شرح القاعدة 34

شرح القاعدة 34
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد،وعلى مولاتنا فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين،وعلى خديجة الكبرى أم المؤمنين،وعلى آله وصحبه أجمعين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

نواصل شرحنا للقواعد المباركة من خريطة السلوك العرفاني لأستاذنا

وشيخنا سيدي محمد بن المبارك حفظه الله،وقاعدتنا اليوم هي القاعدة الرابعة والثلاثين التي تقول: [الحق تعالى مطلق واجب الوجود،غير مقيد ولا مشروط. والكون كله يستمد وجوده وصفاته من وجود الله وصفاته، فكل حي تعود حياته وكينونته إلى إسمه تعالى “الحَيّ” والذي يدل على صفة الحياة،فكل الكائنات تستمد إستمراريتها وحياتها من هذا البساط ].
يقول الشيخ عبد الكريم الجيلي في الباب الأول من كتابه “الإنسان الكامل”،حول الذات الإلهية: [ اعلم أن ذات الله تعالى غيب الأحدية التي كل العبارات واقعة عليها من وجه،غير مُستوفية لمعناها من وجوه كثيرة. فهي لا تُدرك بمفهوم عبارة ولا تُفهم بمعلوم إشارة.. وليس لذاته في الوجود مناسب ولا مطابق ولا مُنافٍ ولا مضاد.. المتكلم في ذات الله صامت،والمتحركساكن،والناظر باهت.. ]. فلا كلام للعارفين عن الذات، وإنما حديثهم عن مرتبة الألوهية،والإسم الجامع “الله”. ولهذا ميّزوا بين الذات الإلهية ومرتبة الألوهية،يقول الشيخ الأكبر: [ كل أمر يَطلُب الكون،فهو من كونه سبحانه إلهاً. وكل أمر لا يَطلُب الكون،فهو من كونه ذاتاً. فمهما أتى من كلام الأكابر،فَزِنْهُ بهذا الميزان،يتحقّق لك الأمر فيه بإذن الله تعالى.. ]. فمُتعلّق معرفتنا إنما هو الألوهية،وهي التي استدعت الآثار،فظهرت بالآثار،فلا تُعرف إلا بآثارها. فارتبطت المعارف بالآثار،وصار الدليل شرطاً في الوصول إلى المدلول عليه.. فقد وصف الحق عز وجل نفسه في كتابه العزيز بأنه (غني عن العالمين)،فهو سبحانه المطلق والواجب الوجود بذاته،ومخلوقاته مقيّدة وممكنة الوجود من حيث وجودها العيني،وواجبة الوجود بغيرها من حيث وجودها العلمي..هذا يعني أنه لا علاقة بين الحق والخلق،إذ لا مناسبة بينهما ولا مجانسة ولا مناسبة،فلا وجه للإشتراك بينهما.. قال الله تعالى: (ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما) فرحمته عز وجل وعلمه وسعا كل ما سواه تعالى،وأحاطت به.. وهذه الإحاطة والوُسع راجعة على مرتبة الألوهية،دائرة الأسماء والصفات الإلهية.. ومن هذه الدائرة يستمد الكون وجوده،فاستدعت كل الحقائق آثارها في الوجود،فظهرت الكثرة في العالم،والذات واحدة ونِسَبُها وحقائقها كثيرة. والأسماء هي التي اقتضت الآثار،والذات غنية عن كل شيء وعن الإقتضاء.. قال الله تعالى: (وإن من شيء إلا يسبح بحمده) فما ثَمّ إلا حَيّ،ولا يُسبّح إلا حيّ عالِم بمُسبّحه. فالحياة للأشياء فيض من حياة الحقّ عليها،فهي حيّة في حال ثبوتها،ولولا حياتُها ما سَمعت قوله تعالى: (كُن)..

يقول الشيخ عبد الكريم الجيلي: [ كل شيء من المعاني والهيئات والأشكال

والصور والأقوال والأعمال والمعدن والنبات،وغير ذلك ممّا يُطلق عليه اسم الوجود: فإنه له حياة في نفسه لنفسه،حياة تامة كحياة الإنسان. لكن لما حُجب ذلك عن الأكثرين نزلناه عن درجته وحعلناه موجوداً لغيره.. ]. وما من حقيقة ولا نسبة في العالَم إلا وهي صادرة عن نسبة إلهية.. والأسماء الإلهية،عندالعارفين،نِسَب وإضافات وأحكام. وهي لسان حالٍ تُعطيها الحقائق،فلا تتوهّم الكثرة ولا الاجتماع الوجودي. فالحقائق كثيرة من جهة النّسب،لا من جهة وجود عَينيّ،فإن ذات الحق واحدة من حيث ما هي ذات..وكل حُكم في العالَم لا بدّ أن يستند إلى نعت إلهيّ،إلا النعت الذاتي الذي يستحقّه الحق لذاته،وبه كان غنيّاً.. ومعلوم عند العارفين، وكذلك عند المتكلمين،أن أمهات الأسماء الإلهية سبعة،وهي المعبّر عنها بالصفات عند أصحاب علم الكلام.. والعالَم يطلب من الحقائق الإلهية أربع نِسَب،وهي: “الحياة والعلم والإرادة والقدرة”. فالحياة والعلم أصلان في النّسب،والحياة هي الأصل لأنها شرط في وجود العلم.. فالاسم “الحيّ” هو ربّ الأرباب والمربوبين،وهو الإمام. وحياة الأشياء من فيض إسمه تعالى “الحيّ”..

يقول الشيخ الأكبر: [ وكون الحياة شرطاً في جميع وجود النّسب المنسوبة إلى الله. وهذه النّسبة أوجَبت له تعالى أن يكون اسمه “الحيّ”،فجميع الأسماء الإلهية موقوفة عليه،مشروطةبه،حتى الاسم “الله”..فيَسري سِرُّه في جميع العالَم،فخرج على صورته فيما نُسب إليه من التسبيح بحمده.. ]. ويقول الشيخ الجيلي في كتابه “الإنسان الكامل”،عند حديثه عن تقديم صفة الحياة على صفة العِلم: [ قدّمت الحياة على العِلم لأنه لا يُتصوّر وجود عالِم لا حياة له،فالحياة هي مقدمة الصفات النفسية كلها. ولهذا سُميت الحياة،عند المحققين،إمام الأئمة، يُريدون بالأئمة: الصقات النفسية كلها،لأنها أئمة باقي الصفات.. ]. وسريان الاسم الحيّ في الوجود كلّه هو ما يُسميه الشيخ الأكبر ابن عربي ب”الحياة الفطري”،وهي: الحياة السارية في جميع أجزاء الوجود،من إنسان وحيوان ونبات وجماد. قال الله تعالى: (الله لا إله إلا هو الحي القيوم)،وقال: (وعنت الوجوه للحي القيوم). ولمّا كانت القيوميّة من لوازم الحيّ،استصحبتها في الذّكر مع الحيّ.. وكما هي عادة الشيخ الأكبر في تناوله للمسائل العرفانية،يتعدّد نظره للمسألة الواحدة بتعدّد زوايا النظر ومقاماته.. فبعدما عمّم الحياة على جميع الكائنات،نراه في نظرة أخرى يحصرها بمن توصّل إلى جعل حياته بالله،وهو الإنسان الكامل الذي حمل الأمانة، أي الخلافة،في العالم،فأدّى إلى كل ذي حقّ حقّه.. ومعلوم أن الإنسان الكامل بالأصالة هو سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم،وغيره بالتبعية والوراثة والنيابة.. فهو صلى الله عليه وسلم الخليفة الكلّي والبرزخ الجامع،يستمدّ من الحقّ ويُفيض على الخلق،فظهر بأسماء وصفات الحقّ في الوجود. إذ لا يتمّ له اسم الخليفة إلا بإفراغ جميع حُلل الأسماء والصفات الإلهية التي يطلُبها العالَم وتطلُبه،قال صلى الله عليه وسلم: “من رآني فقد رآى الحقّ”،وقال الحقّ عز وجل: (إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله).. يقول الشيخ الجيلي: [ الحيّ: فإنه صلى الله عليه وسلم كان متحقّقاً به. والدليل على ذلك: أنه المادة الوجودية للعالم الكوني،فهو الحياة السارية في الموجودات الأبدية والأزلية ].. يقول ابن عربي: [ الحق له نِسبتان في الوجود: نسبة الوجود النفسي الواجب له،ونسبة الوجود الصوري وهو الذي يتجلّى فيه لخلقه. إذ من المُحال أن يتجلّى في الوجود النفسي الواجبيّ،لأنه لا عين لنا نُدركه بها،إذ نحن في حال عدمنا ووجودنا مُرجّحين،لم يزُل عنّا حُكم الإمكان. فلا نراه إلا بنا،أي من حيث تُعطيه حقائقنا ]. فالتجليات الإلهية التي تُظهر المقتضيات الكونية،تتطلّب وساطة الحقيقة المحمدية ليكون اللّطف في الكون الإلهي،وليسير المُلك على وِفْق ما سُطّر في بساط الرحمانية.. ومن جميل الموافقات العرفانية ــ العارفون يستمدون من مشكاة واحدة ــ قال الشيخ الأكبر في النص السابق: “فلا نراه إلا بنا”،وفي مشربنا المبارك عندما نقول: “اللهم ألْطُف بنا” فإن “بنا” تُساوي (53 )،أي عدد اسم “أحمد”. فعندما نُصلّي على سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم،خصوصاً بصلوات نَعْتيّة،فنحن نُفعّل ظهور المقتضيات ونَطلُب اللطف في التجليات لتعُمّ الرّحمات.. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد نبي الله،وعلى الزهراء بضعة رسول الله. ذ رشيد موعشي

90 : عدد الزوار