Search
Exact matches only
Search in title
Search in content
Search in excerpt
Search in comments
Filter by Custom Post Type

شرح خريطة السلوك العرفاني(1)

بسم الله الرحمن الرحيم.الحمد لله رب العالمين.وصلى الله وسلم على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه.

 القاعدة الأولى:

كل عمل لابد له من معلم أو مرشد أو قائد یوجّھه،أو واعظ نَصوح یُذكّرویُنذر. فكذلك من أراد الوصول إلى مقامات الولاية،فعلیه أن یتّخذشیخاًیتبعهلیُزيل عنه الصفات الرّديئة بسِرّ المَدَد والإذن النبوي،لیَصحّ حُضوره وخُشوعه في سائر العبادات،ویعبُد مولاه على بصیرة ومعرفة.

الشرح:

تشاجر فقراء الأندلس من المتأخرين في (الإكتفاء بالكتب عن المشايخ)،فكتبوا للبلاد،فكل أجاب على حسب فَتحه. وجملة الأجوبة دائرة على ثلاثة:

_ أولها: (النظر للمشايخ) / ف(شيخ التعليم) تكفي عنه الكُتب للَبيب حاذق يعرف مَوارد العلم.

و(شيخ التربية) تكفي عنه الصّحبة لمتديّن عاقل ناصح،وقَلّ أن يوجد لغلبة الهوى.

و(شيخ الترقية) يكفي عنه اللقاء والتبرّك..

وأخذ كل ذلك عن الشيخ في الأوجه الثلاثة أتَمّ للنّجح وأبلغ للمُراد.

_ الثاني: (النظر لحال الطالب) / فالبليد لا بدّ من شيخ يُربّيه.واللّبيب تكفي الكتب في ترقّيه،لكن لا يَسلم من رعونة نفسه.

_ الثالث: (النظر للمجاهدات) / ف(مجاهدة التقوى) لا تحتاج إلى شيخ لبيانها وعمومها.

و(مجاهدة الإستقامة) تحتاج للشيخ في بيان الأصْلَح منها،وقد يكتفي اللبيب بالكتب.

و(مجاهدة الكشف والترقية) لا بدّ فيها من شيخ يُرجع إليه في فتوحها.

_ وقد أجاب عن سؤال المناظرة كل من: إبن عباد في (رسائله الصغرى)،وإبن خلدون في (شفاء السائل)،وأحمد زروق في (عدّة المريد)،وإبن عجيبة في (الفتوحات الإلهية)..

وقد فصّل القول وأوجز وأفاد الشيخ زروق في (عدة المريد) حول مسألة (الشيخ المربّي)،وهذا جملة ما جاء به،ملخصاً ما جاء في الموضوع:

المشايخ ثلاثة في الجملة: (شيخ تعليم) و(شيخ تربية) و(شيخ ترقية).

_ فأما (شيخ التعليم) فيحتاج فيه لثلاثة:

أولها: (علم صحيح) بحيث يكون مبنياً على الكتاب والسنة،مؤيّداً بالقضايا العقلية والوجوه المُفْهمة المُسلّمة بالأدلّة الصحيحة المقدمة..

الثاني: (لسان فصيح) بحيث يُبيّن به عن المقاصد من غير إحتمال ولا قصور، لأن العبارة هي التي تُفيد المقاصد وتدفعُها.وقد قال إبن العريف: “..وعلى العالم أن يُبيّن بياناً يمنع السائل من التّأويل”..

الثالث: (عقل رجيح) يميّز به مواضع العلم،ويَقي به نفسه عن كل وصف منقّص في دينه ودنياه،فيكون تَقياً نَقياً.وعلامته في ذلك وجود الإنصاف حيث يكون الحق مع غيره،والوقوف مع الحق بحيث لا أحد يُقابله بلُزوم لا أدري فيما لا يدري،والتبرّؤ من مواضع التّهَم قولاً وفعلاً وإعتقاداً..

_ وأما (شيخ التربية) فيُحتاج فيه إلى ثلاثة أمور:

أحدها: (معرفة النفوس وأحوالها الظاهرة والباطنة)،وما يُكتسب بها كمالها ونقصها،وأسباب دوام ذلك وزواله،على وجه من العلم والتجربة،لا ينتقص ولا يختلّ في أصله،وغالب فرعه..

الثاني: (معرفة الوجود وتقلّباته)،وحكم الشرع والعادة فيما يجريان فيه نصاً وتجربة،ومشاهدةوتحقيقاً،وذوقاً للأجسام الكثيفة والأرواح اللطيفة،حتى يُعامل كلاً بما يَليق به..

الثالث: (معرفة التصرّف بذلك وتصريفه)،بأن يضع كل شيء في محلّه على قدره ووجهه،من غير هوى ولا مَيْل لحَظّ.ولا يتمّ له ذلك إلا ب(وَرَع صادق) في تصرّفه،يُنتجه عدم رضاه عن نفسه،و(زُهْد كامل) نشأ عن حقيقة إيمانية تَهديه لترك ما سوى الحق سبحانه،و(تأدّب كامل) بمن صَحّ أدبُه..قال أبو علي الثقفي: (فلو أن رجلاً جمع العلوم،وصَحب طوائف الناس،فلا يُقتدى به حتى يأخُذ أدبه عن شيخ أو إمام).وقال الجنيد: (علمُنا هذا مُقيّد بالكتاب والسنة،فمن لم يسمع الحديث ويُجالس الفقهاء،ويأخُذ أدبه من المُتأدّبين،أفسد من إتّبعه).وقال إبن عطاء الله: (لا تَصْحَب من لا يُنْهضك حاله،ولا يدُلّك على الله مقاله..)،وقال في التنوير: (وليس يَدُلّ على فَهْم العبد كثرة علمه ولا مُداومته على وِرْده،إنما يدل على فهمه نوره وغِناه بربّه،وإنْحياشه إليه بقلبه،وتحرّره من رقّة الطّمع،وتَحلّيه بحُلية الورع،فبذلك تحسُن الأعمال وتزكو الأحوال..)..

_ وأما (شيخ التّرقيّة) فعلامته ثلاثاً:

أولها: أن (رُؤيته زيادة في العمل)،ومنها قولهم: (كنا إذا فَتَرنا نظرنا إلى محمد بن واسع فعملنا عليه أسبوعاً)..

الثاني: إن (خطابه تَنْمية للحال)،وإليه إشارة الشيخ إبن مشيش: (لا تَصْحب من يُؤثر نفسه عليك فإنه لَئيم،ولا من يُؤثرك على نفسه فإنه قَلّ ما يَدوم،واصْحَب من إذا ذُكر ذُكرالله،فالله يُغني به إذا شُهد،ويَنوب عنه إذا فُقد.ذكرُه نور القلوب، ومُشاهدته مفاتيح الغيوب)..

الثالث: إن (مُخالطته مُثيرة للأنوار في بساط الكمال)..

__ بالنسبة ل(مستند المشيخة):

_ أما (شيخ التعليم) فمُستنده واضح،لأنه لا علم إلا بتعلّم،ولا تعلم إلا من معلم.وقد تكفي دونه الكتب للحاذق الفَهِم،مع نقص في إدراكه وحظّه..قال الغزالي: (إن الكتب كافية،لكن الشيخ فاتح)..

_ أما (شيخ التربية) فدليله قوله تعالى (واتبع سبيل من أناب إلي).وكان (صلى الله عليه وسلم ) يُربّي أصحابه في دينهم ودنياهم على حسب ما يراه لهم: فأباح لقوم سَرْد الصوم،ومنع قوماً منه.وأسَرّ إلى بعض أصحابه أذكاراً،وأطْلَق بعضها في العموم.وكان يُحدّث حذيفة بالحوادث لإستعداده لقبولها،ولا يُسرّها لغيره.إلى غير ذلك مما يطول ذكره..

_ وأما (شيخ الترقية) فمستنده قول أنس بن مالك: (ما نفضنا التراب عن أيدينا من دفنه صلى الله عليه وسلم حتى وجدنا النقص في قلوبنا)،فأفاد أن رؤية شخصه الكريم (صلى الله عليه وسلم ) كان مُفيداً لهم،فكذلك من له نسبة منه بطريق الوراثة العلمية،ومن ثمّ كان (النظر إلى العالم عبادة)،وجاء في الخبر: (إن لله عباداً من نظر إليهم نظرة سَعِدَ سعادة لا يشقى بعدها أبداً)..قال أبو العباس المرسي: (إذا كانت السلحفات تُربّي ولدها بالنظر،فكيف بالعارف أو الوليّ)..

 قال إبن عطاء الله السكندري: (..والشيخ من مِنَح الله تعالى وهداياه للعبد المريد إذا صدق في إرادته،وبذل في مُناصحة مولاه جهد إستطاعته،لا على ما قد يتوهّمه من لا علم له،وعند ذلك يوفّقه الله تعالى لإستعمال الأدب معه،لما أشهده من عالي مرتبته ورفيع درجته..)..

وقال الشيخ أبو مدين: (الشيخ من شهدت له ذاتُك بالتّقديم،وسرّك بالتعظيم.الشيخ من هذّبك بأخلاقه،وأدّبك بأطرافه،وأنار باطنك بإشراقه.الشيخ من جمعك في حضوره،وحفظك في مَغيبه)..

وقال إبن عطاء الله: (وليس شيخك من سمعت منه،وإنما شيخك من أخذت عنه.وليس شيخك من واجهتك عباراته،وإنما شيخك الذي سَرَت فيك إشاراته.وليس شيخك من دعاك إلى الباب،إنما شيخك من رفع بينك وبينه الحجاب.وليس شيخك من واجهك مقاله،إنما شيخك الذي نهض بك حاله.شيخك الذي أخرجك من سجن الهَوى،ودخل بك على المولى.شيخك هو الذي ما زال يجلو مرآة قلبك حتى تجلّت فيه أنوار ربك،نهض بك إلى الله فنهضت إليه،وسار بك حتى وصلت إليه،ولا زال مُحاذياً لك حتى ألْقاك بين يديه،فزَجّ بك في نور الحضرة،وقال: (ها أنت وربّك)..)،وهو عجيب..

ثمّ إعلم أن هذا الأمر قد يجده الشخص من شخص فينتفع به،ويجد منه غيره نقيضه فيتضرّر به،وقد يجده الجمع الكبير،وقد لا يجده إلا الواحد والإثنان.فكما أن من أرباب الأصلاب من يكون عقيماً في الولادة،مع توفّر قواه،كذلك من أرباب الحقائق والأحوال من يوجد عقيماً مع عُلُوّ مقامه.فتمسّك بمن تنتفع به،ودَع ما وراء ذلك،ولا تنتقل عنه ولو رأيت من هو أعلى منه،فتُحرم بركة الأول والثاني ولذلك كان المشايخ يمنعون أصحابهم من صُحبة غيرهم من المشايخ،بل من زيارتهم..وقد قال إبن عطاء الله: (العبارات قوت لعائلة المستمعين،وليس لك إلا ما أنت له آكل)،أي ما إنتفعتبه،لا ما إنتفع به غيرك..وقال (صلى الله عليه وسلم): (من رُزق من باب فليلزمه)..اللهم إلا أن يعترض حق شرعي يمنع من وجود الإقتداء، لضرر يلحقُك في نفسك أو يلحق غيرك في دينه ودنياه،فلَكَ في التخلّف وجه،وهو تحقيق المناط..

ولا يفوتني أن أحلّي هذا الشرح البسيط بما جاد به أستاذنا (صاحب المعهد الفاطمي المحمدي) سيدي محمد بن المبارك حفظه الله في كتابه (الشيخ والمشيخة والتمشيُخ)،ما ملخّصه:

[ الشيوخ أربعة: شيخ التبرّك،وشيخ التربية،وشيخ الترقيّة،والشيخ الخلّب (سحاب خُلّب: أي لا مطر فيه،ورصاص خلّب: لا نار فيه).

ويمكن أن يكون (شيخ التربية) هو في نفس الوقت (شيخ الترقية)،وإن لم يكم كذلك فعندما يرى أن التربية أعطت ثمارها فعليه أن يدُلّك على شيخ الترقية.

و(شيخ الترقية) ينقُلك من مقام إلى مقام،ومن حضرة إلى حضرة،ومن علم إلى عيّان،ومن عيان إلى يقين ومشاهدة.وهذا هو (العارف بالحقائق)،العارف بوعاء أبي هريرة..

أما (شيخ التبرّك) فهو رجل صالح ينتمي إلى طريقة ما،لميُعطاه الإذن في التربية،تتبرّك بصحبته وبأوراده،ويُربّي نفسك على الطاعة،وربما نصحك بالبحث عن شيخ الترقية.

و(الشيخ الخلّب) يُضيّع سنين من عمرك،تُطارد سراباً لا وجود له ولا انت تُدركه.السراب خداع بصري،وهذا المُدّعي خداع روحي.وهذا النوع أساء إلى التصوف كثيراً،وكذلك البعض من الشيوخ التبركيين عندما يطغى الجانب المادي على الجانب التربوي،وعندما يركنون لأصحاب السلطة يُسيئون أكثر للسلوك الصوفي وللأحوال الباطنة للمريدين.

بالنسبة (للشيخ المُتنقّل / الشيخ الميّت) فيصحّ الإستمداد منه شريطة أن يكون هذا المتنقل مشهود له بالمعرفة والصلاح وتَرك صلوات تُعنون عن مقامه بين الأولياء.وهذا مع التقوى والإجتهاد في الطاعات،وكثرة المحبة والتعلّق به وعدم الإلتفات إلى غيره،ويكون ذلك عن طريق الروحانية،فيُساعده في السّير ويُجنّبه المهالك.

أما الإطلاع على الحقائق والأسرار القرآنية،والتغزّلات الأحمدية المحمدية،وحلّ طلاسم الرسم والمقتضيات الأسمائية: فلا حظّ له فيها (أي الشيخ الميت)،ولا يصحّ ذلك من متنقل مهما بلغت قامته في التصوف وفي العبادة،إنما يصحّ من حيّ عارف غارف مأذون له من الحضرة المحمدية..].

ذ .رشيد موعشي

332 : عدد الزوار