أسكنها قارورة الجسم الإنساني،واكتسب الجسم بحسب استقرارها فيه حياةً وإدراكاً.
وتكون في الجسم بحسب الروح نَفساً،وهي البخار اللطيف الحامل لقوة الحياة.. وهو منبع الأخلاق الذميمة والأوصاف الفاسدة السقيمة ما دام حُكمه مُستولياً على العبد،فالروح أسير في يده لا يسعى إلا في مرضاته،وبسبب استقراره في الجسم تلطّخ بأدرانه وأوساخه واستولى عليه حُكم النفس الخبيثة.. لأن الجسم متكوّن في محلّ الظلمة،وهو الماء والتراب،وهو في غاية الكثافة. والروح من صفاء صفة النور الإلهي،فهو أصفى الجواهر وأعلاها. واكتسب الروح الظلمة في عالَم الجسم..
فما دامت الروح مَيّالة إلى المعاصي والمخالفات ومتابعة الهوى،تُسمّى في هذا المقام النفس الأمارة بالسّوء.
فإذا طرأ عليها من الأنوار الإلهية ما يُخرجها عن بعض ما كانت متّصفة به من المعاصي والمخالفات بوجود التوبة،أخذت في توبيخ نفسها ولومها لذاتها عمّا فرّطت فيه من الحقوق الإلهية،فهي في هذا المقام تسمّى النفس اللوّامة.
ثمّ إذا طرأ عليها من الأنوار الإلهية ما يقضي بإخراجها عن كثائف المعاصي والمخالفات،المعبّر عنها بالكبائر،وبقي عليها لطائف المخالفات ودقائقها،تسمّى في هذا المقام قَلباً،لأنها شمّت رائحة الحضرة القدسية: تارة يهُزّها شَمّ تلك الروائح القدسية فتَحنّ شوقاً إلى ما كانت عليه من وجودها الأول،وتارة تغلب عليها كثافة ظلمات طبيعتها الجبليّة المكتسبة من استقرارها في الجسم فتحنّ إلى مقتضيات شهواتها ومتابعة هواها. فلتقلّبها بين هذين الأمرين سُمّيت قلباً..
ثمّ إذا فاض عليها من الأنوار الإلهية من حضرة القدس ما يقضي بكمال طهارتها من جميع المخالفات،كثيفها ولطيفها ودقيقها وجليلها،ورسخت قدَمها في العمل لطاعة الله والتوجه إليه،وسكن اضطرابها من ذلك،تُسمّى في ذلك المقام النفس المطمئنة. لكنها بَقيت عليها من الميْل لغير الله،وإن كان حلالاً،وبقي فيها الاعوجاج عن الاستقامة،وبقي فيها ضروب من التدبير والاختيار في مصالحها.
ثمّ إذا فاض عليها من الأنوار الإلهية ما يقضي بهدْم أبنيّة جميع اختياراتها ومألوفاتها بالرجوع إلى الله تعالى،عارية عن كل ما سواه،فهي في هذا المقام تسمى النفس الراضيّة. لكنها بقيت فيها آثار من الأبنية التي تهدّمت قبلها،وتلك الآثار كآثار الجروح إذا برئت،فهي بتلك النسبة فيها كزازة عن حضرة الحق.
ثمّ إذا فاض عليها من أنوار حضرة القدس ما يقضي بكمال طهارتها من آثار الأوهام وبخورات المحسوسات،وقطع ذلك عيناً وأثراً،وانمحق وجوده وانعدم شهوده. وهذا الفيض هو النور الأكبر المعبّر عنه في اصطلاح العارفين بالفتح الأعظم،فهي تسمى في هذا المقام بالنفس المرضية. إلا أنها انعدم منها الحس والإدراك،فلا علم ولا رسم ولا اسم إلا مشاهدة الحق بالحق في الحق للحق عن الحق،فهذا هو المعبّر عنه بفناء الفناء. ههنا قد كمُل رِضا خالقها عنها..
فإذا فاض عليها من أنوار حضرة القدس ما يقضي لها بتمييز المراتب وتفصيلها،ومعرفة خواصها واستحقاقها،وإحاطتها بمقتضيات المراتب ولوازمها جملة وتفصيلاً،تسمّى في هذا المقام النفس الكاملة.
ثمّ إذا فاض عليها من أنوار حضرة القدس ما يقضي بهدم بناء الإشارات ودكّ محسوسات العبارات،واتّصفت بذلك ظاهراً وباطناً..سُمّيت في هذا المقام إخفاءً،لأنها بعُدت عن إدراك العقول وأفكار الفُهوم.
ثمّ بعد هذا هي دائمة في الترقّي في المقامات بلا نهاية،دنيا وبرزخاً وآخرة. فهي في كل مقام ينكشف لها من صفات الله وأسمائه وأسراره وأنواره وفتوحاته وفيوضاته،ما يكون بالنسبة للمقام الذي ارتقت عنه كالبحر للنقطة في الاتّساع،وهكذا دائماً..
ففي المقام الذي ترتقيه فوق مقام الإخفاء تُسمّى سِرّاً،لشدّة بُعدها عن مقام الإخفاء.. وفوق هذا المقام تسمّى فيه سرّ السرّ.. وفي المقام الثالث بعدع تسمّى سرّ سرّ السرّ.. وفي المقام الرابع تسمى سرّ سرّ سرّ السرّ (أربع مرات).. وفي المقام الخامس خمس مرات.. وهكذا دائماً،كلما ارتقت مقاماً تأخذ فيه أسماء السرّ إلى عشر مراتب في السرّ،إلى مائة،إلى ألف،إلى ما لا نهاية له..
وهكذا يتبيّن لك من هذا أن هذه الأسماء المتعدّدة إنما هي لمسمّى واحد،هي الروح..
المضغة هي اللحمة الصنوبرية،والذي فيها هو القلب،والمراد بالقلب الروح في مرتبة كونها قَلباً. وفي القلب فؤاد،والفؤاد هو الروح في مرتبة كونها نفساً مطمئنة. وفي الفؤاد ضمير،والمراد بالضمير هو الروح،وهي مرتبة كونها نفساً راضية. وفي الضمير سرّ،والسرّ هي الروح،وهي مرتبة كونها نفساً مرضية،وهي التي التحقت بمرتبة فناء الفناء،وهو مقام السحق والمحق والدكّ والاستهلاك حتى لا عين ولا أثر ولا غير ولا غيرية. وفي هذه المرتبة يقول: “وفي السرّ أنا”.. والروح غير عالمة لما يؤول إليه أمرها،لأنها حين خلقها تعالى في البرزخ لا تدري لماذا خُلقت ولا ماذا يُراد بها؟ إلى أن ظهر أخذ الميثاق وحمل الأمانة،فعرفت حينئذ ماذا أراد بها تكليفاً،ولم تَدر عاقبتها من سعادة أو شقاوة..
والمخاطب،بالخطاب الإلهي التكليفي،إنما هي الروح لأنها هي القلب وهي النفس. وليس الجسد هو المُخاطَب،وإنما خُلق مَقرّاً للروح ومَطية لها تَركب عليه لتؤدّي به الحقوق التي كلّفها به خالقها. فالروح هي المكلّفة،وهي المأخوذ عليها الميثاق،وهي المُثابة والمعذّبة.. فلا ينالها عذاب ولا نعيم إلا بواسطة جسم بالاختيار الإلهي فقط،فهي مركّبة في هذا الجسم،تُعذّب بعذابه وتُنعّم بنعيمه. وبعد الموت تُركّب في البرزخ في جسد آخر تُدرك بسببه النعيم والعذاب،يشهد لذلك قوله صلى الله عليه وسلم: “أرواح الشهداء في حواصل طيور خُضر”.. _ (مُكالمة العارفين): العارفون لا يسمعون كلام الذات المقدسة الذي هو المعنى القائم بها،فإن ذلك مستحيل بصريح الآية لقوله تعالى: (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً)،ما عدا سيدنا موسى وسيدنا محمد عليها الصلاة والسلام سَمعا المعنى القائم بذات الله تعالى. وأما المكالمة المعلومة للعارفين،فإنهيخلُق فيهم كلامه في الروح إذا صارت خفاءً أو أخفى أو سرّاً أو غير ذلك من المراتب،يخلُق في ذلك المعنى كلاماً في الروح لا يشكّ أنه من الله تعالى. فنسبة ذلك الكلام إلى الله تعالى نسبة الحادث إلى المُحدِث ونسبة المخلوق إلى الخالق،لا نسبة الكلام إلى المتكلم. ويُنسب الكلام إلى الله تعالى في هذا المحلّ لكون المحلّ في ذلك الوقت لا يتطرّق إليه غلط ولا تخمين ولا فساد ولا غيره من وجود الخطأ،لأن الروح في هذا المحلّ يُسمّى البيت المحرّم لكونه حرّم على غير الحقّ دخوله. ثمّ إذ ذلك الكلام عند وروده على العبد،مُختطف عن دائرة حِسّه وشُهوده وعلمه وسمعه وبصره،فلا يعقل إلا الحقّ ولا يُحسّ إلا بوجود الحق،ممحُواً وممحوقاً عن غيره. يتجلّى له في هذا التجلّي من نور القدس والسرّ السرمدي من الكلام ما يكون واسطة بينه وبين المعنى القائم بالذات.. مثاله في الشاهد مِثال النائم: بأن يُخبر النائم بالغيوب ويوحيها إليه لا بعين التصريح،ولكن بواسطة مثال يُلقيه إليه في النوم،فيقول له المعبّر للرؤيا: إن رؤياك تدلّ على كذا وكذا من الغيب أو الخبر.. وهكذا تلك المكالمة إنما هي واسطة بين المكلّم وبين المعنى القائم بذات الله تعالى،وهذا المعبّر عنه عند العلماء بالإلهام.. فليس في طاقة البشر أن يُكلّمه الله بلا واسطة،إذلو كلّمه بغير واسطة لصار محض عدم. فجعل الحق له واسطة بينه وبين المعنى القائم بالذات العليّة يُدرك منه معاني الكلام الأزلي.. _ (سَلْب العارفين): لا أمْنَ لأحد من السّلْب،لجميع العارفين،إلا قطب الأقطاب وحده أو لمن كان عنده الاسم الأعظم فقط،أو لمن ضمنه شيخ كامل. _ (حقيقة الإنسان): حقيقة الإنسان هو مجموع الروح والجسد،لا استبداداً لحقيقة أحدهما دون الآخر. والله تعالى ما ذكر من حقيقة الإنسان إلا الجسد،مثل قوله تعالى: (ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين).. وأما روحه فقد كتم الله أمرها واستبدّ بعلمها عن خلقه،حيث قال حين وقع السؤال عنها: (قل الروح من أمر ربّي) ولم يزد في بيانها لاستبداده سبحانه بعلمها.. فهذه حقيقة الإنسان الظاهرة..
وأما حقيقته الباطنة فهي مرموزة في قوله صلى الله عليه وسلم: “إن الله خلق آدم على صورته”،وقد أشار إلى هذا بإشارة لطيفة بقوله: [ الإنسان حضرة كمال قوبِل بها حضرة الجمال،حَوت سرّ الإله بأسره ]. وقد قال الشيخ الأكبر في الفتوحات: [ ما صفة آدم؟ قال: إن شئت قُلت: صورة الحضرة الإلهية،وإن شئت قُلت: مجموع الأسماء الإلهية.. ]..
وأما السؤال عما يُراد من الإنسان؟ المراد منه مظهر صفات الحق.. وهو ما أخبر عنه بعض أهل الكشف: [ أن الله خلق الروح طوله تسعمائة سنة وثمانون ألف سنة،وعرضه كذلك. وتركه في تربيته يُلاطفه بعواطف بِرّه وامتنانه،وإظهار آثار محبّته له.. فلما ذاق ألم الفِراق واشتكى،وقال: “إلهي وسيدي ومولاي لا أطيق هذا الفراق”،فقال له ربّه تعالى: “ما خلقناك لتكون مُريداً لنفسك،وإنما خلقناك لنُظهر فيك سرّ وحدانيتنا”.. ].. والذي خُلق له ظاهراً قوله تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدوني) فهذا خطاب في عالم الحكمة،وأما في عالم المشيئة باطناً هو ما سبق في العبارة..
والمُراد من الإنسان في كل وقت: هو ما أجاب به الجنيد حين سُئل: ما مُراد الله من العالَم؟ قال: “ما هم فيه”. أراد أنه لذلك خلقهم،وليس المراد بالجواب أنه ليس إلا صورة التقلبات والحركات،بل المراد من كلام الجنيد أن جميع تحرّكات العالَم وتقلباته وقُصوده وخواطره كلها مَظاهر الألوهية لأنها آثار الأسماء والصفات..
_ (مقولة أبو العباس المرسي): يقول أبو العباس المرسي: [ لو حُجب عنّي رسول الله طرفة عين ما عددت نفسي من المسلمين]. هذه الخصوصية ليست للمرسي وحده،وإنماهي لقطب الأقطاب في كل وقت منذ جلوسه على كرسي القطبانية،لا تقع بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم حِجابيّة أصلاً. وحيثما جالَ رسول الله،من حضرة الغيب ومن حضرة الشهادة،إلا وعين قطب الأقطاب متمكّنة من النظر إليه،لا يحتجب عنه في كل لحظة من اللحظات.. _ (مقولة البسطامي / شطحات العارفين): يقول أبو يزيد البسطامي: [ خُضنا بحراً وَقفت الأنبياء بساحله ].
اعلم أن الأصل الأصيل الذي لا محيد عنه ولا بدّ لكل مؤمن من اعتقاده،ومن خرج عنه خرج عن قاعدة الإيمان،هو: أن الحق تعالى تجلّى بعلوّ كبريائه وعظمته وجلاله،وعموم صفاته العَليّة وأسمائه وخصوصها. وذلك التجلّي ليس هو في كل شخص كما عند الآخر،ولا على قانون واحد أو كيفية مضطردة،بل البصائر فيه متفاوتة وأسرار الخلق في ذلك متباينة.. فهو تعالى يتجلّى لكل شخص على قدر طاقته وعلى قدر ما تسعه حُويصلته من تجلّي الجمال القدسي الذي لا تُدرك له غاية ولا يوقَف له على حدّ ولا نهاية.
وإذا عرفت هذا،فاعلم أن الذي في مرتبته صلى الله عليه وسلم من تجليات الصفات والأسماء والحقائق،لا مطمع في دركه لأحد من أكابر أولي العزم من الرسل،فضلاً عمّن دونهم من النبيين والمرسلين. وأن الذي في مرتبة أولي العزم من الرسل لا مطمع لأحد في دركه من عموم المرسلين،وأن الذي في مرتبة الرسالة لا مطمع في دركه لأحد من عموم النبيين،والذي في مرتبة النبوة لا مطمع في دركه من عموم الأقطاب،وإن الذي في مرتبة القطبانية لا مطمع لأحد في دركه من عموم الصديقين.
وإذا كان الأمر كذلك،فاعلم أن في الشطحات التي صدرت من أكابر العارفين ما يوهِم أو يقتضي أن لهم شُفوفاً وعلواً على مراتب النبيين والمرسلين،مثل قول أبي يزيد البسطامي المذكور،ومثل قول الشيخ عبد القادر الجيلي: [ معاشر الأنبياء أوتيتُم اللقب وأوتينا ما لم تؤتوه ]،وكقول بعض العارفين: [ نهاية أقدام النبيين بداية أقدام الأولياء ]..
والجواب عن هذه الشطحات: أن للعارف وقتاً يطرأ عليه الفناء والاستغراق حتى يخرُج بذلك عن دائرة حسّه وشُهوده،ويخرج عن جميع مداركه ووجوده. لكن تارة يكون ذلك في ذات الحقسبحانه،فيتدلّى له من قُدس اللاّهوت من بعض أسراره فيض يقتضي منه أن يشهد ذاته عين ذات الحق لمَحقه فيها واستهلاكه فيها،ويُصرّح في هذا الميدان بقوله: “سبحاني”.. وهو في ذلك معذور لأن العقل الذي يميّز به الشواهد والعوائد،ويُعطيه تفصيل المراتب بمعرفة كل بما يستحقّه من الصفات،غابَ عنه وانمحق وتلاشى واضمحل.. فالكلام الذي وقع فيه خَلقه الحق فيه نيابة عنه،فهويتكلّم بلسان الحق لا بلسانه،ومُعرباً عن ذات الحق لا عن ذاته. ومن هذا الميدان قول أبي يزيد: “سبحاني ما أعظم شأني”،وقول الحلاج: “أنا الحق،وما في الجبّة إلا الله”،وكقول بعضهم: “فالأرض أرضي والسماء سمائي”.. وهذا ممّا يعطيه الفناء والاستغراق في ذات الحقّ،وهذا أمر خارج عن المقال يُدرك بالذوق وصفاء الأحوال،فلا يعلم حقيقته إلا من ذاقه.
وتارة يكون الاستغراق والفناء،للعارف،في ذات النبي صلى الله عليه وسلم لغيبته عن ذاته في ذات النبي. فيتدلّى له صلى الله عليه وسلم ببعض أسراره،فإذا كُسيت ذاته ذلك السرّ فلا يشهد ذاته إلا ذات النبي،ويُعلمه ببعض ما اختصّ به نبيه من الخصوصيات التي لا مطمع فيها لغيره. فيتكلّم بلسان النبي نيابة عنه ببعض ما اختص الله به نبيه من الخصوصيات العظام،ما له به علو وشرف وشفوف على مراتب جميع النبيين والمرسلين.. فمن يسمعه يظنّ أنه ينسبه لنفسه،وإنما نسبه للنبي لغيبته في ذاته. فإذا انفصل عن هذا الفناء والاستغراق،ورجع لحسّه وشاهده،تبرّأ من ذلك لعلمه بمرتبته..
وهذا الذي ذكرناه من فناء العارف في ذات الله وفي ذات النبي،ليس هو لكل العارفين،ولا في كل وقت من أوقات من يقع له..
_ البحر الذي خاضه رسول الله صلى الله عليه وسلم ،ووقفت الأنبياء بساحله،بحار الحقائق التي تجلّى الله بها عليه دون غيره من أكابر النبيين والمرسلين،فمن دونهم إلى هلم جراً.. وأما ما وراء هذا من العبارة على حقيقة البحر فلا يحلّ ذكره،فضلاً عن كتبه في الأوراق..
_ (ليس في الإمكان أبدع ممّا كان / الحقيقة المحمدية): يقول الإمام الغزالي: [ ليس في الإمكان أبدع ممّا كان ]. اعلم أنه ليس في الإمكان أشرف وأعلى وأجمل وأكمل من صورة الكون كلّه،ولا صورة الكون كلّه،إلا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. وكل من تراه في الكون،ما ثَمّ إلا هو صلى الله عليه وسلم،لأنه خُلق من السرّ المكتوم.. ففي بساط الحقيقة أنه لمّا تعلّقت مشيئة الحق بإيجاد خَلقه،وكان ذلك من ثوران المَيْل الحُبّي حيث يقول: “كنت كنزاً لم أعرف،فأحببت أن أعرف،فخلقت خلقاً فتعرّفت إليهم،فبي عرفوني”. وكان أول موجود عن هذه المحبّة روح سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم،إذ هو الذي وقعت فيه المحبّة الكليّة من الحق،وعنه وعن تلك المحبة تفرّع وجود الكون.. فجمع سبحانه وتعالى في تلك الحقيقة المحمدية جميع ما ذكره إجمالاً وتفصيلاً،ثمّ جعله منبعاً وعنصراً من جميع ما يصل إلى الأكوان.. ومُحال بحُكم المشيئة الإلهية أن يُبرز شيئاً في الوجود،جوهراً أو عرضاً ممّا دقّ أو جلّ،خارجاً عن الحقيقة المحمدية. وإذا عرفت هذا اتّضح لك شرف هذه المرتبة،مع ما فيها من تجلّي السرّ المكتوم،وما اختصّت به من المنح والمواهب والعطايا والتّحف الظاهرة والباطنة.. وعرفت أنه ليس في الإمكان أشرف وأكمل وأعلى وأجمل من هذه الصورة المعلومة الكونية،وهيالحقيقة المحمدية.. _ (كلمة التكوين والخلافة العظمى): يقول الشيخ عبد القادر الجيلاني: [ وأمري بأمر الله إن قُلت: كن يكُن ]،ويقول الشيخ زروق: [ في طيّ قبضتي ]،ويقول بعضهم: [ يا ريح اسكُني عليهم بإذني ]،إلى غير ذلك من أقاويل السادات..
معنى ذلك: إن الله مَلّكهم الخلافة العظمى واستخلفهم على مملكته،تفويضاً عاماً،أن يفعلوا في الممكلة كل ما يريدون. ويُملّكهم الله تعالى كلمة التكوين،متى قالوا للشيء كُن كان من حينه. وهذا من حيث بروزه بالصورة الإلهية المعبّر عنها بالخلافة العظمى،فلا يستعصي عليهم شيء عن الوجود. قال الإمام عليّ: [ أنا مُبرق البروق،ومُرعد الرّعود،ومُحرّك الأفلاك ومُديرها ] يُريد بذلك أنه خليفة الله في أرضه في جميع مملكته..
_ (أنوار أهل البدايات): الأنوار المُشرقة على أهل البدايات في الطريق ليست أزلية،بل هي مخلوقة تأنيساً من الله لأهل الطريق. وليست لازمة لكل سالك،ولا في كل مقام ولا في كل حال ولا في كل توجّه،فقد تقع وقد لا تقع.. _ (نور البصيرة وشهود المنّة): وسؤال: ما يُعَطّل نور البصيرة عن شهود المنّة؟ فالجواب: أن منّة الحق،وهو نور العطاء،البارز من حضرة المُثير للمنَح الواردة من خزائن الأسماء والصفات،ما برز عنه من المنح فقط. وأما ذلك النور الوارد من الحضرة المُثيرة للمنح،فإنما ذلك من مادة المشيئة الإلهية،وهو من الكنوز التي استبدّ الحق بعلمها،فلا يطّلع عليها أحد،وقد يكشفه الله تعالى لبعض الخاصة الكبار حتى يروها عياناً..
_ (جولان المريد في الحضرات): وجولان المُريد في المُلك والملكوت: إما بالخيال أو بالأرواح،وكل ذلك لا يكون بالعلوم ولا بالفهوم،بل بأنوار قدسية مقذوفة من حضرة الحق تَرد على من وردت عليه فيُكسبه ذلك صفاءً وتمكيناً وقُرباً من الحضرة الإلهية يقدر بسببها على الجولان في المُلك والملكوت والجبروت وحيث أراد الله به. _ (قمر التوحيد): هو شهود الوحدانية لله تعالى،شهوداً ذوقياً وكشفاً عينياً يقينياً في جميع مفترقات الوجود،حتى يرى جميع مفترقاتها في اتحادها كالجوهر الفرد الذي لا يقبل القسمة. وهذا الشهود لو رام غيره لم يقدر من مطالعة الكثرة وغيرها،ويعبّر عنه عند العارفين بالتقرير المطلق،ولا يُنال إلا بعد صفاء المعرفة وكمالها.
_ (رياح الصَبا): هي أنوار المنَن الواردة في حضرة الحق،المشتملة على الأنوال القدسية والأحوال العلية والأخلاق الزكية والطهارة والصفا والغرق في بحر اليقين. ويعبّر عنها عند العارفين بالجذب،تأتي بيد الألطاف الإلهية لمن أحبّه الله واصطفاه وأهّله لمطالعة حضرته وارتضاه.. وتَرد هذه الأنوار في الحقيقة المحمدية،ثمّتنبُع منها. وقد يكون الشيخ حاضراً معها وقد لا يكون حاضراً،وقد تأتي بتوجّه همّة الشيخ إذا أرادها من الله لبعض تلامذته،وقد تمتنع ولا تؤثّر فيها همّته.. _ (وظيفة الشيخ المربّي): ودلالة الشيخ على الله بكليّته،ظاهراً وباطناً،بأقواله وأفعاله وأحواله وحركاته وسكناته.. والشيخ في الطريق بمنزلة الدليل،يعرف الطريق ويُعدّ لكل محلّ ما يستحقّ من الراحلة والزّاد. وهو للأرواح والقلوب بمنزلة الطبيب الماهر في معرفة الأمراض العارضة،ومن أين مادّتها،وكيفية معالجتها كماً وكيفاً،ومعرفة الأدوية التي يُلقيها على تلك الأمراض حتى تعود القلوب والأرواح إلى كمال صحّتها،فهذا غاية ما عند الشيخ. وأما ما وراء ذلك من الفيوض والتجليات والأنوار والأسرار والأحوال والعلوم والمعارف والتوحيد والتفريد والترقّي في المنازل والمقامات،فإنما هو بيد الخلاّق الواحد سبحانه وتعالى،يُعطي ما يشاء،والشيخ سبب في ذلك على القانون المذكور أولاً.
والشيخ ينفصل عن المريد عند وصوله إلى مطالعة الحضرة الإلهية،ولا يبقى عليه من ملاحظة الشيخ إلا تعظيمه واحترامه وإجلاله ومعرفة شفوف رُتبته عليه. فإنه إن قطع التلميذ نظره عن هذا في حقّ شيخه سُلب وطُرد..
_ (روح الروح): هو حضرة القدس الذي يأتي بالفيض الأقدس مشحوناً بالمعارف والعلوم والأسرار والأنوار والحكم والرقائق والتّحف والمواهب التي لا تُدرك ولا تُعقل،والأخلاق والأحوال واليقين والتوحيد والكشف التام والشّهود الأكبر والمعرفة البالغة الغاية في جميع المراتب،معرفة ذوقية عينية لا اعتقادية. هذا هو الروح المعبّر عنه بروح الروح،والأرواح له كالأجساد الكثيفة للأرواح الحيوانية.. _ (حقيقة التصوف): التصوف هو امتثال الأمر واجتناب النهي،في الظاهر والباطن،من حيث يرضى لا من حيث ترضى.
_ (حقيقة الولايةوالوليّ): الولاية عامة وخاصة. فالعامة: هي من آدم إلى عيسى. والخاصة: هي من سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم إلى الختم. والمراد بالخاصة هو من اتّصف صاحبها بأخلاق الحقّ الثلاثمائة على الكمال،وهذا خاص بسيد الوجود ومن ورثه من أقطاب هذه الأمّة الشريفة إلى الختم (ونسبه للحاتمي).. ولا يلزم من هذه الخصوصية،التي هي الاتّصاف بالأخلاق على الكمال،أن يكونوا كلهم أعلى من غيرهم في كل وجه،بل قد يكون من لم يتّصف بها أعلى من غيره في المقام (أطنّه يُشير إلى نفسه وبعض الأكابر،لأنه أخبره سيد الوجود بأن مقامه أعلى من جميع المقامات..).. والولاية محض منّة تقدّمَها محض خدمة.. وحقيقة الوليّ: هو من تولّى الله أمره بالخصوصية،معمشاهدة أفعال الحق سبحانه وصفاته. قُلنا له: أيجهل الوليّ أو العارف شيئاً من أحكام الشريعة المطلوبة في حقّه؟ قال: نعم،إلا بالتّعليم والسؤال،ولا تُفاض من غير تعلّم إلا على الناذر من العارفين. ولايُحيط بمعرفة أحكام الشريعة وجميع العلوم التي يحتاج إليها الناس إلا الفرد الجامع،لأنه هو الحامل للشريعة في كل عصر،ولو كان أميّاً لم تَسبق له قراءة..
والمراد بالوليّ: أولياء هذه الأمّة فقط،والمراد منه: مَن أمر بالدعوة إلى الله تعالى من رجالهم،فهم الذين دوائرهم أوسع من دوائر الأنبياء. واتّساع الدوائر وضيقها باعتبار الطوائف الذين يدعونهم إلى الله تعالى. فكل رسول من الرسل،غير نبينا صلى الله عليه وسلم،رسالته خاصة بموطن أو جنس أو بلد،لا يتعدّى إلى غيره.. فالأولياء الدّاعون إلى الله من أمّة سيد الوجود تعُمّ كعموم رسالة نبيهم صلى الله عليه وسلم،فهذااتّساع دائرة الوليّ على دائرة النبي.
ثمّ هذه الدعوة إلى الله في حقّ الأولياء هي ملزومة لهم بطريق الشرع الظاهر،لكن هذه الدعوة المذكورة هنا إنما بالإذن الخاص كإذن الرسالة. فمن نهض إلى الخلق بدعوهم إلى الله تعالى بالإذن الخاص له من الله سَرت كلمته في جميع القلوب،ووقَع الإقبال من الخلق عليه والاستجابة له.. ومن نهض إلى دعوة الخلق إلى الله بالإذن العام،ليس له شيء من الإذن الخاص،لم يُنتفع بكلامه ولم يقع عليه الإقبال،فإن لسان الحق يقول له بلسان الحال في بساط الحقائق: ما أمرناك بهذا ولا انت له بأهل،إنما أنت فضوليّ. فمن وقف هذا الموقف ابتُلي بحظوظ نفسه،من الرياسة والرياء والتصنّع،وليس من الله في شيء.. ومن ادّعى الإذن الخاص من الله،وهو كاذب فيه،فإنه يموت كافراً،إلا أن يتوب..
والخليفة: له التصرّف العام والحكم الشامل التامّ في جميع المملكة الإلهية،وله بحسب ذلك الأمر والنهي والتقرير والتوبيخ والحمد والذمّ على حسب ما يقتضيه مراد الخليفة،سواء كان نبياً أو ولياً،مُستوون في هذه المرتبة. والرسول ليس له عموم الأمر والنهي،إلا ما سمعه من مُرسله تعالى لا يزيد وراء ذلك شيئاً،وإنما هو في ذلك مبلّغ فقط،ليس بآمرٍ ولا ناهٍ إلا أن يكون الرسول خليفة فله المرتبة الأولى. فالخليفة أوسع دائرة في الأمر والنهي والحُكم من الرسول الذي ليس بخليفة..
أولياء الجنّ: دَورانهم حول الفعل وسرّ الفعل ونور الفعل. والروحانيون: دورانهم حول الاسم وسرّ الاسم ونور الاسم. والملائكة: دورانهم حول الصفات وسرّ الصفات ونور الصفات. وأولياء الآدميين: دورانهم حول الذات وسرّ الذات ونور الذات. وقد علم كل أناسٍ مَشربهم: الآدمي أول المرتبة،يليها في الكشف مرتبة الجنّ،ثمّ يرقى إلى الرابعة.. وجولان أرواح الرجال ومُشاهدتهم متفاوتة: فمنهم من حدّه عالم المُلك،وهو من السماء الدنيا إلى الأرض،فهذا أصغرهم. ومنهم من يصل إلى عالم الملكوت،وهو من السماء السابعة إلى هنا. ومنهم من انتهت علومه إلى عالم الجبروت،وهو من العرش إلى هنا. ومنهم من تخرق روحه الطوق الأخضر وتخرُج عن كور العالَم،وهم الأكابر.. ومراتب الرجال ثلاثة: الأولى: مرتبة العارفين،وهي شهود الحق في المراتب.. والثانية: مرتبة الأفراد،وهي شهود الحق لا في المراتب.. والثالثة: مرتبة القطب،وهي في غيب الغيب مكتومة لا تُذكر ولا يعرفها إلا صاحبها،وهو القطب الجامع،لأن له المرتبتين السابقتين: وهو شهوده للحقّ في المراتب للتصرّف في الكون،ويُشاهده في غير المراتب. وله هذه المرتبة المكتوبة،لا يُشاركه فيها غيره.. _ (حقيقة العارف): العارف يكون كامل اليقظة والرضا لأمرين لا بد منهما:
الأمر الأول: ما يُفاتح به في مقامه من الفتوحات والفيوض والتجليات،وعجائب الحقائق والأسرار التي لا يُطيق العقل إحاطة الإدراك لها،فضلاً عن التلفّظ بها. فيعرف ما يلزمه في كل فعل وفي كل أمر من ذلك على حدته،من الوظائف والآداب والمقابلات التي هي مقتضيات العبودية.
والأمر الثاني: تيقّظه ورصده لِما يتقلّب فيه الوجود من الأطوار،من خير أو شرّ او غير ذلك،فيعلَم في كل فصل من ذلك وفي كل أمر أيّ تجلّي للحق هو البارز فيه،ومن أيّ حضرة كان ذلك الطور،ولماذا وُجد؟ وماذا يريد منه؟..
وهذا الأمر هو المُعبّر عنه بالمراقبة في مقام العارفين،وهيمشروطة بتقديم المشاهدة وكمال المعرفة،فلا تقع ما لم تقع المعرفة والمشاهدة. فإن الروح عند مُطالعة الجمال القدسي مُقتضاها الذّهول عن الأكوان،لِما في الجمال القدسيّ من الشغل عنها. وهذه المراقبة لأكابر الكُمّل من العارفين،وهيبساط الخلافة الكبرى،فصاحبها هو الذي يتأتّى له أن يكون خليفة لله على خلقه لاستكماله مرتبة العبودية. فإن دامت هذه للعارف يتأتّى له التحقيق بالله في كل مرتبة،وهو المعبّر عنه بالقطب،وقد لا يكون قطباً..
والمتحقّق بالحَقّ: مَن يراه في كل مُتعيّن بلا تعيّن،والمتحقّق بالحق والخلق: يرى أن كل ذرّة في الوجود لها وجه إلى الإطلاق ووجه إلى التقييد..
_ (حقيقة القطبانية): حقيقة القطبانية هي الخلافة العظمى عن الحقّ مطلقاً في جميع الوجود،جملة وتفصيلاً. حيثما كان الربّ إلهاً كان هو خليفة في تصريف الحُكم وتنفيده في كل من عليه ألوهية الله تعالى. ثمّ قيامه بالبرزخية العظمى بين الحق والخلق،فلا يصل إلى الخلق شيء إلا بحكم القطب. وتولّيه ونيّابته عن الحق في ذلك وتوصيله كل قسمة إلى محلّها،ثمّ قيامه في الوجود بروحانيته في كل ذرّة من ذرّات الوجود جملة وتفصيلاً. فترى الكون كلّه أشباحاً لا حركة لها،وإنما هو الروح القائم فيها.. ثمّ تصرّفه في مراتب الأولياء،فيذوق مختلفات أذواقهم،فلا تكون مرتبة في الوجود للعارفين والأولياء خارجة عن ذوقه.. ومعنى البرزخية العظمى: قِيامه بين الحق والخلق بالنيابة عن الحقيقة المحمدية،واختصاصه أيضاً بالتحقّق بأمر الله في كل مرتبة من مراتب الوجود،وإعطائه لكل مرتبة من المراتب ــ حَقيّة أو خلقية ــ حقّها بما تستحقّه من الآداب. وليس هذا لغيره من العارفين ولا لمفاتيح الكنوز،فهو في جميع هذه الأمور خليفة النبي صلى الله عليه وسلم.. _ (مراتب قوّة الأولياء): الأولياء الصادقين،كل واحد منهم في قوّته مائة رجل. والعارفون بالله،أهلعالم المُلك (من السماء إلى الأرض،وهو عالم الناسوت)،كل واحد منهم في قوته قوة ثلثمائة رجل. وأهل عالم الملكوت (من السماء الأولى إلى السماء السابعة،وهو عالم الأنوار)،لكل واحد منهم قوة خمسامئة رجل. وأهل الجبروت (من السماء السابعة إلى الكرسي،وهو عالم الأسرار،وهو التجلّي بصور الأجسام القدسية من الكروبيين ومن ضاهاهم)،لكل واحد منهم قوة سبعمائة رجل. وأهل عالم الأمر (من الكرسي إلى العرش إلى ما ورائه،وهو التجلّي بصور الروحانية القُدسية المنزّهة عن المادة والطبيعة)،لكل واحد منهم قوة ألف رجل. وقوة قطب الأقطاب ألف وخمسمائة رجل. وقوة الأفراد الأربعة سبعمائة رجل. وقوة مفاتيح الكنوز قوة كل واحد منهم قوة ألفي رجل..
_ (حقيقة نقطة دائرة الفطرة القدسية): معنى دائرة الفطرة القدسية هي دائرة الأرواح،حيث خلقت أولاً. ونقطتها هي الحقيقةالمحمدية،والفطرة هي نشأة الأشياء بعد أن لم تكُن. والفطرة القدسية هي كونها وُجدت على نسبة حضرة القدس،في غاية الصفاء والشّرف،فلا تعرف إلا الله ولا تُحبّ إلا الله ولا تُبالي بغيره ولا تُعظّم إلا الله تعالى،فهذا هو القدس الذي نُسبت إليه. وفي هذا الميدان،إن كانت لا تعرف ماذا يُراد بها حتى أخذ عليها العهد والميثاق،فحينئذ عرفت ماذا يُراد بها من العبودية لله تعالى وحَمْل التكاليف،وما يتبع ذلك من اللوازم والمقتضيات والأحكام إلى غير ذلك.. _ (حقيقة النبوة): حقيقة النبوة مشتملة على ثلاثة أمور،هي شروط فيها،إن نقص واحد منها فليست بنبوة:
الأول: كمال المعرفة بالله الباطنة والعيانية،والإحاطة بجميع صفات الله وأسمائه تحقّقاً بما ثبتت الإحاطة به للنبوة والصديقية،لا ما وراء ذلك. والثاني: إيحاء الله إليهبأمر،إن شاء يتعبّده به في خاصة نفسه إن كان نبياً،أو بالتبليغ لغيره إن كان رسولاً. والثالث: يقول الله له أنت نبيّ،إما منه إليه أو بواسطة الملَك.
_ (حقيقة الربّ والألوهية):حقيقة الربّ هو العليّ عن كل ما سواه،ومنه سُميّت الربوة ربوة لعُلوّها. ومعناه أنه: المالِك والمُتصرّف والخالق والقاهر،والنافذ حُكمه ومشيئته،وكلمته في كل ما سواه. وحضرة الألوهية هي الشاملة لجميع الأسماء والصفات والحضرات الإلهية. وحقيقة الألوهية: هو توجّه الموجودات إليه بالعبادة والخضوع والتذلّل والفقر والتعظيم والإجلال والمحبّة.. _ (طريق الفتح): من لم يطلب الفتح من أبوابه طُرد ولم ينتفع بأسبابه.. والفتح والوصول إلى الله في حضرة المعارف،لا يبعثه الله تعالى إلا على يد أصحاب الإذن الخاص كإذن الرسالة. ومتىفقدَ الإذن الخاص لم يوجد من الله له فتح ولا وصول،وليس لصاحبه إلا التّعب. ومن تعلّق بمطالعة كتب التصوف،وسارَ إلى الله بالنّقل منها والأخذ عنها والرجوع إليها والتعويل عليها،ليس له من سَيْره إلا التّعب،ولا يحصُل له الوصول إلى حضرة المعارف الاختصاصية،وأما الثواب فيحصُل له بقدر إخلاصه..
_ (الفقير ابن وقته): معناه هو: ما يراه واجباً عليه في وقته ينتهجه ويترك ما وراءه ممّا لا حاجة له به. فالمريد ينظُر ما كان مصلحة له في وقته،وإن فارقَه تضرّر،فينتهجُه ويترك ما عداه،هذا هو المريد الصادق. والعارف بالله هو في كل وقت بحُكم تجلّيه،يُعطي لكل ذي حقّ حقّه. والعالون من العارفين هم مُرتقبون ما يبرُز من الحضرة الإلهية،فيُقابلونه بالعبودية والأدب التي تختصّ به. وبعبارة أخرى: الفقير ابن وقته هي لأصحاب المراقبة الكبرى،هو في كل وقت بحسب ما يُصادمه من التجلّي،يتلوّن بتلوّن تجلياته في مقابلتها بالعبودية والأدب.. _ (التفضيل بين: الفقير الصابر والغني الشاكر): الخلاف بين تفضيل أحدهما على الآخر معروف بين العلماء.. ومحلّ الخلاف إنما هو في أهل الحجاب،دون المتمكّنين من الوقوف في بساط الحقائق. وأما أهل الوقوف في بساط الحقائق،فكل من الغنيّ والفقير له شُكر وصبر. وبيان ذلك: أن النفس ولوعة بهواها،ومُمازجة لجبلّتها وبشريتها. ففي الفقر بنفورها عنه واشتغالها بما يقتضيه الربّ من الفقر،طلباً للذّاتها وشهواتها،وهروباً من عذاب الفقر ونكاله. وفي هذا الأمر للنفس شُغل لها عن قيامها بالحقوق الإلهية،وبُعد لها عن الاتّصال بالحضرة القدسية. كما أنها في الغنى تُريد الخروج إلى الراحة والأمن والتمتّع بلذّاتها وشهواتها،إخلاداً إلى أرض الطبيعة والجبلّة،وكان في ذلك أيضاً شُغل لها عن القيام بالحقوق الإلهية وبُعد لها عن الاتصال بالحضرة القدسية. وهاتان هما الفتنتان في البلاءين اللذين ذكرهما الله تعالى في قوله: (ونبلوكم بالشرّ والخير فتنة وإلينا ترجعون).. فالغنيّ كامل الشكر بتكميل الحقوق الإلهية،ثابت الصبر بزَمّ النفس عن الإخلاد إلى أرض طبيعتها وجبلّتها،مع شدّة ميلها لذلك.. وأما الفقير فإنه إذا اتّصفت نفسه بالاتّصال بالحضرة الإلهية،وطالع عين الجمال القدسي،فهو في فقره صابر شاكر أيضاً. وشكره تكميله للقيام بحقوق التجليات الإلهية جملة وتفصيلاً.. فظهر لك استواءهما في هذا الميدان،إلا أنه ربما يكون هناك بعض هنّاة للغنيّ بمُلامحة التلذّذ بالراحة من الألم الذي يجده الفقير في نفقة الأهل والأولاد والأصحاب وغيرهم،إلا أن هذا لازم للبشرية دون الروح. وهناك أيضاً هنّاة للفقير بوجود الألم والتنغيص والضّيق والحرج في مقام بشريته فقط،لمطالبته بما لا قدرة له عليه.. وبحسب هذه الهناة يكون صبرهما وشكرهما،ويدخلهما الخلاف في التفضيل إذا انتقل الفقير إلى مقام التلذّذ بالفقر،وابتهاجه بنعيمه،فلا صبر له حينئذ إنما هو شاكر في كل حال،فهو بمنزلة الغني الشاكر،وهذا يُنال بمحض الموهبة ليس للكسب إليه سبيل.. _ (الجهل بالله تعالى: بين الكفر والإيمان): الجهل بالله عين الكفر المُجمع على خلود صاحبه في النار أبداً،والجهل بالله تعالى هو عين المعرفة بالله تعالى وصريح الإيمان المُجمع على خلود صاحبه في الجنة أبداً. فأما الجهل الذي هو عين الكفر،فهوالجهل بمرتبة ألوهيته بما يستحقه من الكمالات واللوازم والمقتضيات،وما تتنزّه عنه من وجوه المستحيلات،فهذا هو عين الكفر بالله. وأما الجهل الثاني فهو الجهل بالحقيقة الذي هو كُنْه الذات،من حيث ما هي هي،فإن هذا الجهل هو صريح الإيمان وكمال المعرفة بالله،إذ حقيقة العجز عن درك المعرفة بالكُنه هو حقيقة الإيمان بالله،ومن ادّعى معرفة الكنه فقد كفر.. _ (وحدة الوجود): إيضاح وحدة الوجود وبيانها من ثلاثة وجوه: الوجه الأول: أن العالَم الكبير كذات الإنسان في التمثيل،فإن نظرت إليها وجدتها متّحدة مع اختلاف ما تركّبت منه في الصورة والخاصية،من شعر وجلد ولحم وعظم وعصب ومخ،وكذلك اختلاف جوارحه وطبائعه التي ركبت فيه وبها قيام بُنيانه. فإذا فهمت هذا ظهر بُطلان ما ألزموه من نفي الوحدة،لاستلزام تساوي الشريف والوضيع،واجتماع المتنافيين والضدّين إلى آخر ما قالوه.. الوجه الثاني: اتّحاد ذات العالم في كونه مخلوقاً كلّه للخالق الواحد سبحانه،وأثراً لأسمائه. فلا يخرج فرد من أفراد العالم عن هذا الحُكم وإن اختلفت أنواعه،فالأصل الذي برز منه واحد. فبهذا النظر هو مُتساوٍ،فيلزم اتحاده وإن اختلفت أجزاؤه،وإنما تختلف نِسَبه بحسب ما فصّلته مشيئة الحق فيه من بين شريف ووضيع وعالٍ وسافل وذليل وعزيز إلى آخر النّسب فيه،ولم تُخرجه تَفرقة النّسب عن وحدة ذاتية.. الوجه الثالث: اتّحاد وجوده من حيث فيضان الوجود عليه من حضرة الحق،فيضاً متّحداً،ثمّ تختلف خواصه وأجزاؤه بحسب ما تفصّل ذلك الوجود. فإنه يتّحد في عين الجملة،ويفترق في حال التفصيل. مثاله في الشاهد: مثال المِداد،فإن الحروف المتفرقة في المداد والكلمات المتنوعة والمعاني المختلفة،التي دلّت عليه صورة المداد،لم تُخرجه عن وحدة مِداديّته،فالمداد تجلّى في أشكالها بما هو عين المداد. فتتّحد بالمدادية،وتختلف بالصور والأشكال والكلمات والمعاني.. _ (الخضر من الأفراد وليس نبياً): الدليل على أن سيدنا الخضر من الأفراد وليس نبياً على القطع،ما حكاه الله في القرآن في قصته مع سيدنا موسى في قوله تعالى: (لقد جئت شيئاً نكراً)،(لقد جئت شيئاً إمراً). لو كان نبياً ما أنكر عليه سيدنا موسى فِعله،لأن سيدنا موسى يعلم عصمة النبوة وأن صاحبها لا يتقدّم إلى فعل شيء إلا بأمر إلهي.. وحيث أنكر عليه دلّ أنه ليس بنبيّ،لأن الإنكار على صاحب النبوة تضليل له،والمُضلّل للنبي كافر.. فاتّضح لك الأمر.. _ (الصحبة للشيخ الحيّ): اعلم أن الله تعالى جعل في سابق علمه ونفوذ مشيئته،أنالمدد الواصل إلى خلقه من فيض رحمته هو في كل عصر يجري مع الخاصة العليا من خلقه،من النبيين والصديقين. فمن فزع إلى أهل عصره الأحياء،من ذوي الخاصة العليا،وصَحبهم واقتدى بهم واستمدّ منهم،فاز بنيل المدد الفائض من الله. ومن أعرض عن أهل عصره،مُستغنياً بكلام من تقدّمه من الأولياءالأموات،طبع عليه بطابع الحرمان،وكان مثله كمن أعرض عن نبي زمانه وتشريعه مُستغيثاً بشرائع النبيين الذين خُلقوا قبله.. والدليل على أن الصحبة لا تكون إلا للحيّ قوله صلى الله عليه وسلم لأبي جحيفة: “سَلْ العلماء،وخالط الحكماء،واصحب الكبراء”. فالعالِم دَلالته على الأمر العام،أمراً ونهياً،بما يوجب المدح عند الله وسقوط اللاّئمة على العبد،ونهايته الجنة. والحكيم دلالته على التقرّب إلى الله تعالى بالطهارة من أهوية النفوس ومتابعة الهوى،ونهايته منازل القُربة. والكبير دلالته على الله من حيث محو النفس والبراءة من التدبير لها،بكل ما يجلب المصلحة لها وبكل ما يدفع المضرّة عنها،دنيا وأخرى،ونهايته الله. ويؤخذ من هذا أن الصحبة لا تكون إلا للحيّ،إذالميت لا يُصحب ولا يُكلّم ولا يُخالَط.. _ (جواهر القلب): جواهر القلب سبعة،والقلب فيه سبعة خزائن،كل خزانة محلّ جوهرة من الجواهر السبعة: الأولى الذكر،والثانيةالشوق،والثالثة المحبّة لله والعشق،والرابعة السرّ وهو غيب من غيوب الله تعالى لا تُدرك ماهيته ولا تُعرف،والخامسة الروح،والسادسة المعرفة،والسابعة الفقر. جوهرة الذكر: إذا انفتحت في قلب العبد يكون أبداً منفرداً عن وجوده،غائباً عن شهوده. ويسمّى عند السالكينذُهولاً عن الأكوان،وطمأنينة القلب بذكر الله. وجوهرة الشوق إلى الله: هو أن يكون العبد أبداً في الشوق أو الاشتياق إلى الله،يطلُب الموت في كل نفَس لأن حرارة الاشتياق مُشتعلة فيه. وجوهرة المحبّة: إذا انفتحت في القلب يكون العبد أبداً راضياً عن الله وراضياً بحُكمه،بلذّة وإيثار لذلك الرضا على كل ما عداه،لو وقع به في الوقت الأعظم الهلاك لكان أحبّ إليه من جميع الشهوات. وجوهرة السرّ: وهو غيب من غيوب الله،لا تُعرف ماهيته ولا تُدرك. وحُكمه أن يكون العبد في كل حال لا يتحرّك إلا لله ولا يسكُن إلا لله،ولا يقع في شيء مخالف للشرع أصلاً لكمال طهارته. وجوهرة الروح: وهو أن يُكشف بحقيقتها وماهيتها كشفاً حقيقياً حسياً،حيث لا يخفى عليه من جملتها وتفصيلها شاذّ ولا فاذّ. وهي حضرة ورود الاصطلام،سُكراً وصَحواً ومحقاً. وجوهرة المعرفة: وهي تمكين العبد من الفعل بين حقيقة الربوبية والعبودية،ومعرفة كل حقيقة بجميع أحكامها ومقتضياتها ولوازمها،وهي حضرة البقاء والصحو. وجوهرة الفقر لله تعالى: إذا انفتحت في العبد يَشهد افتقاره إلى الله تعالى واضطراره إليه في كل نفَس من أنفاسه،فلا يُزعجه عن هذا التمكين ورود كل خطب من أضداد فقره. ومن تمكّن من هذه الجوهرة صار أغنى الخلق بالله عن كل شيء،بحيث أن لا يُبالي بجميع الخلق،أحبّوه أم أبغضوه أو أقبلوا عليه أو أدبروا عنه،لكمال غناه بالله تعالى. فمن تمكّن من هذه الجوهرة آمن من السّلب في حضرة الحق سبحانه وتعالى.. _ (حقيقة الذكر): أدنى مراتب الذكر: أن ينسى ما دونه. وأعلاه: هي أعلى مراتب الاصطلام. وحقيقة الاصطلام: أوله ذُهول عن الأكوان،وهو المعبّر عنه بالسّكر. ووسطه: فناء عن الأكوان،مع علمه بفنائه. وأعلاه: فناء عن الأكوان،وفناؤه عن فنائه. والمرتبة العليا منه: أن يشهد نفسه عين ذلك الوجود،وهو المعبّر عنه بالسحق والمحق. وحقيقة السحق والمحق عبارتان مترادفتان،وهمافناء العبد بالكليّة.. _ (المحبّة): محبّة الخلق لله تعالى أربعة أقسام: محبّتهم للثّواب،ومحبّتهم لآلائه ونَعمائه،ومحبّتهم لما هو عليه من الكمال والجمال،ومحبتهم للذات العليّة. أما محبّتهم للثواب فمعلومة،وكذلك محبتهم لآلائه ونعمائه. وهاتان المحبتان لعامة المؤمنين منهما حظّ ونصيب،ولكن قد تزول هاتان المحبتان بزوال سببهما. وأما القسم الثالث: مُسبّبها ثابت،وهو ما عليه ربّنا من أوصاف الكمال والعظمة والجمال. وهذه لصغار الأولياء.. والمرتبة الرابعة مجردة عن الأسباب والعلل والأوصاف،وهذه لا تكون إلا لمن فتح عليه ورفع عنه الحجاب،شاهد أسرار الأسماء والصفات والمواهب والحقائق والكمالات. المرتبة الأولى والثانية أشار إليهما الحديث: “أحبّوا الله لما يغذوكم به من نعمه” الحديث.. وأشارت رابعة العدوية للمرتبة الثالثة والرابعة في قولها: [ أحببتك حُبّين: حُبّ الهوى // وحُبّاً لأنك أهلاً لذاك ].. والمحبّة الصادقة هي التي تورّث الغيرة لصاحبها. قيل للشبلي: متى تستريح؟ قال: “إذا لم أرَ له ذاكراً غيري”. وقال أبو يزيد لصاحبه حين قال له: وهل سألته المعرفة به؟ قال له: “أُسكُت،غِرتُ عليه من أن يعرفه غيري”.. _ (التوحيد والتجلّي / الفرد الجامع): التوحيد هو: توحيده لنفسه بنفسه عن نفسه،وهذا التوحيد لا سبيل إليه إلا بالفناء.. قال الجريري: [ كل إشارة أشار به الخلق إلى الحق فهي مردودة عليهم حتى يُشيروا إلى الحق بالحق ]. أراد بهذا الذي ذكرناه وهو عُروّ النّسب،حيثتنطمس النّسب في الذات. ثمّ قال: [ ولا سبيل لهم إلى ذلك،لأن الذي أدرك هذا في كمال الفناء انمحقت الإشارة والمُشير،فليس إلا هو بنفسه في نفسه لنفسه عن نفسه ].. فلا سبيل لهم إلى ذلك،وإنماوحّده الموحّدون في مرتبة الألوهية لينالوا بذلك سعادتهم وقيامهم بتكليفهم. فهم في ذلك لأنفسهم لا لهُ،لأن الذي له خارج عن نفسه.. وأما مرتبة الأحدية فلا توحيد فيها،لأنها إن تجلّت انمحق تحتها وذهب شعوره بنفسه وبفنائه،فلا مشاهدة حينئذ،إنما هو الحق بنفسه في نفسه لنفسه عن نفسه،فأين الغير حتى تتجلّى له الأحدية. ولذا أجمع العارفون كلهم على أن التجلّي بالأحدية غير ممكن،كذلك غير ممكن التجلّي بالذات المطلقة الساذجة العارية عن النّسب والإضافات،إلا الفرد الجامع فإنه تتجلّى له لأنه هو الحجاب بينها وبين الوجود،والوجود كلّه عائش في ظلّه،ولو زالت ظليّته لانمحق الوجود كله في أسرع من طرفة العين.. وحقيقة التجلّي: هو الظهور،والتجلّي بالأسماء الإلهية يكون لكل عارف على قدر مرتبته،والفرد الجامع هو المحيط بجميع ذلك.. والعارف يعلم أن ذلك من إفاضة القطب عليه،إذ لو أراد القطب إمساكه لأمسكه عنه.. والقطب الجامع محيط بجميع المراتب أياً كان،حتى مراتب الملائكة،وله وراء ذلك من التجلّي بالأسماء والصفات التي يطلبها الكون بقدر ما شاء الله.. فالفرد الجامع له جميع المراتب،وله الاستيلاء على جميع المراتب،وله الذوق في جميع المراتب،وله الإحاطة الشاملة في جميع المراتب،وله المنع والعطاء في جميع المراتب.. وتجلّي الحق بذاته في ذاته لذاته عن ذاته هو مرتبة كُنه الحق،ولا اطّلاع لأحد عليه. والتجلّي الثاني: تجلّيه لغيره في غيره بنفسه لنفسه عن نفسه،فهذا التجلّي هو الذي يُدركه الخلق. وكان تجلّي المقادير الإلهية في صور الأكوانمطلقاً،إنما عن سبب،وهو تعلّق المشيئة وسبق الحُكم منه تعالى وتعلّق كلمة “كن”. فهذا السبب هو الذي برزت به المقادير في صور الأكوان،فإن تلك المقادير برزت لا عن ذاتها بذاتها،وإنما برزت عن غيرها بغيرها،فذلك السبب هو الذي تَقدّم عليه وبهِ وُجدت. وأما تجلّي الذات فلم يتقدّمها شيء لأنها أجلّ من أن تكون منفعلة للمشيئة أو غيرها،إنما تجلّت بذاتها في الخلق.. والأسماء القائمة التي يطلبها الكون،وهي التي لا وجود للكون بدونها،هي الأسماء العاليات التي من عَرفها: عَلم منها لِمَ وُجدت تلك الذات،وما مُراد الله منها،وما عاقبة أمرها من خير أو شرّ.. فتعلَم من هذا أن كلّ ذرّة من الكون لها اسم.. وإذا أراد الكبير أن يتوجّه إلى كون من الأكوان،فيتوجّه إلى الله باسمه الخاص به،فيأتيه كرهاً. وكذلك عسكرة الأسماء،وهيخارجة عن أسماء الكون،وهي في التوجّه للكبير مثل أسماء الكون سواء،هذا هو المكتوم الذي لا ينبغي أن يُذكر للعامة. وجميع أسماء الكائنات ليست بحادثة،أيمعانيها لا حروفها وأصواتها،لأن الله تعالى تكلّم بها في أزله،وحيث كانت من كلامه فهي قديمة.. _ (الإثنين والجمعة): تفكّرت في اختصاص سيد الوجود صلى الله عليه وسلم بيوم الإثنين،فتبيّن أنه كان هو الوجود الثاني ولم يتقدّمه إلا الوجود القديم،وكذلك هذا اليوم من الأيام لم يتقدّمه إلا يوم الأحد. فلهذا كان تقلّب أطواره صلى الله عليه وسلم في يوم الإثنين: فيه ولادته،وفيههجرته،وفيه دخوله لطيبة،وفيه أرسل. وكذلك سيدنا آدم عليه السلام في اختصاصه بيوم الجمعة وتقلّب أطواره فيه،لمناسبة وجودية،لأن سيدنا آدم هو الموجود الأخير من الموجودات،وهو المعبّر عنه عند العارفين بالتجلّي الأخير واللباس الأخير،وهذا اليوم هو الأخير من الأيام التي خلق الله فيها خلقه،قال تعالى: (خلق السموات والأرض في ستة أيام)،وفي اليوم السابع قال تعالى: (ثمّ استوى على العرش) على ما أراد وعَلم. فلهذه المناسبة كانت أطوار سيدنا آدم،من خَلقه ودخوله الجنة وخروجه منها وتوبته،فيه.. _ (الكشف الصحيح والنصّ الصريح): اعلم أن النص الصريح والكشف الصحيح،من أربابه،لا يختلف،لا مادة ولا نهاية. فكلاهما واحد من عين واحدة. لأن النص الصريح من ذات سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم برز،سواء كان حديثاً أو قرآناً. والكشفالصحيح لأربابه عن فيض حقيقته المحمدية فاض. وكلاهما إنما كان صلى الله عليه وسلم فيهما واسطة،وهما من عند الله منشأً.. فالكشف الصحيح لا يدلّ إلا على ما دلّ عليه النص الصريح،بتصريح أو تلويح أو تضمين.. ولا واسطة بين الله وبين العباد إلا النبوة،ومن رام الخروج عنها طالباً للأخذ عن الله من غيرها كفر وخَسر الدنيا والآخرة. وما ذكر من أن العقل يأخذ العلم عن الله بلا واسطة،فإنه نفي الواسطة المشهودة،لكنها موجودة في نفسها غير مشهودة له،وهي الحقيقة المحمدية،فإنه لا مطمع لأحد في درك حقيقتها فضلاً عن مشاهدتها،فإنها أخفى من السرّ الخفيّ. فإنه يرى نفسه يأخذ العلم عن الله بلا واسطة،وما برز له ذلك العلم إلا من الحقيقة المحمدية من حيث لا يراها،وإن رآه من الحق،فإنه مُغطّى عليه بحجاب التلبيس،فهذا معنى أخذ العلم عن الله بلا واسطة.. فنفي الواسطة في حقّه،نَفياً شُهودياً لا نفياً وجودياً.. _ (المكالمة): اعلم أن معنى مُكالمة الصوفية: أن الله تعالى إذا رحم عبداً من عباده بسماع كلامه،فإنه يُزيل عنه الحجاب ويخطفه عن حسّه حتى يغيب عن كل شيء،وتغيب عنه حتى ذاته ولا يدري أين هو في ذلك الحال،ثمّ يُسمعه الله من كلامه ما قسّم له من غير حرف ولا صوت. ثمّ يردّه للحجاب،فيرجع إلى حسّه وحاله الأول. ثمّ يسمع أيضاً كلاماً في عوالمه اللطيفة التي هي مراتب الروح،من السرّ والخَفاء والإخفاء وسرّ السرّ،فيغيب أيضاً غيبة مثل الأولى،ثمّ يردّه إلى حسّه ويَصحى عن غيبته. فيجد في سرّه ويعلم جميع ما شاهده في الحالتين،فعند ذلك يعبّر عنه بما أراد،فهذه هي مكالمة الأولياء. وأما الأنبياء فإنهم لكمالهم في غاية العقل والصحو والثبات.. ومن فتح الله عليه في هذا الأمر العظيم والنعيم الجسيم،لا يقدر أن يسمع كلام الخلق،إلا إذا اعتزل ثلاثة أيام يذكُر الله،فحينئذ يقدر على سماع كلامهم. وإن لم يفعل ما ذُكر فإنه مهما سمع كلامهم يتقيّأ لقُبحه بالنسبة للَذّة ما سمع من كلام الحق.. وسماع كلام الله،لمن سَمعه،لا بأذُن فقط،بل بجميع أجزاء ذاته كلها،حتى تصير كل ذرّة من ذاته تلتذّ مثل جميع ذاته بكمالها.. _ (مصطلحات): الفرق بين العلوم والأسرار والأنوار والفتوحات والمواهب والفيوضات والحقائق والدقائق والتجليات والمشاهدات والمكاشفات والمعارف والحضرات والمقامات والمنازل والواردات والأحوال. اعلم أن بيان هذه الأمور “الفتح”،وحقيقة الفتح: هو ما بزغ عن الغيب عند زوال الحجاب،فهو شامل لجميع الحقائق المذكورة من العلوم وغيرها. كل ما كان محجوباً عنه وانفتح له فيه،فهو فتح. وأيضاً فإن الفتح: عبارة عن زوال الحجاب،وما بزغ بعده من حقائق المعاني يُسمّى فيضاً لأنه فاض بعد حَبسه. فالفيض شامل للعلوم والأسرار والحقائق والمعارف والأنوار. وأما السرّ منه: فهو ما يقذفه الله في قلب العبد من الفهوم،ومنها ما يعرف العبد بما يُريده الله من تصاريف الأكوان.. ومن الأسرار: فيوض الحِكَم ودقائقها. ومن الأسرار ما يُريح العبد عن كليّته ويُخرجه عن دائرة حِسّه ويُغرقه في بحر حضرة الألوهية،بحيث أن لا شعور له فيما عداها من نفسه وغيرها،فيسمع هناك ويَشهد ما لا طاقة للعقول بفَهم مبادئه فضلاً عن درك غايته. وبذلك السرّ الذي أغرقه يُدرك مبادئه وغايته،شهوداً وسمعاً وإدراكاً وذوقاً. وهذا من أعزّ الأسرار التي تُفاض على العبد. ومن الأسرار ما لا يمكن تصوّره ولا توهّمه،فضلاً عن أن تصل إليه العبارة وتُحيط به دائرة الإشارة،لعزّة سطوته وجلاله وما ينطوي عليه من فوائده وكماله.. ولا حدّ للأسرار،لا يعرفها إلا من ذاقها.. والمعرفة: ارتفاع حُجب غيوب حقائق الصفات والأسماء،فإن المعرفة مع الفتح مُلازمان متغايران. فإن الفتح هو ارتفاع الحجب الحائلة بين العبد وبين مطالعة حقائق الصفات والأسماء،ومحق صور الأكوان من علم العبد وحسّه وإدراكه وفَهمه حتى لا يبقى للغير والغيريّة وجود إلا وجود الحق بالحق للحق في الحق عن الحق. فإذا وقع هذا برزت المعرفة العيانيّة بالضرورة،وفاض على العبد بحر اليقين الكلّي،لكن مع الصحو والبقاء. وأما ما كان قبل هذا،من مشاهدة غيوب الأكوان وظهورها للعبد،فإنه يُسمّى كشفاً ولا يسمّى فتحاً ولا معرفة. وأما الوارد: فهو عبارة عن بروز ما يأتي من عند الله تعالى من حضرة الحق إلى العبد بصورة قهرية أو بصورة جمالية،وهو يشمل جميع العلوم والمعارف والأسرار والأحوال واليقين والأنوار. وأما الحال: فهو عبارة عن أمر يرد من حضرة الحق بصورة قهرية أو جمالية،يُكيّف العبد بصورة ما هو مُنطبق عليه.. وأما الأنوار: فحقيقتها معلومة،وهوالضيّاء.. وأما الرّقائق والدقائق واللطائف: فهي عبارة عمّا يغمُض من حقائق العلوم والمعارف والأسرار.. _ (شروط الرياضة): العلم الرياضي يحتاج إلى أمور: أولها: معرفة تعديل المزاج،ثمّ معرفة غاية القصد،ثم معرفة كيفية السّعي إليه،ثم معرفة الحجاب القاطع عنه،ثم معرفة كيفية زواله ليصل إلى غاية المقصد،ثم معرفة أصول الحجاب التي منها موادّه،ثم الجدّ في قطع تلك الأصول. ثم معرفة الأمور التي بها زوال الحجاب،إما كليّة أو تفصيلية. ثم سَلّ سيف العزم وركوب جواد المجاهدة بمتابعة ما عرف من هذه الأمور والعمل على مقتضاها.. أما معرفة تعديل المزاج: فهو لزوم طريق الاعتدال في الأكل والشرب،من غير إفراط ولا تفريط. ثمّ النظر في الوقت والبلد،حرارة وبرودة ورطوبة ويبوسة،وكذلك السنّ،ثمّ مقابلة كلّ بما يُقوّيه عن الانحراف. وأما غاية المقصد: فهو رفع الحجاب عن الروح الرباني،وردّه إلى حالة الصّفاء التي كان عليها قبل التركيب في الجسد. فإن هذا هو الذي يكون به إدراك سائر العلوم والمعارف والأحوال والأخلاق والمقامات والفتوحات والمواهب والقُرب الحقيقي،وبهِ إدراك سعادة الدنيا والآخرة.. وأما معرفة كيفية السّعي إليه: فهو متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم في سائر قوله وفعله وحاله وخُلقه،بإقامة حقوق الله عز وجل سرّاً وإعلاناً،مُخلصاً لله من جميع الشوائب الدنيوية والأخروية. وأن يكون ذلك كله تعظيماً وإجلالاً لله تعالى على بساط الرّضا والتسليم والتفويض والاعتماد عليه تعالى في كل شيء والرجوع إليه في كل شيء. وأما معرفة الحجاب القاطع عن المطلوب: فهو غرق الروح في بحر الحظوظ والشهوات،وتعظيم نفسها والسّعي في جلب مصالحها ودفع مضارّها. وأما معرفة كيفية زوال هذا الحجاب: فهو السّعي في قطع الحظوظ والشهوات،وترك تعظيم النفس،وقطع السّعي في جلب مصالحها وقطع مضارّها بالزّهد فيها بالكليّة،لكن برفق ولُطف. وأما معرفة أصول الحجاب: فهي كثرة الأكل والشرب والكلام والمنام،ومُلاقاة الخلق،ودوام الغفلة عن ذكر الله. وأما الجدّ في قطع تلك الأصول: فهي بالجوع والعطش بالرّفق،ودوام الصمت إلا مطلقاً،ودوام السّهر بالرّفق،ودوام الانقطاع عن مُلاقاة الخلق،ومداومة ذكر الله بالقلب واللسان،وقطع الفكر في المحسوسات.. وأما معرفة الأمور التي بها زوال الحجاب كُليّة أو تفصيلية: فهو دوام ذكر الله بالقلب واللسان دائماً،بأيّ ذكر كان.. _ (الأكوان عند العارفين): الأكوان عند العارفين،بالنّسبة إلى الله تعالى،بالنّظر إلى ذاتها على حدّ سواء،لا تفضيل لها من ذاتها ولا تشريف لها ولا تفاوت،إلا من حيث فَضّلها خالقها. فالعارفون قطعوا نظرهم عن الأكوان من حيث ذاتها،لم يعرُجوا عليها بوجه ولا حال،ولا يحبّون شيئاً منها لذاتها كائنة ما كانت. وكل ما سوى الله عز وجل فهو منها،ولا يحبّون منها إلا ما أحبّ الله. فما عظّمه تعالى عظّموه وما حقّره حقّروه.. فهم مع الله لله بالله،لا لأنفسهم ولا بأنفسهم ولا مع أنفسهم. فقد فَنيت إرادتهم تحت إرادة الله،واختيارهم تحت اختيار الله،ونظرهم تحت نظر الله. فهو يحبّون الأنبياء والملائكة والأولياء لأجل الله عز وجل،ويكرهون ضدّهم لأجله،ويطلبون الجنة لأجله لا لغرض غيره. وإلى هذا المعنى الإشارة بقول الشيخ بن مشيش حيث سأله الشاذلي عن وِرد المحقّقين ما هو؟ فقال: “إسقاط الهوى ومحبّة المولى”.. _ (أقسام الفرح بالنّعم / محبّة الجنّة وكراهة النار): الفرح بالنّعم على ثلاثة أقسام: فرح بها لكونها قضاء للوطَر والشهوات،وصاحب هذا الفرح مثل البهيمة سواء. وفرح بها لكونها فيها قضاء الوطر والشهوات،ولكونهامنّة منه لاختياره له تعالى. فهذا متوسط بين الدناءة والشّرف. وفرح بها لأجله جل وعلا،وإنها من اختياره منه،لا لكونها فيها قضاء الوطر والشهوات. فهذا هو غاية الشّرف والرّفعة.. وكذلك في ضدّ النّعم،في الكراهة لها،هكذا سواء. وبهذا يفترق الأمر في محبّة الجنّة وما فيها،وكراهة النار. فالأول: مذموم قطعاً. والثاني: مذموم وممدوح. والثالث: ممدوح مُشرّف قطعاً،لأنهلم يفرح بالجنة للذّاتها وشهواتها،بل لأنها من حُسن اختيار الله تعالى،وإنها من أعظم مِنَنه،وإنها دار جِواره. فهم يُحبّونها ويفرحون بها من أجله تعالى.. والحاصل: حرام عليك الاتّصال بالمحبوب،ويبقى له في العالمين مَصحوب. وهو نُكتة الباب.. وهذه هي الحرية الخالصة من شوائب رقّ الأكوان. ومن تحقّق بهذا المقام يكون الدعاء في حقّه لمحض العبودية فقط،لا تطلّعاً إلى تحصيل شيء. لأنه إن تطلّع بدعائه إلى تحصيل ما قدّر له أو دفع ما هو مدفوع عنه،عي لا فائدة له،ويلزمه تأديب قلبه عن هذا التطلّع للعبث. وإن تطلّع لذلك فهو طمع ومُضادّة لأحكام الربوبية،وكلاهما في مذهب العارفين حرام.. فلم يبق إلا التعلّق بالله عز وجل عبودية له،لا لأجل تحصيل شيء منه بالتعلّق به،لئلاّ يدخُله ما تقدّم من الطمع والعبث وشرط الأغراض.. وتفسير التفويض: هو ترك التدبير في جلب نفع أو دفع ضُرّ،ولو بالتمنّي،فضلاً عن السّعي فيه،لما عَلم من سَبق تدبيره سبحانه وتعالى. فلا محيص عمّا قدّر حصوله نفعاً أو ضرّاً،ولا سبيل لما قدّر نفيه نفعاً أو شراً،فلم يبق إلا ترك التدبير وهو التفويض. وتفسير التّسليم لله تعالى: هو ترك مُنازعة المقادير،تَمنيّاً أو سعياً جَلياً أو دفعاً وقوعياً.. والمنازعة كلها حرام عند العارفين،لأنها إما عبث أو طمع.. فلم يبق إلا ترك الدّعوى وتأديب النفس عن الانقياد والوهم،وردّها إلى محض العبودية الخالصة لله عز وجل،ولم يبق إلا الاعتماد على الله تعالى.. وتفسير الاعتماد عليه عز وجل: هو هدوء القلب سكوناً من الاضطراب بقيوميته جل وعلا وسابق تدبيره واختياره.. _ (الحُجُب): واعلم أن الذي حجَب الخلق عن الله تعالى هو سُكونهم إلى غيره،ولولا ذلك لرأوه كلّهم ببصائرهم عِياناً. ولكن بعضهم في الحجاب أشدّ من بعض،والكلّ في الانحجاب عنه على حدّ سواء لاستحالة المسافة والأمكنة والجهات عنه تعالى،وإنما ذلك بنسبة ما حَجب العبد عن شهوده تعالى: فطائفة حجبهم حُبّ الدنيا والانكباب عليها،وهذا أعظم الحُجب. وطائفة حجبهم عن الله تعالى شهواتهم وأغراضهم وهواهم ونفوسهم،وهذا أدنى من الأول. وطائفة حجبتهم الآخرة،من أنواع نعيمها وحورها وقصورها،وأليم عذابها والخوف من دركات جهنم. وطائفة حجبهم عن الله عز وجل سكونهم إلى العلوم والمعارف والأسرار والأنوار والأحوال والمقامات،لكونها هي مقصودهم من الله تعالى.. والعارفون خرقوا هذه الحجُب كلها وجلسوا مع الله تعالى على بساط شهوده،والتبرّؤ عن رؤية الأحوال والمقامات وإرادتها،لأنها من جملة الأكوان التي خرجوا عنها.. وإنما كان الأولون أعظم ممّن بعدهم في الحجاب،لأنهم حجبوا بالحجاب الأول. وأهل الحجاب الثاني: خرقوا الحجاب الأول بالزهد،فقطع عليهم الطريق دواعي النفس والهوى فحُجبوا. وأهل الحجاب الثالث: خرقوا الحجابين،فقطع عليهم الطريق لذّة النّعيم الدّائم فحجبوا. وأهل الحجاب الرابع: خرقوا الثلاثة،وقطع الطريق عليهم إرادة الرّفعة والمنزلة بحصول المقامات. إلا أن الثلاثة الأولين حُجبوا بالظلمات،والآخرين حُجبوا عن الله تعالى بالأنوار،وكلها مُستوية حيث لم ينظروا إلى الله تعالى.. _ (حقيقة العافية): اعلم أن حقيقة العافية هي القيام مع الله تعالى في مطابقة مراده بكمال الرضا والتسليم والتفويض والاستسلام،وسقوط التدبير والحيل،والتبرّي من جميع الملاحظات والمُساكنات والمُصاحبات والمرادات حتى لا يكون له غير الله في كل نفَس أبداً دائماً سرمداً. وصحّة ذلك ومصداقه: أن لا يخطُر غير الله على قلبهدائماً،فهذه هي العافية. وإذا سألت العافية من الله،فاسأله العافية من حيث يعلمها لك عافية لا فيما تُريده وتختاره.. _ (الروح المحمدي): أول موجود أوجده الله تعالى من حضرة الغيب هو روح سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم،ثمّ نسَل الله أرواح العالم من روحه صلى الله عليه وسلم. والروح ههنا هي الكيفية التي بها مادة الحياة في الأجسام.. ولروحه صلى الله عليه وسلم نسبتين أفاضها على الوجود كله: فالنّسبة الأولى نسبةالنور المحض،ومنه خُلقت الأرواح كلها والأجسام النورانية التي لا ظلمة فيها،والجنة ودرجاتها.. والنسبة الثانية نسبة الظلام،ومن هذه النسبة خلق الأجسام الظلمانية كالشياطين،وسائر الأجسام الكثيفة،والجحيم ودركاتها.. والحقيقة المحمدية في هذه المرتبة لا تُعرف ولا تُدرك،ولا مطمع لأحد في نيلها في هذا الميدان. ثمّ استترت بألباس من الأنوار الإلهية واحتجبت بها عن الوجود،فهي في هذا الميدان تُسمّى روحاً،وهذا غاية إدراك النبيين والمرسلين والأقطاب،يصلون إلى هذا المحلّ ويَقفون. ثمّ استتر بألباس من أنوار إلهية أخرى،وبها سُميّت عقلاً. ثمّ استترت بألباس من أنوار إلهية أخرى،فسُميت بسببها نفساً. ومن بعد هذا ظهر جسده الشريف صلى الله عليه وسلم. فالأولياء مختلفون في الإدراك لهذه المراتب: فطائفة غاية إدراكهم نفسه،ولهم في ذلك علوم وأسرار ومعارف. وطائفة فوقهم غاية إدراكهم عقله،ولهم بحسب ذلك علوم وأسرار ومعارف أخرى. وطائفة،وهم الأعلون،بلغوا الغاية القصوى في الإدراك،فأدركوا مقام روحه.. ولا مطمع لأحد في درك الحقيقة في ماهيتها التي خلقت فيها،وفي هذا يقول أبو يزيد: [ غُصت لجّة المعارف طلباً للوقوف على عين حقيقة النبي صلى الله عليه وسلم،فإذا بيني وبينها ألف حجاب من نور،لو دنوت من الحجاب الأول لاحترقت به كما تحترق الشعرة إذا ألقيت في النار ]،وكذا قال الشيخ ابن مشيش في صلاته: “وله تضاءلت الفهوم فلم يُدركه منّا سابق ولا لاحق”،وفي هذا يقول أويس القرني لسيدنا عليّ وسيدنا عمر: “لم تَريا من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ظلّه”،قالا: ولا ابن أبي قحافة؟ قال: “ولا ابن أبي قحافة”. فلعلّ الصدّيق غاص لجّة المعارف طلباً للوقوف على عين الحقيقة المحمدية،فقيل له: هذا أمر عجز عنه أكابر الرسل والنبيين،فلا مطمع لغيرهم فيه.. ومن أدرك العلم الأول من العلوم المحمدية،وقسّمه على اثنين وسبعين جزءاً،وعلم جزءاً واحداً من اثنين وسبعين جزءاً: فله إن أراد أن يفسّر كل آية من كتاب الله تعالى باثنين وسبعين وجهاً من التفسير،وأحاط بجميع العلوم الظاهرة والباطنة. هذا لمن علم جزءاً واحداً من اثنين وسبعين جزءاً من العلم الأول،فضلاً عن العلم الواحد كلّه،فضلاً عن اثنين وثلاثة إلى آخر اثنين وسبعين علماً.. __ (الوجود المطلق): الوجود المطلق الذي يسمّى عين الطمس والعمى،لا نسبة فيه ولا توهّم ولا تعقّل ولا أين ولا كيف ولا رسم،قد انعدمت النّسب كلّها. والقدرة التي أظهرتها الحقيقة كانت أولاً في حجاب الطمس والعمى،لا تَعقّل للصفات والأسماء هناك من حيث الظهور لا من حيث الوجود.. فالذات غيب لا تُعقل ولا تُدرك،وما ظهر في وجوده إلا بالمرتبة وهي الألوهية. والألوهية معناها توجّه الوجود كله إليه بالعبادة والخضوع والتذلّل والمعرفة والتسبيح والسجود،فما فيها ذرّة خارجة عن هذا الميدان..

_ (في رسائله) _
ممّا جاء في هذا الفصل الرابع: (شروط الخواصّ والأسرار): تعلّقك بالخواصّ في طلب الدنيا وأغراضها وشهواتها،وأنت مشغول بإطلاق لسانك في الغيبة والنميمة وفيما لا يُرضي الله،فلا تظفر منها بشيء.. وإنما الخواصّ وأسرارها لا يتمكّن منها أحد من خلق الله إلا أحد رجلين: إما رجل ظفر بالولاية،وإمارجل جعل أكثر أوقاته في ذكر الله وفي صحّة التوجّه إليه تعالى وفي الصلاة على نبيّه صلى الله عليه وسلم طلباً لوجه الله الكريم لا لغرض غير ذلك.. فهذا هو الذي لعله يُدرك بعض أسرار الخواص،وسوى هذين لا يُفيده التعلّق بالخواص إلا التّعب.. واعلم أن التمسّك بما في كتب أهل الخواص،من الدائرة الشاذلية وأسماء الله والحروف والجداول،كلّه كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً،ما في جميعها إلا التّعب والطمع الذي لا يوجد فيه قليل من الفائدة.. إلا أن لتلك الأسرار تصاريف عالية وأفعالاً عظيمة،لكنهامشروطة بالوقوف على أمرين لا يُنال أحد بدونهما شيئاً. الأمر الأول: هو الفتح للعبد في كمال المعرفةالعيانية الباطنية.. والأمر الثاني: لتلك الأسرار أرواحاً علوية طاهرة مطهّرة قائمة بتصريف تلك الأسرار،وتلك الروحانية لها طرق مخصوصة يتوصّل بها إلى تسخير روحانيتها،حتى لا يتعرّف على دواعيها في شيء إلا أجابت في أسرع من طرفة العين،وهذهالطرق لا يعلمها إلا الأولياء. وقد أخذ العهد على الأولياء في ظهر الغيب أنهم لا يُطلعون على هذه الأسرار أو شيء منها أحداً من الواقفين مع حظوظهم،ومن تعدّى منهم في شيء وأطلع عليه أحداً من أهل الحظوظ ابتُلي تبلية عظيمة: إما بقتلة بشيعة،وإما أن يُسلّط عليه وارداً من قبل الحق يستأصل ماله وولده،وإما أن يبتليه الله بالفقر وعدم الصبر عليه،أو بالسّلب أو بالكفر نسأل الله السلامة.. فلا تتعبوا أنفسكم في الأسرار والخواص في شيء.. إذا تجلّى الله لسرّ عبد مَلّكه جميع الأسرار وألحقه بدرجة الأحرار،وكان له تصرّف ذاتي،متى ما توجّهت إرادته لأيّ خارق كان انخرق له في الحين،إلا أن بعضهم يُضيف لها كلمة “كُن” وبعضهم بمجرّد الإرادة.. قال الفقير إلى الله أحمد بن محمد التجاني: كل ما كُتب في هذا الكتاب (أي: جواهر المعاني)،في أوله إلى آخره،بإملائنا على الكاتب،حرفاً حرفاً. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم تسليماً. _ اعلم أن لله نفحات وتوقعات من الغيب يهبها لمن يشاء،لكنه سبحانه يبعث تلك النفحات على أيدي صور الغيب يُظهرها الله متصوّرة في صور بعض الأولياء الأحياء أو الأموات،تُلقي تلك الصور بعض الأسرار التي يقع عنها الفعل والانفعال.. فيقول من نالَ ذلك: أعطاني سيدي فلان السرّ،ولا علم لذلك الولي بشيء ممّا ذُكر. ثمّ إن من وقع له ذلك،شَرط انتفاعه أن يدوم اعتقاده وتعظيمه لذلك الولي الذي وقعت الصورة على صورته،فإن ساء اعتقاده في ذلك الولي تحوّلت عنه تلك الصورة،فلا يأتيه أبداً ولا ينال سراً أبداً،وبقي في ذلّ وإهانة.. _ أحوال الأولياء لا تجري على قانون واحد ولا في سبيل واحد.. بل الأمر في ذلك موكول إلى الله،جارياً على قانون مشيئته.. وكم من وليّ عظيم القدر عالي المقام،قد أدبر عن الكون،لا علم له بكل ما سوى الله. فإذا أراد التصرّف وإظهار الكرامة على حدّ ما هو معروف للأولياء منع من ذلك بحكم مشيئة الله لأمر يعلمه الله.. قال الجنيد: [ لقد مشى باليقين رجال على الماء،ومات بالعطش رجال أفضل منهم ]. ثمّ إن الأمر الذي طلبته منّي في التصرّف في زوال ضررك لم أجد إليه سبيلاً،ولا حيلة ولا تعويلاً،وكل بقضاء الله وقدره.. والخواص على الجملة والتفصيل لا تدخل تحت القياس.. _ (الكرامة المعنوية): يقول الشيخ عليّ حرازم: المُكاشفات الحقيقية أن يُكاشف عن الله ورسوله،ويفهم كلامهما وما تضمّنه من الأسرار العقلية والأنوار التوحيدية،من علوم غامضة وأفهام دقيقة وحقائق ربانية. وكلما كرّر النظر فيهما تجدّد له أفهام وأسرار وحكم وإشارات،غير ما فَهم أولاً،وهكذا لو بقي أبد الآباد. فهذه هي المكاشفة التي بها يزداد معرفة ومحبّة وقُرباً من الله تعالى،ولا يعطي الله هذه إلا لخاصّة أوليائه. وقد خصّه الله تعالى (أي: الشيخ التجاني) من ذلك بما لم يُشاركه فيه غيره: فإذا شرع في تفسير آية أو حديث أبدى فيهما من بديع التأويلات وكثرة الاحتمالات ما لا يُمكن التعبير عنه،ولا يوجد في كثير من المطولات. ولا يزال يترقّى فيهما،فيكون الثاني أبدع من الأول،وهكذا في جميع أوقاته وفي المجلس الواحد.. وأما كلامه في الحقائق فلا يقوم بمعناه إلا من تمكّنت معرفته واتّسعت في سائر العلوم الظاهرة والباطنة مادّته،وعلَت في الولاية درجته. ومن خصائصه،وحدّثتي به عن نفسه: أنه يُطالع في الكتاب ويد تجذب عقد التسبيح،ويُسبّح بلسانه حتى يختم ورده،فيجمع بينهما ولا يشغله واحد عن الآخر. وقد حدّثني أيضاً: أنه يُطالع ويذكُر ويُملي على الغير في العلوم،ويتكلّم مع الناس ويكتب،بمجلس واحد في آن واحد،فلم يشغله واحد عن الآخر.. _ (اسم الجلالة عين المرتبة): اتّفق العارفون قاطبة على أن اسم الجلالة “الله” عين المرتبة،لا عين الذات. إذ مرتبة الحق تعالى الألوهية،والذات في غاية البطون لا يعلمها غيره سبحانه وتعالى،وما برز للوجود كلّه إلا بالمرتبة،والذات في غاية البطون لا يُدركها أحد.. فما تسمع في كلام العارفين أنه تعالى هو الظاهر وحده،لا وجود لغيره،إنما يُريدون ظهور المرتبة.. وهذا الاسم الأعظم خارج عن جميع الكليات والجزئيات،فلا يقبل دخول الجنس معه لعدم مُجانسته لشيء من الموجودات،ولا يقبل دخول الكلّي معه والمشاركة في مرتبته.. والأحدية عين الذات،عَيناً بعين،ولا تزيد عليها إلا أن فيها نسبة الأحدية،لكون الذات الساذج عارية عن النّسب،والأحدية نسبة من النّسب.. _ (الشؤون / الحقيقة المحمدية): اعلم أن الشؤون هي حقائق الوجود،وسُميت شؤوناً لعدم التمايز بين حقائقها،فإنها مُضمرة في الأحدية،ليس لها عين ولا وصف ولا اسم ولا رسم ولا كيفية ولا لون ولا مقدار. فلهذا سُميت شؤوناً،إذ لا معرفة لشيء من حقائقها بوجه من وجوه التعريف. فهي مستوية المباني،متماثلة المعاني. وفي هذا يقول الشيخ الأكبر: [ كُنّا حروفاً عاليات لم تقُل // مُتمسّكين من العلى بدُرى القلل أنا أنت فيه ونحن أنت وأنت هو // والكل في هو هو فسَل عمّن وصَل ]. أشار بهذا إلى حضرة الأحدية فإن الأشياء فيها معدومة،من آلات التعريف،من الأسماء والأوصاف والألوان والمقادير والكميات والزمان والمكان. فهذه أسباب التعريف بين حقائق الوجود،وبها يتميّز بعضها عن بعض،وبها تعرف نِسَبها ومراتبها.. وعلى هذا الحدّ وقع خطاب الآية في قوله تعالى: (كل يوم هو في شأن) وسمّاها شؤوناً،مع كونها يُبديها صور محدودة بالكمّ والكَيْف واللون والصورة والاسم والزمان والمكان،لكنه يُشير إلى أوّلها،لأن أوّلها كان شؤوناً في مرتبة الأحدية. وقد قيل: إن السيد الرفاعي تحيّر في هذه الآية،وسأل عنها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في المنام،فقال له: “شؤون يُبديها،لا يَبتديها”.. فحضرة الشؤون هي حضرة العما.. فإذا برزت الأشياء من هذه الحضرة سُمي كل شيء منها صورة(والصورة لها أحكام تُلازمها متعلّقها المشيئة،وهي سبعة: الصورة واللون والمقدار والمكان والزمان والأرزاق والأحكام)،لأنه برز بالكميّة والكيفيّة والمقدار والاسم والصفة والرسم،وتميّز عن غيره بالضرورة.. وأول بارز من حضرة الشؤون،التي هي العمى،هي الحقيقة المحمدية. قال الشيخ الأكبر في صلاته: [ اللهم أدِم صِلَة صَلواتك وسلام تسليماتك على أوّل التعيّنات المُفاضة من العمى الرباني.. ].. فكل ما يُفيضه الحق تعالى على الوجود،مطلقاً ومقيّداً،إنما يُفيضه بواسطة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فمن ظنّ أنه يصل من عند الله شيء للوجود بغير واسطة رسوله فقد جهل أمر الله،وإن لم يتُب خسر الدنيا والآخرة.. ولهذا قيل: إنه الأب الأول لكون الأشياء تناسلت من حقيقته المحمدية،فهو لجميعها كأصل الشجرة،وذوات الوجود كلها كأغصان الشجرة،فهو عينها صلى الله عليه وسلم من كل وجه. ولا يتراءى هذا إلا لمن تخطّى نسب الوجود وبرز له الحق عيناً بعين،يشهد هذا السرّ وإلا فلا.. وعين ما يجد تعالى في هذه الصورة (الحقيقة المحمدية) هو شهود ذاته المطلقة الساذج،يشهدها في هذه الصورة،والصورة لها كالمرآة تتراءى فيها.. والعلم مُنبسط من هذه الصورة،فهو ينبوع العلم وعنصره،فهي له كالبحر الجامع،وينشقّ منها لذوات الوجود بحاراً أو أنهاراً أو سواقي.. خلق تعالى هذه الصورة من نوره الكامل وجعلها في إحاطة العزّة،أياحتجبت في سُرادقات العزّ والجلال،فلا مطمع لأحد في فهمها فضلاً عن نَيلها ورؤيتها.. فهي موجودة لا مُعلّلة بشيء،فوجودها منها لا علّة له إلا الذات المقدسة.. فهي مُرادة لذاتها،لا لشيء يُراد بها. كما ورد في الخبر القدسي: “خلقت كل شيء من أجلك،وخلقتك أنت من أجلي”،وإلى هذا يُشار في الصلاة البكرية: “عبدك من حيث أنت”.. فلما كان المراد منه صلى الله عليه وسلم الكمال العالي الذي به يستمدّ منه الوجود،أعطي الرتبة الأخرى وهي قيامه بحقوق الصفات والأسماء،اتّصافاً بها وتحقّقاً بها. وبذا استمدّت منه الوجود،حياةً وقياماً ووجوداً. فهذا قيامه صلى الله عليه وسلم بعبادة الله،وبصفاته وأسمائه. فكان عبد الله من حيث الذات المطلقة،ومن حيث أن لا علّة ولا غيريّة. وكان عبد الله من حيث جمع الصفات والأسماء. فبهذا حمل سرّ الخلافة عن الله في جميع المملكة الإلهية من غير شذوذ.. واللوح المحفوظ هو نبينا وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم،لأنه أجْمَل ما في حقائق الأشياء. فكما أن اللوح المحفوظ اجتمعت فيه علوم الأكوان،كذلك هو صلى الله عليه وسلم اجتمعت في حقيقته المحمدية جميع حقائق العلوم الإلهية.. وتشبيهه باللوح المحفوظ يسمّى عند المتكلمين: تشبيه التسامُح،وإلا فهو صلى الله عليه وسلم أكبر وأوسع من اللوح المحفوظ.. فإن الحقيقة المحمدية جمعت كل ما أحاط به علم الله تعالى،من الأزل إلى الأبد،من علوم المخلوقات بأسرها،ومعرفة مقتضياتها ولوازمها. وأما ما وراء ذلك فلا يُحيط بجميع عِلم الله مُحيط أصلاً.. والحقيقة المحمدية هي النور الساري الممدود،فلا يتمّ لوجود شيء من الموجودات إلا بالمدد من نوره صلى الله عليه وسلم.. والنور هنا ليس هو،كما يُفهم،أنه الضياء المنبسط،بل المراد به هو الذي يتمّ به الوجود من الله تعالى بلا واسطة.. وهو المراد في قوله صلى الله عليه وسلم: “حجابه النور” الحديث.. فهو سارٍ في جميع الموجودات كسريان الماء في الأشجار،لا قيام لها بدونه. وتلك السّراية لا مطمع للعقل في دَركها ولا أن يحوم حول حِماها،فما أدركتها أكابر الملائكة العالين ولا اكابر الأنبياء والمرسلين.. واعلم أن الله تعالى اقتطع قطعة من النور الإلهي،في غاية الصفاء والتجوهر،ثمّ أبطن في تلك القطعة ما شاء أن يقسّمه لخلقه من العلم بصفات الله وأسمائه وكمالات ألوهيته،وبأحوال الكون وأسراره ومنافعه ومضاره.. وجعل تلك القطعة من النور مقرّاً لانصباب كل ما قسّمه لخلقه في سابق علمه من الرحمة الإلهية،ثم صار يُفيض على خلقه ما أقرّه في الحقيقة المحمدية من العلم والرحمة. فكان بهذه المثابة هو عين الرحمة صلى الله عليه وسلم.. فذاته الكريمة بمنزلة المقرّ للمياه التي تجتمع فيه،وتتفرّق من ذلك المقرّ سواقٍ للسّقي والانتفاع،ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: “إنما أنا قاسم والله معطي”.. فوجود الأكوان كلها منوط بوجوده صلى الله عليه وسلم،وجوداً وإفاضة.. والفيض من ذاته الكريمة ينقسم إلى رحمتين: الأولى: إفاضة الوجود على جميع الأكوان،فخرجت من العدم إلى الوجود. والثانية: إفاضة الرحمات الإلهية على جميعها،من جملة الأرزاق والمنافع والمواهب والمنح.. فهو صلى الله عليه وسلم جامع لجميع الأسرار والعلوم والمعارف والفتوحات،والتجليات الذاتية والصفاتية والأسمائية والفعلية والصورية. فلما كمُلت فيه هذه الجمعية كان هو الكنز الأعظم،إذ بسبب ذلك تُستفاد منه جميع المطالب والمنح والفيوض الدينية والدنيوية،من العلوم والمعارف والأسرار والأنوار والأعمال والأحوال والمشاهدات والتوحيد واليقين والإيمان وآداب الحضرة الإلهية.. تجلّى الحق تعالى بكمال ذاته الذاتية في الحقيقة المحمدية،فهو لها كالمرآة تتراءى فيها،فكانت كأنها عين الذات.. ولم يكن هذا التجلّي في الوجود لأحد من خلقه إلا له صلى الله عليه وسلم،فبهذه النسبة كان عين الذات لا أنه حقيقته.. ما خلق الله لنفسه إلا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم،والباقي من الوجود كله مخلوق لأجله صلى الله عليه وسلم،مُعلّل بوجوده. ولولا أنه خلق سيدنا محمداً ما خلَق شيئاً من العوالم.. _ (إهداء الثواب لسيدنا محمد): اعلم أنه صلى الله عليه وسلم غنيّ عن جميع الخلق جملة وتفصيلاً،وعن صلاتهم عليه وعن إهدائهم ثواب الأعمال له.. يشهد لذلك قوله تعالى: (ولسوف يعطيك ربك فترضى).. وما ظنّك بعطاء يَرد من مرتبة لا غاية لها،وعظمة ذلك العطاء على قدر تلك المرتبة. ثمّ يرد على مرتبة لا غاية لها أيضاً،وعظمته على قدر وُسعها أيضاً. فكيف يُقدّر هذا العطاء،وكيف تحمل العقول سعته. ولذا قال تعالى: (وكان فضل الله عليك عظيماً).. فليس يحتاج مع هذه المرتبة إلى زيادة لهذا الثواب،لما فيها من كمال الغنى الذي لا حدّ له.. فليست له حاجة إلى إهداء الثواب ممّن يَهدي له ثواب الأعمال.. فأمر الله تعالى للعباد بالصلاة عليه صلى الله عليه وسلم ليُعرّفهم علُوّ مقداره عنده وشفوف مرتبته لديه وعلو اصطفائه على جميع خلقه،وليعرّفهم أنه لا يقبل العمل من عامل إلا بالتوسّل إلى الله به صلى الله عليه وسلم،كالصلاة عليه وامتثال شرعه.. وكمثال يُضرب لإهداء الثواب له صلى الله عليه وسلم: بملك عظيم المملكة ضخم السلطنة.. ثمّ قدّر فقيراً لا يملك مثلاً غير خبزتين من دنياه،فسمع بالملك واشتدّ حبّه وتعظيمه له في قلبه،فأهدى لهذا الملك إحدى الخبزتين.. فلا شكّ أن الخبزة لا تقع منه ببال،لما هو فيه من الغنى الذي لا حدّ له.. ثمّ الملك لاتّساع كرمه عَلم فقر الفقير وغاية جُهده،وعَلم صدق حبّه وتعظيمه في قلبه،فأظهر له الفرح والسرور لأجل تعظيمه له وصدقه،لا لأجل انتفاعه بالخبزة.. _ (خصوصية أوراد الشيخ التجاني): وممّا سمعتم من الخاصية التي في الورد فهي واقعة لا محالة،وإياكم والتفريط في الورد ولو مرّة في الدّهر،وشرط الورد المحافظة على الصلوات في الجماعات والأمور الشرعية.. واعلموا أن الذنوب في هذا الزمان لا قدرة لأحد على الانفصال عنها فإنها تنصبّ على الناس كالمطر الغزير،لكنأكثروا من مكفّرات الذنوب،وآكد ذلك صلاة الفاتح فإنها لا تترك من الذنوب شاذة ولا فاذة.. وكذلك الدعاء السيفي لمن يقدر على حفظه.. وأبشروا أن كل من كان في محبّتنا إلى أن مات عليها يُبعث من الآمنين على أية حالة كان،ما لم يلبس حلّة الأمان من مكر الله. وكذلك كل من أخذ وردنا يبعث من الآمنين ويدخل الجنة بغير حساب ولا عقاب،هو ووالديه وأزواجه وذريته المنفصلة عنه لا الحفدة،بشرط الاعتقاد وعدم نكث المحبة وعدم الأمن من مكر الله.. الحزب السيفي وصلاة الفاتح: يُغنيان عن جميع الأوراد،ويبلغان بفضل الله غاية المراد،ولا يفي بقدرهما عمل.. إن أردتم رؤية النبي صلى الله عليه وسلم في النوم،فعليكم بالمداومة على صلاة جوهرة الكمال سبعاً عند النوم على وضوء دائماً،فإنها كفيلة بها.. وأما سند طريقتنا،فطريقتنا عنه صلى الله عليه وسلم،اتّصالاً منه إلينا. وسندنا أيضاً في الورد المعلوم،معالسيفي،عنه صلى الله عليه وسلم متّصلاً إلينا. وأما المسبّعات العشر،فأخذناها مشافهة عن شيخنا الشيخ محمود الكردي المصري،وهو أخذها عن الخضر مشافهة. وأما أحزاب الشاذلي ووظيفة الزروق ودلائل الخيرات والدور الأعلى،فكلها أخذنا الإجازة فيها عن شيخنا القطب الكامل سيدي محمد بن عبد الكريم السمّان قاطن المدينة المنورة.. وأما ما ذكرتم من شرط اتّحاد الوقت في ذكر الخلوة،فهو أمر مطلوب في جميعها،ولا يضرّ إن تَخلّف إلى غير وقته،اللهم إلا في الأسماء الإدريسية،فإنه إن تخلّف الوقت تضرّر العامل ضرراً كبيراً.. _ وأجزت لحبيبنا بقراءة الفاتحة بنيّة تلاوة الاسم الأعظم بتلاوتها،وفي قراءة الحزب السيفي. وأجزت له في قراءة سورة الإخلاص إحدى عشرة مرة،صباحاً ومساءً،للتحصين من جميع الشّرور..
_ اعلم أن كل ما تذكُره من الأذكار والصلوات على النبي صلى الله عليه وسلم والأدعية،لو توجّهت بجميعها مائة ألف عام،كل يوم تذكرها مائة ألف مرة،ذلك كله ما بلغ ثواب مرة واحدة من صلاة الفاتح.. فإن كنت تريد نفع نفسك للآخرة،فاشتغل بها على قدر جهدك فإنها كنز الله الأعظم لمن ذكرها.. _ (صلاة: جوهرة الحقائق): ذكر لنا سيدنا (أحمد التجاني) أن من داوم على قراءتها تضمن له خير الدنيا وخير الآخرة،ومن ذكرها مرتين في الصباح ومرتين في المساء غفرت له ذنوبه،الكبائر والصغائر،بالغة ما بلغت،ولا يقع له وَهْم في التوحيد. لكن بالإذن الصحيح عنه رضي الله عنه أو ممّن أذن له.. قام المؤلف بشرح هذه الصلاة،وسمّى شرحه بـ “جوهرة الحقائق في شرح ياقوتة الحقائق”.. _ (صلاة: جوهرة الكمال): اعلم أن هذه الصلاة هي من إملاء سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على شيخنا القطب أبي العباس التجاني،وذكر لها رسول الله خواصّ: منها أن المرة الواحدة تَعدل تسبيح العالَم ثلاث مرات،ومنها أن من قرأها سبعاً فأكثر يحضُره روح النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الأربعة ما دام يذكرها،ومنها أن من لازمها أزيد من سبع مرات يحبّه النبي محبة خاصة ولا يموت حتى يكون من الأولياء. وقال الشيخ (التجاني): من داوم عليها سبعاً عند النوم،على طهارة كاملة وفراش طاهر،يرى النبي صلى الله عليه وسلم.. قام المؤلف بشرح هذه الصلاة،وسمّى شرحه بـ “الفيوضات الرحمانية في شرح عين الرحمة الربانية”.. _ (خصوصيةومقام سيدي أحمد التجاني): وممّا أكرم الله به الخليفة،وهو قطب الأقطاب،عن أكابر الأولياء وهم رؤوس الأفراد،هو ما أجاب به سيد الوجود صلى الله عليه وسلم شيخنا (يعني التيجاني) حين سأله عن مفاتيح الكنوز وقطب الأقطاب: أيّهما أعلى مرتبة عند الله تعالى؟ فقال له صلى الله عليه وسلم: هو أعلى منهم في مقامات ومراتب،أورثَه الله التجلّي الكامل المحيط بالتجليات كلها،وأورثه الله الاسم الأعظم بجميع إحاطته،وأورثه الله المدَد من النبي صلى الله عليه وسلم بلا واسطة،وأورثه الله مدد جميع الأولياء يكون على يديه،وتحريك الجمادات وتحريك كل حيّ،والإمارة على كل شيء والتعظيم على كل شيء.. إن لنا مرتبة عند الله تناهَت في العلوّ عند الله تعالى إلى حدّ يحرُم ذكره،ليس هي ما أفشيته لكم،بل هي من ورائها. ولو صرّحت بها لأجمع أهل الحقّ والعرفان على كُفري،فضلاً عمّن عداهم. ومن خاصية تلك المرتبة: أن من لم يُحافظ على تغيير قلبي من أصحابنا،بعدم حفظ حرمة أصحابنا،طرده الله من قُربه وسلبه ما منحه.. _ إن مقامنا عند الله في الآخرة لا يصله أحد من الأولياء ولا يُقاربه،لا من صغُر ولا من كبُر. وإن جميع الأولياء،من عصر الصحابة إلى النفخ في الصور،ليس فيهم من يصل مَقامنا ولا يُقاربه،لبُعد مُرامه عن جميع العقول وصعوبته مَسلكاً على أكابر الفحول. ولم أقل لكم ذلك حتى سمعته منه صلى الله عليه وسلم تحقيقاً،ليس من الرجال من يُدخل كافة أصحابه الجنة بغير حساب ولا عقاب ــ ولو عملوا من الذنوب ما عملوا وبلغوا من المعاصي ما بلغوا ــ إلا أنا وحدي،ووراء ذلك ممّا ذُكر لي فيهم وضمنه صلى الله عليه وسلم لهم أمر لا يحلّ لي ذكره ولا يُرى ولا يُعرف إلا في الآخرة. ومع هذا فلسنا نستهزئ بحرمة ساداتنا الأولياء ولا نتهاون بتعظيمهم،فعظّموا حرمة الأولياء الأحياء منهم والأموات.. وأما من كان محباً،ولم يأخذ الورد،لم يخرج من الدنيا حتى يكون ولياً. وكذلك من حصل له النظر فينا يوم الجمعة أو الاثنين،يدخل الجنة بغير حساب ولا عقاب،إن لم يصدُر منه سبّ في جنابنا ولا بُغض ولا إذاية. ومن حصل له النظر في هذين اليومين فهو من الآمنين،إن مات على الإيمان،وإن سبق أنه يحصل له العذاب في الآخرة فلا يموت إلا كافراً.. __ (خاتمة الكتاب): قال مؤلفه وجامعه عليّ حرازم بن العربي برادة،المغربي الفاسي داراً ومنشأً،التجاني المحمدي حقيقة.. هذا آخر ما تيسّر لي جمعه من كلام سيدنا وشيخنا أبي العباس التجاني خوف التفريط والتضييع،وذلك أواسط ذي القعدة الحرام سنة أربعة عشر ومائتين وألف،وسيدنا في قيد الحياة.. ولم أزل ألحِقُ كل مسألة بمحلّها.. وقد ذهبت فيه مذهباً جميلاً وفصّلت الكلام فيه تفصيلاً،ولم آل مع تفصيله في ترتيبه وتنقيحه قدر الإمكان.. كل ذلك ممّا استفدت معناه واستشففت مدلوله ومجراه أو سألته عن حقيقة ذلك فبيّن لي معناه،فهو الذي نبّه وألهَم وعلّم وأفهم.. وما جمعت فيه من الأبواب،خصوصاً بابي الدلالة والكلام عن درر أسراره،وإنما جمعت من ذلك وأودعت هنالك ما أمكن ذهني التوصل إليه،وهناك ما لا يعلمه بالعقل الفاهمون،فأتيت من ذلك بالواضح واليسير.. الاستاذ رشيد موعشي

37 : عدد الزوار