شرح الصلاة 40 من الخبيئة

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العٰلمين والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد سيد الأنبياء والمرسلين،وعلى مولاتنا فاطمة الزهراء سيدة نساء العٰلمين،وعلى سيدتنا خديجة الكبرى ام المومنين، وعلى آله وصحبه اجمعين.
قال استاذنا العارف بالحقيقة المحمدية الاحمدية الازلية الابدية سيدي محمد بن المبارك نفعنا الله بعلومه و معارفه و أدام علينا بركات صحبته و رضاه:
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد وعلى ال سيدنا ومولانا محمد،صلاة تلحقني بنسبه(ال محمد كل تقي)حتى أكون على قَدم المبشّرين العشرة،و على خُطى أصحاب بيعة الشجرة، ومن إخوانه البررة.قال حبيبنا(وددتُ أني لقيت إخواني)فنحن إخوانك يا رسول الله. اشتقنا لك. فألحقنا يارب به،لحوق الجزء بأصله، والعبد بسيده، إنك سميع مجيب.وحققني بحسبه.حتى أراه في كل رتبة من رتبه العظيمة،وحضرة من حضراته المنيرة.وأكون سليمان زماني في الفهم،ومن الخواص في الشم﴿شهد الله أنه ۥلا إلٰه إلاهو والملٰئكة وأولوا العلم﴾ فأرث علوما لا يحدها الكم والكيف. وكشوفات لا يشوبها الشك والزيف، وصحبه وسلم.
استهلّ العارفُ صلاته بطلب الإلحاق بالنَّسب ثم أردَفَه بطلب الإلحاق بالحَسب :
أولا /الالحاق بالنسب-[صلاة تلحقني بنسبه(ال محمد كل تقي)]
من حيث الحقيقة ، العالمين كلهم ينتسبون للنبوة، فسيدنا و مولانا محمد النبي ﷺ هو هيولى كل شيء و أصله ، فجميع الخلائق لها نسبة إليه ﷺ من حيث أنه هو العلة في إيجادها ( الحق المخلوق به) و القاسم لامدادها ( إنما أنا القاسم و الله يعطي) .
لكن خصوص النّسبة هو ما كان مرتبطا ببيت النبوة ، فالشرف والطهر برَق نُوره مِن بيت النبوة بواسطة بَضعة سيدنا ومولانا محمد ﷺ مولاتنا فاطمة الزهراء عليها السلام و منها سرى ذاك النور إلى العالمين من خلال ذريتها الطيبة المباركة.
فطلبُ العارفِ الإنتسابَ لجناب النبوة هو أولا من باب التحقق الزائد في نسبته لهذا الجناب الكريم و هو ثانيا من باب التأسي بسعي النبوة و علو همتها في تعليمنا الإستزادة من كل خير و بركة وعلم ( وقل رب زدني علما) ، و هذا من رسوخ علم العارف بكمال غنى مقصوده ﷺ و انه لا يرد قاصده من عموم أمته فكيف إن كان القاصد مكينٌ في دائرة الحضرة ،ورجالُ الله هم أرفعُ المنتسبين لبيْت النبوة مقامًا (ال محمد كل تقي).
ثم طلب الشيخ الكريم التحققَ في وراثة قَدم الاكابر من الصحابة العشر( حتى أكون على قَدم المبشرين العشرة) مرورا بمقامات ساداتنا أصحاب البيعة الثلاثمائة وثلاثة عشر ،فطلَب السيرَ على هداهم (وعلى خطى أصحاب بيعة الشجرة) ثم ختَمَ طلبه بالكينونة مع إخوان سيدنا و مولانا محمد ﷺ الوارد ذكرهم في الحديث ( اشتقتُ الى إخواني) و في رواية (وددت أني لقيت إخواني)، فاستهلّ الطلبَ أولا بالتحققِ في الإنتساب لبيت النبوة ثم التحققِ ثانيا في الإنتساب للصحابة ثم التحقق انتهاءً بالإنتساب لإخوان النبوة ، فلم يترك شعاعا من أشعة نور الإنتساب بأنواعه و صنوفه إلا و طلب التحقق فيه، مع موفور الاشتياق و حضور الأدب في الطلب ( فنحن إخوانك يا رسول الله. اشتقنا لك. فألحقنا يارب به،لحوق الجزء بأصله، والعبد بسيده، إنك سميع مجيب).
ثانيا/التحقق بالحسب- (وحققني بحسبه.)
ما هو حَسَبُ النبي ﷺ الذي طلب العارفُ الإلحاقَ به؟
الحَسَبُ لغة هو الشَّرَفُ والمَنْزِلَةُ الثَّابِتَةُ لِلشَّخْصِ في نَفْسِهِ أو في آبائِهِ وأَجْدادِهِ، وقد يَحْصُلُ الحَسَبُ لِلرَّجُلِ بِكَرَمِ أَخْلاقِهِ وصِفاتِهِ، وإن لم يَكُن لَهُ نَسَبٌ، وإذا كان شَرِيفَ الآباءِ فهو أَكْرَمُ لَهُ، وقد جاء في لسان العرب: (حسب: فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى الْحَسِيبُ: هُوَ الْكَافِي ، فَعِيلٌ بِمَعْنَى مُفْعِلٍ ، مِنْ أَحْسَبَنِي الشَّيْءُ إِذَا كَفَانِي.وَالْحَسَبُ: الْكَرَمُ. وَالْحَسَبُ: الشَّرَفُ الثَّابِتُ فِي الْآبَاءِ ، وَقِيلَ: هُوَ الشَّرَفُ فِي الْفِعْلِ ، عَنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ. وَالْحَسَبُ: مَا يَعُدُّهُ الْإِنْسَانُ مِنْ مَفَاخِرِ آبَائِهِ. وَالْحَسَبُ: الْفَعَالُ الصَّالِحُ )
فالعارف مِن ثمَّ يطلبُ الاكتفاءَ بالنبوة دون غيرها، فهي حسبه، وهذا من رفيع التحقق بما شرّف الله تعالى به المومنين بالنبوة (یَـٰۤأَیُّهَا ٱلنَّبِیُّ حَسۡبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ)الانفال 64…حسبك اي كافيك ،فالعارف يطلب التحقق في هذا الحسب ، و ما أعظمها مِن كرامة تُطلب و تُرغب، إذْ أن مَنْ كان سيدنا و مولانا محمد النبي ﷺ حسبُه فقد كفاه، فهو سيده مولاه ،والمولى أولى بعبده من نفسه (ٱلنَّبِیُّ أَوۡلَىٰ بِٱلۡمُؤۡمِنِینَ مِنۡ أَنفُسِهِمۡ).
هذا الإلحاقُ والإكتفاءُ بالحَسَبِ المحمدي العظيم، يُنزِلُ صاحبه المتحقق به منازل قعساء أوردها العارف تباعا :
1/ أراه في كل رتبة من رتبه العظيمة،وحضرة من حضراته المنيرة:
إن كانت رؤيا النبي ﷺ في المنام من أجمل وأرقى و أبرك ما يقع للمسلم من بُشريات يستبشر بها في الدنيا قبل الآخرة ، فإن رؤية سيدنا و مولانا محمد ﷺ على هيئته الخَلقية العظيمة في اليقظة بعين الرأس لهي أعظم كرامة يكرم الله بها عبدا من عبيده ، فهذه المرتبة المعدودة لأهل النهايات من الأولياء الأكابر، ذَكرها من القوم الكثير ومنهم القطب الدّباغ و بيّن لها رضي الله عنه شروطا لا تكون إلا عند أهل الوصول ،فاتصال الولي بالعين المحمدية يجعل الولي الرائي في مقام عال جدا و من هؤلاء من يستقل بمشربه، لأنه أخذ عن سيد الوجود ﷺ دون واسطة،فيا له من مقام عزيز، قال القطب سيدي عبد العزيز الدباغ في الإبريز (في باطن كُلِّ ذاتٍ ثلثمائة وستة وستين عرقا، كل عرق حامل للخاصية التي خلق لها، والعارف ذو البصيرة يشاهد تلك العروق مضيئة شاعلة في معاني خواصها، فللكذب عرق مشعول بخاصيته، وللحسد عرق يضيء به، وللرياء عرق يضيء به، وللغدر عرق يضيء به، وللعجب عرق يضيء به، وللكبر عرق يضيء به، وهكذا حتى تأتي على سائر العروق، حتى إن العارف إذا نظر إلى الذوات رأى كل ذات بمنزلة فنار علقت فيه ثلثمائة وست وستون شمعة، كل شمعة على لون لا يشابه لون غيرها….ولا يفتح على العبد حتى يقطع هذه المقامات بأسرها، فإذا أراد الله بعبده خيرا وأهّله للفتح فإنه يقطعها عنه شيئا فشيئا على التدريج، فإذا قطع عنه مثلا خاصية الكذب حصل على مقام الصدق، ثم على مقام التصديق..فإذا صفا نظره وتمّ نور بصيرته ورحمه الله الرحمة التي لا شقاء بعدها، رزقه الله سبحانه رؤية سيد الأولين والآخرين عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، فيراه عيانا ويشاهده يقظة ويمده الله تعالى بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فحينئذ يحصل على مقام الهناء والسرور، فهنيئا له السعادة).انتهى.
أما العارف صاحب الصلاة، فعلاوة على طلب رؤيته للهيئة الخَلقية العظيمة لسيدنا و مولانا محمد ﷺ فهو يطلب ايضا ان يراه( في كل رتبة من رتبه العظيمة،وحضرة من حضراته المنيرة) ،وهذه مرتبة أعلى و أرقى وأنقى،فالرتب المحمدية لا تُحصى و حضراتها لا تُعدّ ، والعارف يطلب الترقي في معرفة تلك الرتب و الحضرات من طريق الفناء به فيه ﷺ .
2/أكون سليمان زماني في الفهم:
يُومِئُ العارف بطريق الإشارة إلى الآية الكريمة(فَفَهَّمۡنَـٰهَا سُلَیۡمَـٰنَۚ) والتي جاءت في سياق ما أنعَم الله به على عبده و نبيه سيدنا سليمان عليه السلام ،من كمال الحكمة و رسوخ العلم،وعنوان ذلك معرفة البسملة (إِنَّهُۥ مِن سُلَیۡمَـٰنَ وَإِنَّهُۥ بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَـٰنِ ٱلرَّحِیمِ) وهذا اختصاص فريدٌ اختصّهُ الله به، فالعارفُ يطلب مِن ربه حظوةً من العلوم يكرمه الله بها، فيكون وارثا للحكمة والعلم والفتح و الفهم المرتبط بأسرار البسملة فهي طلسم النبوة و منشور المعارف وينبوع الحقائق والدقائق والرقائق المرتبطة كلها بمعرفة النبوة و القرآن،وقد علمنا أن أولياء الأمة هم ورثة الأنبياء في العلوم و المواهب، و العارف يطلب حظه من هاته الوراثة.
3/ومن الخواص في الشم﴿شهد الله أنه ۥلا إلٰه إلاهو والملٰئكة وأولوا العلم﴾
أهل الشم عند القوم أهل الله معدودون في ثلة الأكابر، وقد بيّن بعضَهُم الشيخ الأكبرروّح الله روحه بقوله (ورجال الأعراف وهم رجال الحدّ قال الله تعالى”وعلى الأعراف رجال” أهل الشم والتمييز والسراح عن الأوصاف فلا صفة لهم كان منهم أبو يزيد البسطامي) الفتوحات/1/246/دار احياء التراث العربي/بيروت/الطبعة الاولى/1997 . المقصود بالسراح عن الأوصاف ، أنّ سادتنا رجال الشم ومَن هُم على شاكلتهم مِن أكابر الأولياء ما وَسِعَهُم مقام ،واليه الإشارة بقول الله تعالى( يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا) والذي قال عنه الشيخ الأكبر ( الجامع للمقامات ما له مقامٌ يقتضيه…فاعلم أنه لا يُخَلَّصُ من المقامات إلا وارث سيدنا و مولانا محمد صَلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّم الذي آتاه الله جوامع الكلم وعلم الأسماء كلها وعلم الأولين والآخرين .. فإن العالم كله في وارث سيدنا و مولانا محمد صَلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّم كما هو في سيدنا و مولانا محمد صَلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّم فقد خلص من حكم المقامات عليه فهو يحكم بها بحسب ما تعطيه الأحوال فإنه العليم الحكيم فالأسماء الإلهية كلها هي تظهر المقامات وبها يحكم الحاكم ولا حاكم إلا الله وما يبدل القول لديه فالقول له الحكم فبالقول يحكم الحق فتنبه لمن هو المحكوم عليه والمحكوم به والمحكوم فيه والحاكم تعرف من هو المُخَلَّصُ من المقامات والذي لا مقام له..)ج4/ص32.
4/ فأرثُ علوما لا يحدها الكم والكيف.
هاته العلوم منوطة بمعرفة النبوة بالقرآن ومعرفة القرآن بالنبوة في مشربنا الفاطمي وهو جوهر معارف العارفين جملة و تفصيلا ،وهي علوم مرتبة الإحسان.
5/(وكشوفات لا يشوبها الشك والزيف)
يقصد بها شيخنا نفعنا الله به ما أسماهُ الأكابر بالفتح أو الكشف الصّرّاح و فيه يقول شيخ شيخنا قدس الله سرّ الجميع ونفعنا بهم ( الكشف الصّرّاح هو إظهار الخفايا والخبايا والأسرار المتنوعة من الايات القرءانية أومن الأسماء الربانية أو من الأحاديث النبوية التي اختفت وراء الحروف أوالتركيب أو الضمائر على أهل الرسوم، فيبينها ويجعلها في قالب علمي تقرأ وتعرف عند أهل دائرة الرسوم حتى يبقى القرءان كما نزل والحديث على وفق ما قيل)،والحمد لله على سيدنا و مولانا محمد النبي ﷺ حمدا يجبر كسرنا ويكرمنا بالقلب السليم و يُنيلُنا منه الرضا و يجمعنا به جمعا بلا فرق و الحمد لله رب العٰلمين. الفقير الى عفو ربه مريد المعهد الفاطمي المحمدي العرفاني
ابن الهاشمي غفر الله له ولوالديه وللمسلمين والمسلمات الاحياء منهم والاموات

73 : عدد الزوار