شرح الصلاة 38

اللهمّ صلّ وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد وعلى ال سيدنا ومولانا محمد، النور البرزخي الجمعي،الذي أفاض الله عليه من كمالاته،و حلاه بأسمائه وصفاته.فكان حاجزا بين المخلوقات و صدمات التجليات،فلولا وساطته لما استطاع الوجود الصمود،ولإضمحل من حينه لإنعدام المجانسة والمناسبة مع الحق تعالى،فهو الرحمة المهداة﴿وما أرسلنٰك إلارحمةللعٰلمين﴾له على كل ذرة من ذرات الوجود نعمة الإستمداد.فلا دخول إلا من بابه،ولا شهود إلا فيه،ولا تجل إلا منه. وصحبه وسلم

.
النورالبرزخي الجمعي الذي أفاض الله عليه من كمالاته،وحلاه بأسمائه وصفاته

النبوة المحمدية نورٌ برقَ مِنَ الصفة الأحدية،ومِن شواهد حقانيّته قوله تعالى(مُحَمَّد وَهُوَ ٱلۡحَقُّ) (قَدۡ جَاۤءَكُم مِّنَ ٱللَّهِ نُور)، لهذا كانت النبوة برزخا عظيم الشأن جمَع وِجْهَتَيْن حقية وخلقية،لأنَّ تلك «الجمعية»هي قوامُ عمله العظيم في الوساطة بين الحق تعالى و بين الخلق،وقد جاء في الحديث(من رآني فقد رأى الحق)،ولله تعالى من الاسماءٌ 99 رئيسها إسم الجلالة (الله)،تحلت بها النبوة،هي الحيازة الكلية التي عبّر العارف عنها بتعبير(الجمعي)،فهو صلى الله عليه وسلم الخليفة المطلق على الكون،الجامع لكل تلك الكمالات الإلهية.

يقول الاستاذ المرشد(كل ما نحكي عن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هومن مشكاة القرءان لاغلو فيه…لا نؤلهه….هوعبد من عباد الله خصه الله بالخلافة الكونية ،واصطفاه لتدبير مراتب الوجود الأولية …اكبروأعظم صفة له صلى الله عليه وسلم هي كونه عبدا لله،بل اول عبد لله.. فاعرفوا نبيكم وعظموه في الدنيا قبل الآخرة..ففي الآخرة عظمته،وتقدمه على كل الخلائق ظاهر للجميع…..ولاترى أعينكم ما تراه الوهابية فيه صلى الله عليه وسلم.يرون فقير قريش اليتيم….جدد النظر ترى قائد الكون العظيم (ان الذين يبايعونك انما يبايعون الله).


فكان حاجزا بين المخلوقات وصدمات التجليات.

مِن مقتضيات عظيم رحمة النبوة بالعالمين أنَّ سيدنا و مولانا محمد النبي صلى الله عليه وسلم قائمٌ بين الحق والخلق ليس فقط مِن حيثُ كونه برزخا يوصل العطايا والقسائم الإلهية للعالمين،بل هو أيضا قائمّ حجابا حاجزا يَقي الخلائق مِن أهوال التجليات،لولا حجابيته لهلك السوى عن بكرة أبيهم (فَإِمَّا نَذۡهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنۡهُم مُّنتَقِمُونَ).إن شئتَ فقل يا ولي الله أنها شفاعةٌ محمديةٌ مُعَجَّلةٌ للمخلوقات في الحياة الدنيا،تحميهم من انصباب صدمات تجليات الأسماء الإلهية عليهم صبًّا،وهي أيضا شفاعة محمدية مؤجلة لتلك المخلوقات يوم القيامة،حيث يتجلى غضب الجبار سبحانه،فيخاف المقربون من الرسل والانبياء والملائكة الذين لايعصون الله قط ،فضلا عمن سواهم ،فلا يبق للخلائق إلاركن النبوة المحمدية الشديد يأوون إليه (ءَاوِیۤ إِلَىٰ رُكۡن شَدِید)،وانتبه يا ولي الله:(رُكۡن شَدِید) يعطيك حساب جُمله :(92×14)= أي (محمد×وهاب)…فتأمّل.. فهو صلى الله عليه وسلم الملجأ والأمان والحصن والشفيع لكل مخلوق في الحياة الآخرة ،تماما كما كان كذلك لكل مخلوق في الحياة الدنيا، لكن هؤلاء في الدنيا خفي عنهم عظيمُ أمره وعُلُوّ شأنه،حتى إذا ارتفعت الحجب وقام الحساب في الآخرة،عَلِمَ الجميع حق اليقين أنه ليس له إلاسيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم.


فلولا وساطته لما استطاع الوجود الصمود،ولإضمحل من حينه لإنعدام المجانسة والمناسبة مع الحق تعالى

وساطته وبرزخيته صلى الله عليه وسلم القائمة بين الحق والخلق،هي من أعظم الوظائف التي أناطها الحق سبحانه بحبيبه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فهو عين رحمته التي أرسلها لتسري في الكون،لتتقوّى بها الكائنات إمدادا،بعد أن كانت النبوة علةً لظهور تلك الكائنات إيجادا،فالنبوة لها على العالمين فضل الإيجاد وفضل الإمداد معا،ولولا النبوة لما كان للوجود وجود،فالحمد لله على سيدنا و مولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وساطته صلى الله عليه و سلم من معانيها أنَّ كل الخلائق منوطة به،كما قال القطب الشريف سيدي ابن مشيش قدس الله سره: (ولا شيء إلاوهو به منوط). شيء نكرة يفيد العموم.. بعثهُ الله تعالى واسطةً بين الألوهية والمألوهين،فهو صلى الله عليه نفَس الوجود وروح الوجود، وسِرُّالوجود الذي لولاه لانْهَدَّ الوجود وما استطاع الصمود أمام تدفقات التجليات الإلهية،لهذا ورد إسم محمد مُتَّحِدًا بإسم الله ونعته،وكلمة الشهادة هي “لا إله إلا الله محمد رسول الله”.ولو لم يكن هذا الإتحاد،لكانت هناك واو العطف ( لاإله إلا الله (و)محمد رسول الله)ولكانت هناك غيرية،وما صح التوحيد حينئذ. أما قول العارف«إنعدام المجانسة والمناسبة بين الحق تعالى و الخلق» فمن مقتضياتها أنَّ الحق تعالى أوجد العالم لمعرفة أسمائه وصفاته ،ومعرفة نبيه، مع غناه سبحانه المطلق عنهم (فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِیٌّ عَنِ ٱلۡعَـٰلَمِینَ)(إِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِیٌّ عَنِ ٱلۡعَـٰلَمِینَ)،فلا مناسبة بين الخالق والمخلوقات، لامناسبة بين القديم والمحدث،ولا بين الواجب الوجود والممكن الوجود. مجانسةُ النبوة لبساط الالوهية،أنّ سيدنا ومولانا محمّد صلى الله عليه وسلم نورٌإلاهي،فله وِجهة حقية كما سبق قوله(قَدۡ جَاۤءَكُم مِّنَ ٱللَّهِ نُور) وهومتردّي بحُلل الأسماء الإلهية بمقتضى الاستخلاف المطلق،وبمقتضى الميثاق المأخوذ له في عالم الشأنية والتقديرات الاولية﴿وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ﴾.

أما مجانسته صلى الله عليه وسلم مع الآدميين فهي المُعبَّرُعنها في مشربنا بالوِجهةٌ الخلقيةٌ بشاهد(قُلۡ إِنَّمَاۤ أَنَا۠ بَشَرمِّثۡلُكُمۡ) (وَقَالُوا۟مَالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ یَأۡكُلُ ٱلطَّعَامَ وَیَمۡشِی فِی ٱلۡأَسۡوَاقِ). لذلك أوجد الحق تعالى النّسبة مِن نوره( قَدۡ جَاۤءَكُم مِّنَ ٱللَّهِ نُور)نور النبوة ،ثم أوجد الخلق بتلك النسبة،أي بواسطتها ليعرفوه بها،فيجبُ أنْ تكونَ المعرفةُ بواسطة مُعَرِّفْ،والمعرِّف لايكون إلاَّمتصلا بالمعرَّف به،فلولا قيام وساطة سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم بين الحق والخلق،لما كان بإمكان هؤلاء على الصمود تحت حرارة التجليات الإلهية،هاته الوساطة حاضرة حتى لو كانت تجليات جمالية،كما حققه الأستاذ نفعنا الله به،بشاهد الآية ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍمَّا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾﴿وَمَا أَرْسَلْنَكَ إِلَّارَحْمَةً للعٰلمين ﴾﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ ﴾.


فهو الرحمة المهداة﴿وما أرسلنٰك إلارحمة للعٰلمين﴾

ما ثَمَّ في الوجود أعظمُ من مولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم نعمةً وفضلا وعظمة وعُلوًّا،وإرساله صلى الله عليه و سلم مِنْ قِبَل الله تعالى ليكون رحمة للعالمين،لم يكن عن سابقِ طلبٍ أو دُعاءٍ من العالمين ..العالمين هم المُهْدى إليهم والنبوة هي الهدية الواصلة والحق تعالى هو صاحب الهدية، والهدية أتتْ من غير كسب ولاطلب :

-فأين كانت الخلائق قبل مجيء الرحمة المحمدية؟

– متى طلبت الخلائق من ربها أنْ يرحمها بإرسال سيد الوجود إليها؟ -كيف يكون طلبك اللاحق سببا في عطائه السابق ؟

جلّ حكم الأزل أن ينضاف إلى العلل،كما قال بن عطاء الله روَّحَ الله روحه.. وقد علَّمَنا سيدُنا و مولانا محمد النبي صلى الله عليه وسلم أنَّ الهدية عربونُ المحبة وضامنها (تهادوا تحابّوا)،فوجَب أنْ نُحِب الهدية صلى الله عليه وسلم و بحبها نُحب من أهداها سبحانه،وهل الدين كله إلا محبة ومودة لله ولرسوله ولآل بيته ومن تبعهم من الصحابه و التابعين ؟!!! (قُل لَّاۤ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَیۡهِ أَجۡرًا إِلَّا ٱلۡمَوَدَّةَ فِی ٱلۡقُرۡبَىٰۗ)،فانظر كيف يصيرالحب والولاء والمودة وتعظيمُ الجناب أجْرًا لهذه الهدية العظمى.. فالحمد لله حق حمده ،على نبي الله عبدِه ،فهو أحقُّ مَنْ حمده و أول من عبَده،حمدا يجبُر كسْرَنا في العجزعن التحقق بحمد الله في إرسال محمده صلى الله عليه و سلم إلينا،حمدا يُلهمنا إياه بلسان مقاله المحمدي الشريف فيرفعُ عنّا عنَتَ عجز لسان حالنا ومقالنا في أداء حقوق حمده وشكره ويفتح لنا حقائق تعظيم شأنه.
له على كل ذرة من ذرات الوجود نعمة الإستمداد

الإستمداد طلبٌ للمدد،وبُغيَةَ التوجه بهذا الطلب، لابد أنْ يتحقَّقَ شَرْطُ كمالِ الجهة المُمِدّة،وشرط نقصِ الجهة المستمدة..النبوة المُمِدّة أرسلها الله للعالمين لتتمَّ بها الرحمة وتسري،فهي عين الرحمة،فكانت تلك السِّرايَةُ مِنْ أعظم وظائف النبوة في الكون،ومِن تلك الرحمة النبوية تفرَّعَتْ كُلُّ قسائم الأمداد التي يقوم بها هذا الكون ويستمر،في كل وقت وحين،كل الخلائق، مِن أصغرالذرات إلى أكبرالمجرات،وكل ما بينهما من كائنات،لها من النبوة نعمةُ الإستمداد ومِنَّةُ نوال العطايا الإلهية،تلك التي لا يمكن أنْ تصلَ مِنَ الحق تعالى إليهم إلابواسطة حبيبه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم،المرسول القائم برزخا قويا صادقا أمينا على إيصال القسائم إلى مَنِ إستأمنهم الله تعالى عليهم. بل إنَّ منَّة النبوة على العالمين كائنةٌ قبلا وبعدا،فكما كانت النبوة قاسمة للأمداد،دقيقها وجليلها بشاهد الحديث(إنما الله معطي و أنا القاسم) فهي كانت أيضا علةً للإيجاد (لولاك لولاك لما خلقتُ الأفلاك)،قال سيدي أحمد التيجاني قدس الله سره (فالوجود مخلوق لمخلوق.وانفرد الحق تعالى بالغنى المطلق.فهو تعالى غير محتاج لالكون ولا لأكوان ولاتنفعه طاعة ولا يضره عصيان .خلق الخلق للخلق لا له)، و لله درشيخ شيوخنا سيدي محمد ابي الفيض الكتاني روَّح الله روحه حين قال في قصيدته «الدرة البيضاء» متغزلا في الحقيقة المحمدية :

ومنها استفاضَ السقيُ بدءّا و عودةً ●

عليها و منها الكائناتُ اسْتمدَّتِ

من رشحات بحرأمداد سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه و سلم:

1- أنّ له الأسبقية في الظهور أي يكون وجوده سابقا لوجود الخلائق. قال تعالى﴿الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾فلمن ياترى علم القرآن قبل خلق الإنسان؟(قُلۡ إِن كَانَ لِلرَّحۡمَـٰنِ وَلَد فَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلۡعَـٰبِدِینَ) اية تبين أن سيدنا ومولانا محمدا صلى الله عليه وسلم له الأولية في الوجود..فلا شك انه هو الذي علمه الحق القرءان قبل خلق الانسان.

2 -أنّ له النيابة في الظهور،قال تعالى﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾﴿وَمَارَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ﴾ قال صلى الله عليه وسلم “من رأني فقد رآى الحق” فأنابه منابه”،”وأقامه مقامه.فلايذكر الله الا ويذكر معه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وقد سبق الحديث عن مدد النبوة للكون في الشرح 37 فليراجع في بابه .

3-أنّ له إطلاقية التصرف،حلا وعقدا،قال الحق سبحانه:(هَـٰذَا عَطَاۤؤُنَا فَٱمۡنُنۡ أَوۡ أَمۡسِكۡ بِغَیۡرِ حِسَاب) ولو كان الخطاب لسيدنا سليمان لما انقلب الضمير ولقال القرءان و إن لـــــــك عندنا لزلفى وحسن مآب)،كما قال الاستاذ نفعنا الله به .

4- أنّ المدد النبوي يحيط بكل العالمين جملة وتفصيلا ويسقيهم في أقل من لمحات البصرزمنا وسرعة،قال الختم الأكبر سيدي محمد ابي الفيض الكتاني روح الله روحه في قصيدته «الدرة البيضاء» :

و جوهرة التحقيق منْهَلُ فيضِها●●

يمُدُّ جميع الكائنات بِسُرْعَةِ

5-أنَّ المدد النبوي مستمرٌ بلا انقطاع، في الدنيا و الآخرة معا،قال رضي الله عنه :

ففي نَفَسٍ أو دُونهُ لو تعطّلَتْ ●●

عن السَّقيِ ذراتُ الوُجُودِ لَهُدَّتِ

فالحمد لله على سيدنا و مولانا محمد نبي الله صلى الله عليه و سلم.


فلا دخول إلا من بابه

قال قائل من القوم رضي الله عنهم :

فأنت باب الله أي امرئ ●●

اتاه من غيرك لا يدخل

فلادخول من أيِّ بابٍ في الدنيا ولافي الآخرة،إلا من باب سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم، كل الابواب دون بابه موصدة، فهو باب الوجود وعِلتُه ، إذ به دُشِّنت الحياة خروجا مِن عدمٍ لوجود،فكان بابا دخلتْ منه كل الخلائق إلى بحبوحة كنف رحمته،وهو بعدُ كان بابا لكل الخيرات بظهوره الشريف من أم وأب طاهرين،وهوالفاتح لباب الجنة و اول من يدخلها..وما خُلِقَتِ الجنة و سواها إلا من أجله.فافهم قدر هذا النبي العظيم يا ولي الله ولا تكن ممن ، كما قال الفحول مشايخنا رضي الله عنهم.


ولا شهود إلا فيه

رقيقة عرفانية غاية في التحقيق..

كيف تكون النبوة هي أفضل غاية في الشهود ؟

و كيف لا يكون الشهود إلا فيه؟

مُذْ برق نور النبوة من الأحدية،والنبوة ترتقي في مراتبها دائما وأبدا،ترقيا ذاتيا لها،إذ أنَّ الأحدية صفة إلاهية،وهي كمالٌ،ولايصدر عن الكامل الا الكمال…فالنبوة لها الكمال،فمن شهد النبوة فقد شهد الحق ( من رآني فقد رآى الحق) ..انتبه إلى كلمة «رآني».. فالرؤية تفوق النظر..والرؤية شهود،فهو المرئي المشهود وهو مطية الشهود صلى الله عليه و سلم (بِهِۗ ٱنظُرۡ كَیۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡـَٔایَـٰتِ ).. [بِهِۗ ٱنظُرۡ]..فافهم يا ولي الله، و لله درّ العارف الختم سيدي ابي الفيض محمد الكتاني حين قال :

فاشهدوا نورَ ربي ●●

بالحبيب مولاي محمد

إنه مرآةُ حقٍّ ●●

بالحبيب مولاي محمد

عاينتْ عينايَ نورا ●●

بالحبيب مولاي محمد

فالشهود لايمكن إلا فيه وبواسطته صلى الله عليه وسلم،فهو محل الشهود وبساط الرؤية وواسطة النظر وذلك بأمرين (على سبيل ضرب المثل لا الحصر ، فالنبوة لها وصف الإطلاق ولايحاط بها ) :

أولا- أنّ التجليات الإلهية لا تظهرُ إلابواسطة النبوة ،ولذلك فشهود ظهورها لايتأتّى إلابتعريفٍ من النبوة و بتعريف من القرآن ،بمعنى أنَّ شهود تلك التجليات لاسبيل لمعرفته إلامن خلال معرفة الصفة الأحمدية والموصوف بها المحمدية،لذلك نقول في المشرب الفاطمي : (معرفة النبوة بالقرآن ومعرفة القرآن بالنبوة) ، هاته المعرفة لايُداخلها شيطان ولايمازجها هوى،فالنبوة لايتمثل بها شيطان والقرآن لايأتيه الباطل من بين يديه ولامن خلفه (قد جَاۤءَكُم مِّنَ ٱللَّهِ نُور وَكِتَـٰب مُّبِین)نورالنبوة ونورالقرآن،نورعلى نور،فما ظنك ياولي الله بنورٍ واحد له وِجهتين،محمدية و أحمدية ؟ لاريب أنَ المعرفة الفائضة من ذلك النور مصونة معصومة .

ثانيا- شهود رؤية الربوبية في الآخرة لن يقع إلابواسطة النبوة و من خلال مراتبها،فالذات الإلهية لها الغنى المطلق عن العالمين في الدنيا والآخرة،فلا مجانسة بينها وبين المخلوقات البتة كما تقدّم ذِكرُهُ، وهذا سبب قيام النبوة برزخا قائما بين الحق والخلق،دنيا و آخرة. ومن تمام تلك البرزخية،أنَّ شهود الخلائق لربها لنْ يتمَّ إلابرؤيةِ مرتبةٍ ما مِن مراتب النبوة،لا علم لنا لها (وُجُوه یَوۡمَىِٕذ نَّاضِرَةٌ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَة)،وارجِعْ لقول سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم (من رآني فقد رآى الحق ) . فالنبوة اتصفت بالربوبية،فهي ربٌّ وعبدٌ،رب لأنه سيدُ الوجود ورحمة العالمين وقاسمٌ لعطايا الله تعالى عليهم دنيا وآخرة،وهو صلى الله عليه وسلم عبد ، و صفة العبدية من أعظم صفاته صلى الله عليه وسلم التي خاطبه بها الله سبحانه..فكما أنه لا شهود في الدنيا إلا لقسائمه صلى الله عليه وسلم الخارجة من خزائنه ترديا بالأسماء و الصفات الإلهية و التي هي مناط قيامه بحق الخلافة المطلقة عن الله تعالى في كونه، فهو أيضا بساطٌ منه يكون شهود الربوبية الذي ستراه الخلائق في مرتبة من المراتب.فافهم يا ولي الله تغنم.و سَلِّمْ تسلم .

ومن كمال قيامه بالشهادة ما جاء في الآية الكريمة (یَـٰۤأَیُّهَا ٱلنَّبِیُّ إِنَّاۤ أَرۡسَلۡنَـٰكَ شَـٰهِدا وَمُبَشِّرا وَنَذِیرا)،وطالما أن المناسبة شرط ،فسنقف عند الكلمة «شَـٰهِدا». في مشربنا الفاطمي المنيف أعلى الله مناره،نقول أن الحروف ركائز تقوم عليها الكلمة القرآنية وحذف الألف في كلمة(شَـٰهِدا)يفتح باب التفاوت في درجات تلك الكلمة من حيث معانيها،فلحذف الألف من هاته الكلمة دواعي منها :

1-أنَّها شهادةٌ لا تنحصر بزمن،بل هي كانت قبل القبل وستبقى بعده، لأن الشهادة مرتبطة بصاحبها صلى الله عليه وسلم ،والشاهد لا بد أن يكون حاضرا مراقبا محيطا بما يشهده،و إلا فما فائده وصفه بأنه شاهد ؟.

2- أنَّها حاكمةٌ مراقِبةٌ للوجود ودوائره، لا يعلم حصرها إلا الله و نبيه صلى الله عليه وسلم .

3- أنَّها كامنةٌ باطنةٌ في كل ما جاء به نبي او رسول سابق فلها الهيمنة… 4-انها شهادة محمدية مطلقة يستحيل حصر صورها و وظائفها الشهادية..فهي صفة لها ذاتية…

5-أنّ حذف الألف ، هو من باب الرحمة من وَجهين :

أولا- لو ثبَت الألف لكان الكلُّ مجبَرًا على الإقرار بشهادته صلى الله عليه و سلم ..

ثانيا- فتحُ الباب لانتقال الشهادة العظمى وسريانها إلى نوابه(الرسل و الانبياء عليهم السلام) في كل عصر ومصر،ثم بعدهم إلى خلفائه في أمته المرحومة قال تعالى: (وَكَذَ ٰلِكَ جَعَلۡنَـٰكُمۡ أُمَّة وَسَطا لِّتَكُونُوا۟ شُهَدَاۤءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَیَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَیۡكُمۡ شَهِیداۗ.). ما قال : ليجعلكم شهداء…بل : لتكونوا شهداء … انتقل سر النبوة الشهادي واستقر في ذوات أكابر الأمة و فحولها من الأولياء..فاستقرت الصفة في وجدانهم فصاروا للنبوة مظاهرا:(حتى كدت أن أقول انا هو)،كما قال شيخ شيخنا مولاي عبد السلام قدس الله سره، كأنَّ الشهادة حين أتوا بها: لم تكن لهم بالجعل…بل كانت لهم صفة …فسبحان الله ما أعظم رحمة النبوة …هي صاحبة العطاء والمنة و تنسب لهم … قال تعالى (یَـٰۤأَیُّهَا ٱلنَّبِیُّ إِنَّاۤ أَرۡسَلۡنَـٰكَ شَـٰهِدا وَمُبَشِّرا وَنَذِیرا وَدَاعِیًا إِلَى ٱللَّهِ بِإِذۡنِهِ وَسِرَاجا مُّنِیرا وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ فَضۡلا كَبِیرا)هنا خاطب للنبوة بأنه ارسلها.فبين تقدم النبوة على الرسالة في عالم الظهور.وبين مقتضيات الرسالة الخمس: شاهد/مبشرا/نذيرا/داعيا الى الله/سراجا منيرا..والشاهد هنا شاهد على الكون واهله.وهو شاهد هي شهودا وشهادة. شهودا من حيث انه مشاهد للكون واهله وشهادة بحيث انه مخاطَب مسؤول عما يفعلون. تعرض علي اعمالكم.(الحديث).


ولا تجلٍّ إلا منه.

مامِن تجلٍ إلهي إلاّوهو من النبوة آتٍ… ما معنى التجلي ؟

التجلي الظهور،والمقتضى المظهر والصورة والأثر. ذكر شيخنا رضي الله عنه في شرح صلاة الهيولى أنّ كل إسم من الأسماء الإلهية يقبل صورا لانهاية لها في الظهور،إذ هي مقتضياته …التجلي ظهور ربوبية وأسماء وصفات إلهية بلا كيف،والمقتضى الكوني الأثر اللازم للتجلي والناتج عنه. فقول العارف (ولاتجلٍّ إلامنه) هي عبارةُ تحقيقٍ عرفانيٍّ بالغ،فكل التجليات الإلهية لا تمرُّ إلاَّ من مشكاة النبوة،وهذا من مستلزمات قيامه صلى الله عليه وسلم برزخا بين الحق و الخلق،لأنَّ كل التّجليَّات الإلهية تستلزم وساطة مولانا محمد صلى الله عليه وسلم لكي تظهر مقتضياتها أولا وليكون وجود اللطف فيها ثانيا .

من الشواهد القرآنية على خروج تلك التجليات منه صلى الله عليه وسلم،ما أورده استاذنا نفع الله به في كلامه عن قول الله عز وجل« وَكُلَّ شَیۡءٍ أَحۡصَیۡنَـٰهُ فِیۤ إِمَام مُّبِین »(سورة يس 12) قائلا ( « وَكُلَّ شَیۡءٍ » فعمَّم ولم يستثنِ شيئا،فكل شئ أُحْصِيَ في هذا النبي الكريم،إذ هو الامام المبين،وهوالمُطَّلع على المقتضيات كلها “أَحۡصَیۡنَـٰهُ “اي صلى الله عليه وسلم حصره وعرفه،وأحاط به،ومن أسمائه عز وجل (المُحْصِي)وهو صلى الله عليه وسلم تحلى بهذا الاسم،و اصطحب معه،كما مع باقي الاسماء والصفات الالهية )،فالعلوم الكونية الملكية والملكوتية الظاهرة والباطنة،كلها مرتوقة في نور النبوة…ما من شيء إلا وهو مَحصِي عندها و لايخرج إلا من خزائنها، كما قال الاستاذ نفع الله به،وصلى الله على سيدنا ومولانامحمد نبي الله وعلى الزهراء بَضعة رسول الله وعلى آله وصحبه.
الاستاذ ابن الهاشمي غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين والمسلمات.

248 : عدد الزوار