شرح الصلاة 42

شرح الصلاة 42
من خبيئة الأسرار الأحمدية في الصلاة على المحمدية

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العٰلمين والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد سيد الأنبياء والمرسلين،وعلى مولاتنا فاطمة الزهراء سيدة نساء العٰلمين،وعلى سيدتنا خديجة الكبرى ام المومنين، وعلى آله وصحبه اجمعين.
قال أستاذُنا العارف بالحقيقة المحمدية الاحمدية الازلية الابدية سيدي محمد بن المبارك نفعنا الله بعلومه و معارفه و أدام علينا بركات صحبته و رضاه في الصلاة الثانية و الاربعين خبيئة الأسرار الأحمدية في الصلاة على المحمدية:
(اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد وعلى ال سيدنا ومولانا محمد،أعظم مبارك بارك الله فيه،وبارك عليه،وجعله مباركا أينما كان. فبارك الله تعالى في روحه، وفي قلبه الشريف، وسمعه، وبصره، ولسانه، وفي روضته،وفي قبره،وفي ذريته،وفي نبوته﴿نودي أن بورك من في النارومن حولها وسبحٰن الله رب العٰلمين﴾فلا بركة أعم منه،ولاخير أعظم منه،فما لمست يده الشر يفة طعاما،ولا شرابا،إلا سرت فيه البركة، ولابصق في طعام أوماء،إلا بورك فيه،ولا مسح رأس إنسان أو وجهه أو موضعا من جسمه إلاحلت فيه البركة،والشفاء،والنضارة.فهو الرحمة المهداة والبركة العظيمة المنحاة “ألم تكونوا ضلالا فهداكم الله بي،ووجدتكم على شفاحفرة من النار فأنقدكم الله بي”وصحبه وسلم)
قال الشيخ حفظه الله ونفع به مُثْـنِيا على جناب سيدنا ومولانا محمد النبي ﷺ العظيم بالقول أنه(أعظم مبارك)ﷺ و هو نعْتٌ يعنون عن معارف جمّة ، نسوق بعضها اختصارا :
اولا– سيدنا ومولانا محمد النبي ﷺ هو البركة الإلهية السارية في كل شيء، فبركته ﷺ ليست بالجعل،بل بركته شأنٌ ذاتيٌّ له ،كما أن كل صفة إتصف به سيدنا ومولانا محمد النبي ﷺ هي له ذاتية، ليس مجعولةً، فكل صفاته ﷺ قائمة بهﷺ ذاتا وليس اكتسابا، فنبوته ﷺ على سبيل المثال ليس له بالجعل ، بل هي صفة وشأنٌ ذاتي له، قديمة قِدَمَ حقيقة وُجوده ﷺ ،كما جاء في الحديث المعروف( كنت نبيا و ادم بين الماء و الطين )،بينما ساداتُنا الانبياء نبوتهم لهم مجعولة، طارئة (وَجَعَلَنِی مُبَارَكًا أَیۡنَ مَا كُنتُ)، لأن النبي الرسول ﷺ هو صاحب النبوة والرسالة الأصلية و سواه مِن الأنبياء والرسل عليهم السلام نُوّابٌ عنه ﷺ في أزمانهم وأمكنتهم التي كُلفوا بها بالتبليغ و الإنباء ، وعلى ذلك فَقِس باقي صفات الجمال والكمال والجلال والعظمة والعلو التي يتحلّى بها ﷺ ،فهي كلها له ذاتية.
ثانيا– سيدنا ومولانا محمد النبي ﷺ صِفتُهُ القرآن ،هو خُلقه والصفة لا تفارق الموصوف، وقد قال الحق تعالى في الثناء على القرآن الذي هو صفة قائمة بالموصوف به ﷺ (وَهَـٰذَا ذِكۡر مُّبَـٰرَكٌ أَنزَلۡنَـٰهُ أَفَأَنتُمۡ لَهُۥ مُنكِرُونَ )، خُذْ هذا الوقف (ذِكۡر مُّبَـٰرَكٌ أَنزَلۡنَـٰهُۚ) فاحسبه على طريق أهل الأسرار يُعطيك جُمّله العدد2513 وهو حاصل ضرب العدد53 بالعدد25 ، 53العدد هو جُمّل الأسم الشريف (احمد) ﷺ مضروبا في العدد 25 وهو نفس عدد كلمات الفاتحة، أحمد هو الرسالة أي القرآن المجموع في الفاتحة والفاتحة سِرُّها في البسملة والبسملة سِرُّها في النقطة النورانية، المُعبّرُ عنها بسيدنا ومولانا محمد أحمد ﷺ ، فالنقطة هي عين البركة و النور و الرحمة التي أحاطت بكل شيء و سرَتْ فيه، و إن حسبتَ الوقف (هَـٰذَا ذِكۡر مُّبَـٰرَكٌ) أعطاك العدد 1888 ،فإن أضفته للعدد 12 المشير لزمن سريان هذا الذكر المبارك في الكون، أعطاك العدد 19 وهو طلسم النبوة المشير للبسملة مضروبا في 100، وهو عدد الأسماء الإلهية 99 مصطحَبَةً بسيدنا و مولانا محمد النبي ﷺ.
ثالثا– مِن معاني «المبارك» أنه الذي فيه الخير، والخير وصف جامع لصنوف المزايا و جميل الصفات و الأفعال و الأحوال التي اتصف بها سيدنا و مولانا محمد النبي ﷺ وجامع ذلك كله هو ما وصف الله تعالى نبيه ﷺ في الآية ( وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِیم) و قبل ثناء الله تعالى على حبيبه بوصف العظمة، كان السياق سياق القسم تقريرا لهذا الوصف و تأكيدا﴿نۤ وَٱلۡقَلَمِ وَ مَا یَسۡطُرُونَ مَاۤ أَنتَ بِنِعۡمَةِ رَبِّكَ بِمَجۡنُون وَإِنَّ لَكَ لَأَجۡرًا غَیۡرَ مَمۡنُون وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِیم)، فثمة وقف يفصح عن علي قدر النبوة : ﴿مَا یَسۡطُرُونَ مَاۤ أَنتَ) و المعنى : أنه استحال على الخلائق تسطير ما انت عليه مِن حقيق النعمة و تمام الاجر وكمال الخُلق وعظيم البركة،وروى مسلم عن عائشة: (أن خلقه كان القرآن) فالقرآن صفة له ﷺ وهو موصوف به وقد حلاه الله تعالى بوصفه و عزى القرآن له مفصحا مرتين أنه قوله ﷺ (إِنَّهُۥ لَقَوۡلُ رَسُول كَرِیم )،فسبحان مَنْ أقام نبيه مقام القائل لكلامه تعالى ،فكان كلامه سبحانه صفة و خُلُقا للقائل ﷺ ، فكان نور النبوة و نور القرآن شأنا عظيما.
رابعا– سيدنا و مولانا محمد النبي ﷺ هو البركة ذاتا و صفاتا ، ومن شواهد هاته الاية ( بسم الله الرحمن الرحيم تَبَارَكَ ٱلَّذِی نَزَّلَ ٱلۡفُرۡقَانَ عَلَىٰ عَبۡدِهِۦ لِیَكُونَ لِلۡعَـٰلَمِینَ نَذِیرًا) ،لنقف عند الوقف ( بسم الله الرحمن الرحيم تَبَارَكَ)،البسملة هي طلسم النبوة و عنوانها ، ف (بسم الله الرحمن الرحيم تباركَ ) و الضمير (هو) يعود على النبي ﷺ ، أي أنه ﷺ تبارك و تعظّم و تمجّد و علا، فهو مجلى البسملة و عينها و هو مجلى الفرقان و الموصوف بالقرآن ، فالقرآن صفته و خُلقه، والله سبحانه بارك عبده و حبيبه ﷺ ثم سرت تلك البركة منه ﷺ لتحيط بسائر الأكوان، منه كانت البركة و عمت العالمين، فكان من مظاهر سريان بركته في الكون نماء الخيرات و زيادة الرحمات ، فمن لوازم البركة و معانيها:
1- الثبوت و اللزوم و الاستقرار بمعنى الدوام و في اللغة ، برك البعير: إذا استقر على الأرض، ومنه المبرك: لموضع البروك”، وقال صاحب الصحاح: ” وكل شيء ثبت وأقام فقد برك، والبَرْك الإبل الكثيرة، والبِرْكة بكسر الباء كالحوض، والجمع البِرَك ” ذكره الجوهري قال: يقال وسميت بذلك لإقامة الماء فيها.
2- النماء والزيادة و التكثر…
لهذا كانت البركة صفة من لوازم صفات النبوة و ثبوتها له ﷺ ذاتا و ظهورها و نمائها في باقي المخلوقات المرحومة به ﷺ صفاتا ، فبركة النبوة في الكون و صور رحمتها بخلائق العالمين لا يحصي عددها و لايحيط بصورها إلا الله تعالى ( و ما أرسلناك إلا رحمة للعالمين).
ثم قال شيخنا مستأنِفا(بارك الله فيه،وبارك عليه،وجعله مباركا أينما كان) فهو ﷺ المبارك ذاتا،و أفعالا و أحوالا ( فبارك الله تعالى في روحه، وفي قلبه الشريف، وسمعه، وبصره،ولسانه،وفي روضته،وفي قبره،وفي ذريته،وفي نبوته﴿نودي أن بورك من في النارومن حولها وسبحٰن الله رب العٰلمين﴾) و انتبه لكلمة« بورك » فهي مبنية للمجهول واحسبها تجد طلسم النبوة فيها و تجد أيضا عدد سور القرآن ، فالصفة الأحمدية والموصوف بها المحمدي ﷺ هو هيولى البركة و أصلها.
لذلك لم تكن (بركة أعم منه،ولاخير أعظم منه)و كان من مظاهر سريان بركته أنه ﷺ (ما لمست يده الشريفة طعاما،ولا شرابا،إلا سرت فيه البركة، ولابصق في طعام أوماء،إلا بورك فيه،ولا مسح رأس إنسان أو وجهه أو موضعا من جسمه إلاحلت فيه البركة، والشفاء،والنضارة) فلولا سيدنا و مولانا محمد النبي ﷺ لما ثبت الخير في كون الله، قال الراغب: “البركة هي ثبوت الخير الألهي في الشيء”. قال تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَٰتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾ ، من ذلك قال أهل اللغة وسمي بذلك لثبوت الخير فيه ثبوت الماء في البِرْكة..[ المعجم الوسيط ص52.] والمبارك ما فيه ذلك الخير[ مفردات ألفاظ القرآن (1 / 83)).
والحاصل أن سيدنا و مولانا محمد النبي ﷺ تبارك في ذاته ، فكان من مظاهر عظمته ﷺ أنّ بركته وسِعت العالمين (وَرَحۡمَتِی وَسِعَتۡ كُلَّ شَیۡء) لأنه ارسل إليهم عامة ،فسَرَتْ تلك البركة و نَمَتْ و زادت و تكثّرت في الخلائق، لكن خصوص بركته لحقت ازمنة وأمكنة مخصوصة و اشخاصا بأعيانهم ما كان لها أن يبارك فيها إلا لعلاقتها به على نحو خاص ﷺ :

  • أولا-أحاطت بركته أزمنة مخصوصة ، بل الحقيقة أنه ليس إلا زمن واحد (فزمن الاصطحاب وخروجه من ذلك البساط هو مبدأ الظهور، وهو ليلة القدر، وهو زمن مولده وزمن الإسراء والمعراج به، وهو الزمن الذي نزل فيه القرءان جملة واحدة) كما حققه شيخ شيخنا قدس الله سر الجميع ، وقد أقسم الله تعالى بعمره ﷺ (لعمرك) ،فهل أقسم الحق بثلاث و ستين عاما من ظهور هيئته الخلقية الشريفة على الأرض ، أم أقسم سبحانه بما قبل ذلك الظهور وما بعده مما لا يحصيه دهرا إلا الله تعالى؟ النبوة المحمدية لها وصف القدم و لها وصف السرمدية و القرآن كله شاهد و دليل، فما خلا زمن من الأزمنة من بركته ﷺ .
    فمن وقف عند هاته الحقائق فقد أدرك فَذية النبي ﷺ و شمول بركته لكل زمان و مكان، فتجد العارف يرى محبوبه المبارك ذاتا و صفةً في كل ذلك (فَأَیۡنَمَا تُوَلُّوا۟ فَثَمَّ وَجۡهُ ٱللَّهِۚ)، فعند العارف كل الدهر ليلة القدر، فما شرفت ليلة القدر إلا بوجود صاحبها سيد الوجود ﷺ، وعلى ذلك فقس كل أمر وُصف بالبركة.
    ثانيا-جُعل الأنبياء والمرسلين مباركين. قال تعالى عن سيدنا نوح عليه السلام : {قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ) وعن سيدنا ابراهيم عليه السلام ﴿ وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ ﴾ وعن سيدنا عيسى عليه السلام: {وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ).
    ثالثا– بورك في أماكن محددة ، فقال تعالى عن مجلى النار ﴿ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا ﴾ ،و عن محل التكليم: {فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِن شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ) وعن الارض المقدسة ﴿ تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ﴾ وعن المسجد الأقصى وما حوله :{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ) و عن أرض الشام، قال تعالى: {وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ)، وعن شجرة الزيتون، قال تعالى: {يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ)، فببركته ﷺ صار كل ذلك مباركا فيه، و البركة تلحق من دعا له النبي ﷺ بذلك ، فقد دعا للمدينة بالبركة فقال: (اللهم اجعل بالمدينة ضِعْفَي ما جعلته بمكة من البركة) ودعا لآل بيته بالبركة ( بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ}، فثبت لهم التشريف و التكريم فهم من مظاهر بركته ﷺ في الكون، بل إن ذرية الشرف أبناء مولاتنا فاطمة الزهراء عليها السلام هم أمان لمن سواهم و حصن و ركن شديد، والشاهد (وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِیُعَذِّبَهُمۡ وَأَنتَ فِیهِمۡ) .
    ثم ختم العارف الكريم صلاته النعتية بالقول (فهو الرحمة المهداة والبركة العظيمة المنحاة «ألم تكونوا ضلالا فهداكم الله بي،ووجدتكم على شفاحفرة من النار فأنقدكم الله بي») إذْ أنّ مُسمّيات ” الرحمة و البركة و الهداية و الإنقاذ…”هي كلها أوصافُ كمالٍ، قامت بها الذات النبوية العظيمة و مِن جميل ما هو معروف عند أهل المغرب ، أنهم كانوا يكتبون كلمة (بركة محمد) ﷺ في كتبهم و قراطيسهم و على مداخل بيوتهم و في معمارهم و صروحهم وصوامعهم و مساجدهم، تعلقا وتعظيما لشأن سيدنا و مولانا محمد ﷺ و استحضارا لمعاني هاته البركة النبوية العظمى المحيطة بكل شيء، فالحمد لله على سيدنا و مولانا محمد النبي ﷺ كما هو أهله باستحقاق ، حمدا يجمعنا به ﷺ بلا بيْن و لا فراق ،فنحظى منه بالبسمة و الرضا و الحضن و العناق ، في الدنيا و البرزخ وفي يوم التلاق و الحمد لله رب العٰلمين.
60 : عدد الزوار