شرح الصلاة 39

شرح الصلاة 39
اللهّمَّ صل وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد وعلى ال سيدنا ومولانا محمد، النبوة الأزلية،المتحلية بجميع الأسماء الإلهية﴿ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه﴾لها الغنى والرضى،والإستجابة،والقضاء،والحكم.لبست حلل الكمال فنابت عن الحق في الظهور(مَنْ رآني فقد رأى الحق)وفي الكلام ﴿إنه لقول رسول كريم﴾ خاطبتْ وسمِعتْ،تجلَّتْ فشوهدت، فتشابه الأمْر وتشاكل الخبر، فالثلج غيْرُالماء في ظاهره،وعين الماء في حقيقته. فزلّت الأقدام،وأصاب الذّهل الأقلام،وكلما اتسعت الرؤيا ضاقت العبارة.فظنّ بعضهم أنه بين يدي الحق يخاطبه ويرى الجلالة.ونطقوا على لسانها بالرمز والإشارة. وتارة تظهر لهم بالوجهة الخلقية،فيبدوالأمر كأنما هناك إتحاد، أو حلول.فالأسماء الإلهية أسبغت على النبوة أوصاف الربوبية،ولا وجود لعارف بالذات الإلهية.فمن إطلع على مكنون المحمدية.وعرف المقتضيات الأسمائية.فقد حاز على المعرفة والعلوم الربانية.فما سمعوا إلا منها﴿ونبِّئهم أنَّ الماء قِسمةٌ بينهم﴾ ولاوصول إلا إليها،ولا رؤية إلا لها﴿إن ربهۥ كان بهۦ بصيرا﴾ فالمعرفة الصحيحة هي معرفة مولانا رسول الله* رفعت الأقلام،وجفت الصحف*وصحبه وسلم.
النبوة الأزلية
الأزلَ نفيٌ الاولية ،وهي الأزلية باعتبارها نورًا إلهيًا بارقًا مِن الصفة الأحدية،أي من بُطنان الأزل،و(زمنُ) بروق نورالنبوة من الصفة الأحدية وحيثياته ومتعلقاته، كلها تدخُل في لوازم المعرفة بالحقيقة المحمدية وهذا أمر محال للسوى،لأنَّ ذلك مِنَ الغيب المُطمْطم (ما عرفني حقيقةً غَيرُ ربي)،فجاء التعبير بأزلية النّبوة تنزيهًا لها أنْ تُقْـرنَ بزمنٍ معلوم يُقيِّدُها،لأنَّ النبوة شأنُها عظيم و لها وصف الإطلاق وبُرُوقُها مِن الأحدية هو مِن معاني وجهتها الحقية التي تستلزم وصفها بوصف الأزل، و من كان له وصف الأزل،لا شكَّ يصحبه وصف الأبد.
المُتحليّة بجميع الأسماء الإلهية﴿أَلَّا تَعۡبُدُوۤا۟ إِلَّا ٱللَّهَۚ إِنَّنِی لَكُم مِّنۡهُ
النبوة لبسَتٔ كُلَّ الحلل وتردَّتْ بكل الأردية الإلهية أي الأسماء و الصفات، لكنها مع ذلك التردي واللباس،تبقى لابسةً حلل العبدية،فمِن أرقى صفات النبوة كونُها عبدا لله بل أول عابد( قُلۡ إِن كَانَ لِلرَّحۡمَـٰنِ وَلَد فَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلۡعَـٰبِدِینَ)،وما أجمل إستشهاد العارف تدليلا على ذلك من خلال الآية(أَلَّا تَعۡبُدُوۤا۟ إِلَّا ٱللَّهَۚ إِنَّنِی لَكُم مِّنۡهُ):فهذا الوقف القرآني الجليل يُصرِّحُ أنَّ سيدنا و مولانا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله،هو العابدُ المطلق و الداعي لعبادة ربه وحده(أَلَّا تَعۡبُدُوۤا۟ إِلَّا ٱللَّهَ): (أَلَّا تَعۡبُدُوۤا) هو إظهارٌ لنفي العبادة،﴿إِلَّا﴾ أداة حصرٍ اقترنتْ باسم الجلالة (إِلَّا ٱللَّهَ) فأفادتْ إثباتَ العبادة له وحده ونفيها عمّن سواه سبحانه،ومع تحقُّقِ نفي العبادة لغير لله ،أثبتَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم نسبته ممن أرسله سبحانه (ٱللَّهَ إِنَّنِی لَكُم مِّنۡهُ)،فهو صلى الله عليه و سلم مِن الله سبحانه وتعالى،(رَسُولٌ مِّنَ ٱللَّهِ یَتۡلُوا۟) (قَدۡ جَاۤءَكُم مِّنَ ٱللَّهِ نُور وَكِتَـٰب مُّبِین).
هذا النبي عظيم الشأن ،حلاّه الله تعالى و ألبسه جميع أسمائه و صفاته،والقرآن العظيم ناطقٌ شاهِدٌ على كلِّ تلك الحُلل والكُسى الإلهية التي اكتساها سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله،و منها أنَّ له: – الغنى : بشاهد (وَمَا نَقَمُوۤا۟ إِلَّاۤ أَنۡ أَغۡنَىٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ مِن فَضۡلِهِ)ولم يقل من فضلهما.
-الرضى: (وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥۤ أَحَقُّ أَن یُرۡضُوهُ) ولم يقل يرضوهما. -الإستجابة: (ٱسۡتَجِیبُوا۟ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمۡ ) ولم يقل إذا دعوكما. – الحكم و القضاء: (فَإِن جَاۤءُوكَ فَٱحۡكُم بَیۡنَهُمۡ) (فَٱحۡكُم بَیۡنَهُم بِمَاۤ أَنزَلَ ٱللَّهُ)واقرأ ياولي(فَلَا وَرَبِّكَ لَا یُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ یُحَكِّمُوكَ فِیمَا شَجَرَ بَیۡنَهُمۡ ثُمَّ لَا یَجِدُوا۟ فِیۤ أَنفُسِهِمۡ حَرَجا مِّمَّا قَضَیۡتَ وَیُسَلِّمُوا۟ تَسۡلِیما)،وانظر لأفعال المضارعة(یُحَكِّمُوكَ)..(وَیُسَلِّمُوا۟) فهي تفيدُ مطلقَ الزمن واستمراره دون قيدٍ ولاتحجير،(وَیُسَلِّمُوا۟ تَسۡلِیما)ولم يقل و يسلموا سلاما،بل هو السلام المفيد لتحية التعظيم له ، المصحوب بتسليم الأمور له صلى الله عليه وسلم وعلى آله،فهو لم يزلْ حاكما مُذْ كان،والتسليم له سيبقى لسرمد الأزمان،واحذر يا صاحِ أنْ تكون ممن ينازعون الله تعالى ونبيه صلى الله عليه وسلم أمرا(لَا یَجِدُوا۟ فِیۤ أَنفُسِهِمۡ حَرَجا مِّمَّا قَضَیۡتَ)،وانتبه لفعل المضارع (قَضَیۡتَ)،فاللهُ تعالى قد أولى نبيه صلى الله عليه و سلم قبلي وقبلك وقبل العالمين مقاليدَ القضاء في زمنٍ مضى وحُسِمَ ،فهو كما كان عين قضائه و قدره كما عُلِم، فهو عين رحمته صلى الله عليه به، ألَا فمَنْ وجَد في نفسه حرجاً حُيال ذلك القضاء والحكم النبوي،فليراجع إسلامه و إيمانه وليرجع للطريق السوي .
ما من صفة إلهية إلّاوتجدُ القرآنَ قد أخبرنا أنها مخصوصةٌ لسيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم و على آله،فقد جمع اللهُ نبيه معه في إغداق النعمة والإنعام (وَإِذۡ تَقُولُ لِلَّذِیۤ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَیۡهِ وَأَنۡعَمۡتَ عَلَیۡهِ)،وقرَن براءته تعالى ببراءته(بَرَاۤءَة مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ)،ومحاربة الله بمحاربة رسوله(ٱلَّذِینَ یُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ)،ثُـمَّ استرسل العارفُ في صلاته بيانا للنعوت القرآنية التي مدح الله تعالى بها عبده و نبيه وحبيبه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله فقال :

لبِسَتْ حُللَ الكمال فنابت عن الحق
في الظهور (من رآني فقد راى الحق)
مِن كمال الذات النبوية وعلوّ شأنها ،أنَّ ظهُورَها هو ظهورُ للحقِّ،لأن النبوة ذاتٌ لها وِجهة حقية،فهو صلى الله عليه وسلم و على آله الفذُّ الأوحدُ الذي أقامهُ الله مقام الظهور به دلالةً عليه ،لا ضرَّةَ له في الكون في ذلك ، فالنبوة المحمدية في أصل بروقها من الصفة الأحدية لها وِجهة حقية كاملة ، لم تفارقها مع ظهورها في قالب بشري طاهر،فلم يكن له صلى الله عليه و سلم ظلٌّ ظاهر،وكان يرى من خلفٍ كما من أمام ، و كان يبيت عند ربه يطعمه و يسقيه دون الأنام،و يظهر أثره الشريف في الصخر ولايُرى في رمل أوصعيد،فهو الخليفة الأعظم الذي ظهَر بكل أسماءِ وصفاتِ من استخلفه دون سائر العبيد،فالنبوة كمالُ مُطلق ولبستْ حلل الكمال المطلق، فهي من ثمَّ أحقُّ مَنْ يظهَرُ الحق تعالى به، قال العارف المحقق قدس الله سره في كتابه « أسرار و حقائق بين معشوق و عاشق» ( أنت خليفته،بك تردَّى، وعليك استوى،و بك تجلى.أنت يد الله فكيف لا يكون عطاؤك كريما.بالله سلطانك فكيف لا يكون سلطانك عظيما) الصلاة ١١٠، من أجل ذلك كله اشتدت الحيرةُ في أمر النبوة العظيم ، رحمنا الله به إقرارا له بكمال التسليم .
وفي الكلام ﴿إِنَّهُۥ لَقَوۡلُ رَسُول كَرِیم)
كلام سيدنا و مولانا محمد صلى الله عليه وسلم و على آله هو من صفات هذا الكمال المطلق، و في الآية التي يُستدَلُّ بها (إِنَّهُۥ لَقَوۡلُ رَسُول كَرِیم ) ، تصريحٌ أنَّ القرآن هو قولٌ له صلى الله عليه و سلم و على آله (وَمَا یَنطِقُ عَنِ ٱلۡهَوَىٰۤ إِنۡ هُوَ إِلَّا وَحۡی یُوحَىٰ) ، جاء في الحديث النبوي الشريف ( أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ) القرآن هو صفته (وَمِثْلَهُ مَعَهُ) أي حديثه الشريف المفصل للأحكام و الحِكم.
قالت مولاتنا و أمنا عائشة الصّديقة بنت الصّديق رضي الله عنهما: (كان خُلقه القرءان)، وهذا مِن أبلغ ما قيل في التعبير عن الصفة التي اتصف بها سيدنا و مولانا محمد صلى الله عليه وسلم: فالقرآن هو ، وهو القرآن، من أجل تلك الإشارة قال العارف سيدي عبد الكريم الجيلي روّح الله روحه في الكمالات:( إعلم أن كلام الله صفته،لأن الكلام صفة المُتكلّم )، فالكلام صفة المتكلم ، الكلام قرآن و المتكلم به النبوة ، فهي صفته و هو الموصوف بها ، وهذا جوهر المعرفةِ الجامعِ في مشربنا الفاطمي المحمدي العالي الموسومِ بكونهِ ( معرفةُ النبوة بالقرآن و معرفة القرآن بالنبوة) ، معرفةً منه صلى الله عليه و سلم إليه .فالحمد لله به صلى الله عليه وسلم و على آله على ذلك.

خاطَبَتْ وسَمِعَتْ ، تجلَّتْ فشُوهِدَتْ
خاطَبَتْ مَنٔ؟ وسَمِعَتْ مِمَّنْ؟ تجلت لمن ؟ و كيف شوهدت؟الجواب أعمق مما يُظن، لأنَّ عليه مدارُ معارف راقية ، و مناطُ حقائق غالية: فهل سيدنا و مولانا محمد صلى الله عليه وسلم و على آله خاطب فقط من كان معه في زمنه و مكانه و سمع منهم ؟ سنرجع للجواب في آخر الشرح بإذن الله .
الوِجهة الحقية التي ظهر بها سيدنا و مولانا محمد صلى الله عليه وسلم و على آله هي المشهودة ، فهو واسطة التجلي و غايته في الآن عينه ، لأنه سدرة منتهى المخلوقات، وهو المشهود المقصود (فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) ،قال مرشدنا الاستاذ بن المبارك نفع الله به في الموقف ١١٠ (هو الحجاب الأعظم.وبما أن وجهته الحقية ظهر فيها بأوصاف الربوبية،ظنّ البعض أنهم يُخاطبون الله،وأنهم واقفون أمام الحق سبحانه،ويسمعون منه،وهم لم يَرَوا إلا هذه الوجهة الحقية لمولانا رسول الله (من رآني فقد رأى الحق) ).انتهى.
من أجل ذلك ، كانت رؤية سيد الوجود صلى الله عليه وسلم و على آله أقصا آمال العارفين ، قال شيخ شيوخنا سيدي محمد أبي الفيض الكتاني الشهيد رضي الله عن الجميع في صلاة القاسم المعروفة ( و أشْهِـدْنِيه حتى أتحقّـقه وجدانا و عيانا)،فمن طَلب الرؤية الشُّهودية في الوجدان أي أنْ تستقر الصفة في وجدانه فلا تفارقه أبدا ثم طلبها عيانا فيرى منها و يسمع ، فقد جمَع بين الصحبة (أصحابي كالنجوم) الحديث و الأخوة (وددنا لو رأينا إخواننا) الحديث ، فيا سعداه، وقد كان جَمْعٌ من ساداتنا الأولياء يقولون (لو احتجب عني رسول الله صلى الله عليه وسلم و على آله ما عددت نفسي من المسلمين) و قال آخر (لو حُجبَتْ عني حقيقته الأحمدية لحظة، ما عددت نفسي من الحصا )
فتشابه الأمر وتشاكل الخبر، فالثلج غير الماء في ظاهره،وعين الماء في حقيقته.
هذه إشارة إلى حُلَل الأسماء و الصفات الإلهية التي ظهرت بها الحقيقة المحمدية وقد أومأ إليها غير واحد من ساداتنا العارفين و ضِمنهم الإمام الجنيد رضي الله عنه حين قال:
رَقّ الزجاج وراقت الخمر= وتشابها وتشاكل الأمر
فكأنّا خمر ولا قدَحٌ=وكأنما قـدح ولا خمر
فتشاكل على الرائي أمر سيدنا و مولانا محمد صلى الله عليه وسلم و على آله ، كيف لا ، و المولى صلى الله عليه و سلم و على آله لهُ وِجٔهَةٌ إلى الحق كاملة ، كما أنَّ لهُ وِجٔهَةٌ إلى الخلق واصلة ، ولبيان هذا الجمع بين الأضداد ، الذي لم يؤتاه أحدٌ قط، أكمل العارف صلاته فقال لله دَرُّه:

فزلّت الأقدام، وأصاب الذهل الأقلام،وكلما اتسعت الرؤيا ضاقت العبارة.فظن بعضهم أنه بين يدي الحق يخاطبه ويرى الجلالة.
النبوة المحمدية هي الواسطة القائمة برزخا أوحدا بين الحق سبحانه و بين خلقه، فهو المُخاطَبُ الوحيد من لدن الله تعالى و ما سمع من الله تعالى إلا حبيبه صلى الله عليه و سلم و على آله، خاطب الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم و على آله وهو خاطب الخلق ، لذا فالحق لا يخاطب أحدا غير حبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلم و على آله لوجود مجانسة حقية بين الحبيب و محبوبه.
أما القولة البليغة «كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة»، فهي منسوبة للشيخ النفرّي روّح الله روحه، حيثُ أوْرَدَها في الموقف الثامن والعشرين من كتابه العجيب «المواقف و المخاطبات» ، وقد استعارها صاحب هاته الصلاة من أجل الدلالة على أنّ ما يُكرم الله به أولياءه العارفين من الفتوحات و المواهب و الأذواق ، لن تسعفها العبارة وصفا أو تسطيراً على الأوراق ، فهي عطايا معنوية لها ارتباط بفتوح عالية ، وليس من المُتأتّي ترجمة تلك العطايا إلى كلمات و حروف ، إذ لا جَرَمَ تضيقُ المباني الظاهرة الحسية، بأحمال المعاني الباطنة و مراميها القدسية ، إلا على فحول أولياء معدودين ، ممن جمعوا بين علوّ المعارف و مُكْنَة التعبير عنها و المسمى عند القوم ب «فتح العبارة»، وهذا الجمع بين علو الحال و فتح المقال هو من مطالب السادة الأكابر قال الأستاذ المرشد نفع الله به (و اسقني مِن لسانه فأنال فتحَ العبارة وأكون من الأختام. و أملك مفاتحا مِن أسرار القرءان.وأتبوأ مِن جنة المعرفة والعرفان )الصلاة ٤٥ من أسرار و حقائق.
ونطقوا على لسانها بالرمز والإشارة:
أهل الله حين لم تبق منهم بقيةُ رعونة و لا حظوظ نفس ، أصبحوا شهداء دُلاّلا ، لا ينطقون إلا بلسان محبوبهم صلى الله عليه و سلم و لا يُشيرون إلا إليه، فجاء كلامهم حاويا للعجائب و الفرائد ، قال أستاذنا المرشد في ذلك المعنى (توجَّهتْ قلوب الصوفية،وهممهم إلى الله، وألقوا عنهم ما تمسك به غيرهم من دعوى البحث،و النظر الفكري،وطهروا قلوبهم من الأخلاق الذميمة،و زينوا جوارحهم بالطاعة،فعدل القوم إلى الإشارات كما عدلت مريم الصديقة،من أجل أهل الإفك إلى الإشارة).
من اجل ذلك يا ولي الله ، ستعثر على كثير من ساداتنا فحول الأولياء يتحدثون بلسان الحقيقة المحمدية، عبر كلام منثور او قصائد منظومة ، غالبا ما كانت تأتي على شكل قصائد تائية ( ينتهي رَوِيُّها بحرف التاء) ، إشارةً لاستهلاكهم في المحبوب المحمدي و ربط قطرتهم ببحره العظيم ، نذكر منها تائية ابي الفيض الكتاني و تائية ابن الفارض الكبرى المسماة بـ «نظم السلوك» و تائية الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي المسماة ترتيب السلوك وتركيب إكسير الملوك -و تائية مولاي عبد القادر الجيلاني و تائية سيدي محمد الحراق ، وقد اوصلها البعض عَداًّ إلى نحو عشرين ( للتوسع يرجع مطالعة موضوع تائيات الصوفية في مدونة المعهد الفاطمي المحمدي).
وتارة تظهر لهم بالوجهة الخلقية،فيبدو الأمر كأنما هناك إتحاد، أو حلول. فالأسماء الإلهية أسبغت على النبوة أوصاف الربوبية
كما ظهرَتْ النبوة المحمدية العظيمة بأوصاف إلهية حقيّة ، فانها ظهرتْ أيضا بأوصاف بشرية خَلقية، فجمعت ين الاضداد، وهذا من سمات الكمال المطلق لسيدنا و مولانا محمد صلى الله عليه وسلم و على آله، فإن استشكل الأمر عليك يا ولي الله ، فاستحضر الحديث القدسي (مَن عادَى لي وَلِيًّا فقَدْ آذَنْتُهُ بالحَرْبِ، وما تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بشَيءٍ أحَبَّ إلَيَّ ممَّا افْتَرَضْتُ عليه، وما يَزالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بالنَّوافِلِ حتَّى أُحِبَّهُ، فإذا أحْبَبْتُهُ، كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذي يَسْمَعُ به، وبَصَرَهُ الَّذي يُبْصِرُ به، ويَدَهُ الَّتي يَبْطِشُ بها، ورِجْلَهُ الَّتي يَمْشِي بها، وإنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، ولَئِنِ اسْتَعاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ..)، و تمعّن كيف استبدلَ الحقُّ تعالى أوصافَ وليّ من أولياء الأمة المحمدية بأوصافه سبحانه ، دون حلول و لا اتحاد ، وهو ما أشار له بن عطاء الله السكندري في حِكمه ( تحققْ بأوصافك يمدك بوصفه، و تحقق بذلك يمدك بعزه، و تحقق بعجزك يمدك بقدرته، و تحقق بضعفك يمدك بحوله و قوته).. أفلا يكون حبيبه صلى الله عليه وسلم و على آله أحق بالاتصاف بأوصافه الكمالية و أجدر بالتردي بأسمائه الإلهية ؟و هو صلى الله عليه و سلم الذي أقامه الله سبحانه مقام خليفته على كونه و رحمة للعالمين جميعا ؟ فافهم.

ولا وجود لعارف بالذات الإلهية:
حينما يُطلق القوم رضي الله عنهم مسمى «عارف بالله» ، فلا ينصرف الأمر لتوصيف شيخ من الأولياء حاز معرفة الله من حيث الذات ، بل من حيث ما أوقفه الله عليه من فتوح و مواهب تدور على المرتبة، لا على الذات العلية ، قال الشيخ الأكبر ابن عربي في احدى رسائله (عارف بالله أي عارف بما اقتضته مرتبة الألوهية التى هي رئيسة الأسماء ٩٨ ، لا أنه عارف بالذات الإلهية بل الجاهل بالذات هو العارف ،ومن ادعى المعرفة بالذات فهو الجهل بعينه)، فمناط معرفة العارف هو إطلاعه على المقتضيات الأسمائية و انفعالها في الكون و ارتباط ذلك كله، قبلا و بعدا بسيدنا و مولانا محمد صلى الله عليه وسلم و على آله و ما يوصل لذلك من معارف لدنية في الكتاب المجيد و الأنْفُس و الآفاق، قال شيخنا نفع الله به في المواقف الأحْمَديَّة و الفيُوضات المُحَمَّديَّة ( العارف بالله هو الذي يعرف القرءان بسيدنا محمد،ويعرف سيدنا محمد بالقرءان. العارف هو الذي يعرف أن التجليات الإلهية هي المُتَصرّفة في الكون والماسكة لزمامه،والكون تحت سلطانها وما قَبلته طِباعنا وما لم يوافقها رفضناه ،ما أدركنا حقيقته وما خفيت علينا ،ما أبصرناه وما لم يدركه بصرنا) الموقف ١١١.

فما سمعوا إلا منها ﴿ونبئهم أن الماء قسمة بينهم
هذا المقطع من الصلاة الكريمة راسخ في التحقيق ، فبُغيةَ التدليل على الحقيقة العرفانية التي مفادها أنَّ سيدنا و مولانا محمد صلى الله عليه و سلم و على آله هو صاحب البيان و الفصل و القول ، جاء بهاته الآية (وَنَبِّئۡهُمۡ أَنَّ ٱلۡمَاۤءَ قِسۡمَةُۢ بَیۡنَهُمۡۖ)، فسياق الآية العام يتحدث عن قومٍ كانوا في زمن سابق قديم (إِنَّا مُرْسِلُواْ اُ۬لنَّاقَةِ فِتْنَةٗ لَّهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْۖ وَنَبِّئْهُمُۥٓ أَنَّ اَ۬لْمَآءَ قِسْمَةُۢ بَيْنَهُمْۖ) والناقة هي ناقة سيدنا صالح عليه السلام ، و توجيه الأمر (وَنَبِّئْهُمُۥٓ) لسيدنا و مولانا محمد صلى الله عليه وسلم و على آله، هو دليلٌ دامغٌ أنّ النبوة حاضرة في كل زمان و مكان، تتصرف أمرا و نهيا ، حلا و عقدا، إبراما ونقضا، فسيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم و على آله هو الخليفة المطلق لله في كونه،وكما أنه صلى الله عليه و سلم و على آله خاطب قوما في زمن سيدنا صالح عليه السلام ،فهو يخاطب من يشاء و قت ما يشاء ، بما تقتضيه وظيفته كمراقب كوني و سيد للوجود ، و ما سمعتِ الرسلُ و الانبياء و الاقوام و غيرها إلا منه .
و انتبه أيها العاشق المتوله في معاني الحبيب صلى الله عليه وسلم و على آله : فمن أقامه الله تعالى لإخبار و إنباء القدامى(ونبئهم) هو نفسه الذي أقامه قاسما للماء الذي به تستقيم أمور حياتهم ( ٱلۡمَاۤءَ قِسۡمَةُۢ بَیۡنَهُمۡۖ)..بل إنه صلى الله عليه و سلم و على آله هو ماء الوجود الذي به حياة الكون و أهله، و إقرأ إن شئت ( إنما الله مُعطي و أنا القاسم) ، فإيراد خبر الإنباء بتلك القسمة التي وقعت لقوم صالح ، إنما هي من قبيل دلالة الجُزء على الكل ، نُقيطة مِن بحر إنباءاته و رُشيحة من يمّ قسائمه و عطاءاته التي لا تنفذ، صلى الله عليه به، بل و انتبه لأفعال الأمر (فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْۖ) : أيخص الله تعالى قوما بعملٍ تقوم به النبوة فيه صالحُهم و يَحْرُم آخرين؟ حاشا مقام النبوة العظيم.فافهم.
و هاك من طيب المسك نفحة ،إقرأ الآية الكريمة (وَكَذَ ٰلِكَ جَعَلۡنَا لِكُلِّ نَبِیٍّ عَدُوّا شَیَـٰطِینَ ٱلۡإِنسِ وَٱلۡجِنِّ یُوحِی بَعۡضُهُمۡ إِلَىٰ بَعۡض زُخۡرُفَ ٱلۡقَوۡلِ غُرُوراۚ وَلَوۡ شَاۤءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُۖ فَذَرۡهُمۡ وَمَا یَفۡتَرُونَ) ..و انتبه لفعل الأمر (فَذَرۡهُمۡ وَمَا یَفۡتَرُونَ) ،أليست النبوة المحمدية متصرفة حاضرة وللكون مراقبة ناظرة ؟ اللهم نعم و نحن على ذلك من الشاهدين، فافهم عظمة مولانا محمد صلى الله عليه وسلم و على آله ترْشَدْ و تَسْعَدْ ، و عَطِّر بأريجها غيرك تُسْعِدْ.

ولا وصول إلا إليها ولا رؤية إلا لها ﴿إن ربهۥ كان بهۦ بصيرا﴾ :
الشاهد على هاته الجوهرة العرفانية المضنونُ بها على غير أهلها، هو الوقف القرآني الجليل : (مُنتَهَىٰهَاۤ إِنَّمَاۤ أَنتَ ) النازعات٤٤/٤٥… و انتبه لأداة الحصر (إِنَّمَاۤ)، و تأمل الخطاب الإلهي المباشر للنبوة (أَنتَ)، فسيدنا و مولانا محمد صلى الله عليه وسلم و على آله هو منتهى آمال الخلائق كلهم ، و رؤية ربنا في الآخرة لن تقع إلا على مرتبة من مراتب النبوة المحمدية ، فكما كان صلى الله عليه و سلم و على آله واسطة بين الحق و الخلق في الدنيا في وصول قسائم العطاء الإلهي إلى الخلق ، ففي الآخرة لن تصل قسائم العطاء الإلهي إلى الخلق في الآخرة إلا منه و به صلى الله عليه و سلم و على آله ،بشاهد (وُجُوه یَوۡمَىِٕذ نَّاضِرَةٌ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَة).
ثم عرِّج يا ولي الله للوقف (مُنتَهَىٰهَاۤ إِنَّمَاۤ أَنتَ) تجده بحساب أهل الأسرار يعطيك العدد (١٠٥٤) أضف إليه العدد (١٢) المشير إلى البروج و الشهور يخرج لك العدد (١٠٦٦) ثم أقسمه على عدد جُمّل (ٱلۡأُمِّيِّ= ٨٢ ) يعطيك العدد (١٣) المشير للصفة (أَحَدٌ) و لا يبق من الكسر شيء فاعلم حينها :
أنّ منتهى الخلائق أجمعين و سدرة منتهاهم هو أميته صلى الله عليه و سلم، المُعَبَّر عنها في القرآن المجيد ب {ٱلۡأُمِّيِّ} ، إذ هو صاحب الوجهة الحقية الذي برَق مِنْ صفته {أَحَدٌ} المكمونة في سورة الإخلاص ، و إنت شئتَ يا عاشق الحبيب المولى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم و على آله، فاحسُب أداة الحصر (إِنَّمَاۤ) تجدها هي في ذاتها على عدد حساب جُمله الشريف : ٩٢ = محمد، فما ثمَّ إلا هو و ليس لنا إلاّهو ، هو قبلةً الأشباح و كعبةً الأرواح و منتهًى الآمال و الأفراح، فالحمد لله عليه به ، اللهم صل و سلم و بارك على سيدنا و مولانا محمد نبي الله رحمة العٰلمين وعلى الزهراء بَضعته الطاهرة أُمِّ الأشراف و العارفين وعلى آله وصحبه أجمعين

ان الهاشمي.

166 : عدد الزوار