شرح صلاة الشيخ الشاذلي

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الغني عن كل من سواه ، المفتقر اليه كل ماعداه،نحمده على كل ما انعم به علينا وأسداه ،فلا معطي لما منع ،ولا مانع لما أعطاه ،ولا مضل لمن هداه ،ولا هادي لمن اتبع هواه. أخرجنا من العدم الى الوجود وأكرمنا بسيدنا محمد أفضل كل والد ومولود والصلاة والسلام على هذا النبي عظيم الجاه البشيرالنذير السراج المنير صاحب المقام المحمود والحوض المورود ،وعلى مولاتنا فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين ،وعلى سيدتنا خديجة الكبرى ام المومنين،وعلى ال وصحبه اجمعين  .

السلام عليكم ورحمة الله. موضوعنا هو شرح للصلاة الشاذلية وهي

اللهم صل على سيدنا محمد النور الذاتي والسر الساري في سائر الأسماء والصفات وعلى آله وصحبه وسـلم .

النور الذاتي

لأنه صلى الله عليه وسلم نور،بزغ من الصفة الاحدية.قال تعالى “لقد جاءكم من الله نور وكتاب مبين”والواو،واو العطف،والعطف يقتضي المغايرة اذ الشيء لا يعطف على نفسه،وبالتالي فالنورالمذكور في الاية،هو نورالنبوة والكتاب المبين هو القرءان . 

   أما الاحدية فصفة إلهية مَحْــتِدُ نورالنبوة،والفيضة القرءانية.وأول مرتبة وجودية .نورالنبوة كانت له الأولية في الظهور في عالم البطون،لأنه جمالي وأرسل رحمة للعالمين(رحمتي سبقت غضبي)”وما ارسلناك الا رحمة للعالمين”قال تعالى”نحن نقص عليك احسن القصص بما أوحينا اليك هذا القرءان وإن كنت من قبله”ولاوقف واجب في القرءان(وإن كنت من قبله)وكذلك في عالم الظهور،لم ينزل الوحي بالقرءان حتى  بلغ سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم سن الأربعين .وصف الشيخ الشادلي رحمه الله النور المحمدي بالذاتي لأن كل امر تستند اليه الأسماء والصفات في ظهورها هو ذات،فالاحدية ذات،والقرءان ذات، والالوهية ذات ،والنبوة ذات، فهو نورذاتي نسبة الى الاحدية اول مرتبة وجودية ترجع اليها الدوائر الكونية في الظهور،وكل دائرة لها اسم إلهي مدبر،وحضرة محمدية مصاحبة له، فهو صلى الله عليه وسلم نور ذاتي احدي.فلا يظن احد ان كلمة الذات راجعة على الذات الإلهية،تعالى الحق تعالى عن ذلك علوا كبيرا،هي غنية حتى عن الأسماء والصفات،وليست مفتقرة الى الدليل والى وصف يقيدها و يشبهها بالمخلوقات،ولاتقبل عزتها ان تكون أصلا وغيرها فرع عنها.قال صلى الله عليه وسلم” كان الله ولا شيء معه” و”كان “فعل وجودي يفيد في حق الله تعالى ما يفيد المضارع أي كان ومازال ،ففي ازليتها الذات لا مشهودة ولا معبودة،وكونه صلى الله عليه وسلم نورا ذاتيا، يعني أنه أول مخلوق،وأول عابد”قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين”قال صلى الله عليه وسلم” كنت نبيا وادم بين الروح والجسد “أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر”وكونه نورا يقتضي أنه،و إن كانت صورته البشرية مثلنا،فهو صلى الله عليه وسلم من حيث حقيقته ليس كهيئتنا، لبست نبوته حلل الاسماء الإلهية، ونابت عن الحق تعالى في التبليغ “ان الذين يبايعونك انما يبايعون الله”،وفي المشاهدة “وما رميت اذ رميت ولكن الله رمى” فأثبت له الرمي ونفاه عنه ،فالرامي هي مرتبة الالوهية في صورة محمدية”من راني فقد راى الحق” ولايقوم مقام الحق الا الحق ،فهو صلى الله عليه وسلم حق،ولكل حق حقيقة،وحقيقته غيب مطمطم،وسر مكتم، وكمال مبهم ماعرفه غير ربه ولولا هذا النور الذاتي ماكان للاشياء ظهور،فأخرج الوجود من ظلمة العدم وليل العتم .اخرجه من وجود علمي الى وجود عيني .فعرف الخلائق بالخالق “وان من شيء الا يسبح بحمده””كل قد علم صلاته وتسبيحه” ففي الظلمة لا ترى سوى الظلمة ،واذا ظهر النورغابت الظلمة،فترى النور بالنور، ويظهر الظل،وعلى قدرالأنوار تظهرالظلال ،وهو واحد من حيث ذاته، متكثر من حيث ظلالاته، وصور تجلياته،فلولا هذا النور ماكان للأشياء ظهور..فسيدنا إبراهيم ما استرعى انتباهه شجر ولاحجر ولابحر ولاجبل . انما النور: نورالكوكب والقمر والشمس،انوارسماوية،علوية تصاعدية ، والقمر نوره من نورالشمس ،بدون حلول والا اتحاد،فالعبد عبد الى مالا نهاية والرب رب الى ما لا نهاية ،فالنور الذاتي عبد احدي،برزخ لا هوتي،ووسيط حقاني.أنيطت به الدهوروالشهور،والخلائق والحقائق، والوجود والشهود،هوالظاهرفي مظاهر.أما الحق تعالى فلا تحده الأمكنة ولا تقيده الأزمنة ولا تحيط بعلمه الالسنة ،كما أن بحساب الجُمل بسط وكسراسم محمد يساوي 354 عدد أيام السنة القمرية التي بها التشريع، فالوجود به منوط حسا ومعنى ،ظاهرا وباطنا،أولا واخرا،ملكا وملكوتا “فأين تذهبون” حيثما وليت لا تشاهد الى حقيقته صلى الله عليه قال المرسي رحمه الله “لوغاب عني رسول الله طرفة عين ماعددت نفسي من المسلمين”.قال تعالى” فلا وربك لايومنون حتى يحكموك فيما شجربينهم ثم لا يجدوا في انفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما “..ونسب له التحكيم وجعله طرفا في القضاء (مما قضيت).فسلم تُسلم …سلم عليه …وسلم له الأمور…غير هذا يوقع صاحبه في أوحال التوحيد “وما يؤمن أكثرهم بالله الا وهم مشركون”

السر الساري

– هو سر ساري لأن اصله الاحدية،بساط غيبي لا تجل بها ولا تعلق لها بالكائنات لا تعرف أحد ولاتقبل أحد لو كان التجلي بها لكانت واحدية 

– هو سر ساري لأنه اصطحب بالاسم الجامع “الله” فتخلق وتحقق به فصار سرا جامعا دالا على الله بالله.وحجابا عظيما قائما بين يدي الله.

هوسر جامع لأن الأسماء الإلهية في تجلياتها تطلب وساطة حضراته المحمدية لتعم الرحمة الكون “وما ارسلناك الارحمة للعالمين” فأنوارها وأسرارها وآثارها الظاهرة والباطنة تمرعبر برزخية النبوة المحمدية لهذا وصفه الله تعالى بما وصف به دائرة الالوهية من الغنى والطاعة والبيعة والمحبة والاستجابة والرضى ….فسُتر في بطون التجليات وغابت حقيقته في غيابات جب المقتضيات،واخرج الأسماء من كنزيتها “فبي عرفوني” فاستتر عن الابصار بنوره،واحتجب عن البصائر بظهوره، ومن عجب ان الظهور تستر.فظاهره ناسوتي وباطنه لاهوتي.قال ابن الفارض رضي الله عنه:                                                                                    ولطف الأواني في الحقيقة تابع *للطف المعاني والمعاني بها تسمو.                  

وهذه الاسرار تظهر تدريجيا حسب مراد الله وحسب الأزمنة وحسب الأمكنة  قال البوصيري رحمه الله:

تتباهى بك العصور وتسمو= بك علياء بعدها علياء

ففي كل زمان تظهر اسرار محمدية لم تكن في الزمان الذي قبله، لأن الفتق تدريجي ،وتنتج عنها علوما لدنية،وفتوحات ربانية،وعلوما دنيوية، وتقدم تكنولوجي….فلا شيء الا وهو به منوط. فاستوى بقَدم الاحدية على عرش الأسماء والصفات وسرى سره في الكون بالرحمات،وكان ممدا لكل الحضرات وواسطة في كل العطاءات. ومن عرف البعض من اسرار النبوة اصبح ذا سر وقيل في حقه “قدس الله سره” فالتقديس راجع على السرالمحمدي الذي اطلع عليه العارف لاعلى العارف، والعارفون مقامات واعلاهم مقاما من أشار اليه زين العابدين بن الحسن بن علي رضي الله عنهم بقوله :  

  توضأ بماء الغيب ان كنت ذا سر=والا تيمم بالصعيد او بالصخر                  

  وتساوت عنده الأزمنة ،وطويت له الأمكنة،وصلى صلاة الفجر في أول العصر.”كنت بصره الذي يبصر به وسمعه الذي يسمع به… الحديث . وخلاصة القول ان هذه الصلاة اشارت الى ان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هو نور الاحدية، وسرالالوهية، به تنموا الأشجار وتجري الانهار وتجود البحار وتنال رحمة العزيزالغفار،وهوالسر الذي تدور به الافلاك وتسبح به الأملاك هو الممد لاصحاب الرسالات وهو البسملة التي فصلت بها الايات،وهو الحقيقة النورانية المطلسمة بسرادقات حجب الهوية،الملثمة بقناع الأسماء الإلهية،فظهرت في المظاهر،اذ الظهور هو المقصود،وعليه مبنى الوجود” وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون”. 

رحم الله تعالى هذا العارف الكبير الذي جُل الطرق الصوفية تنتسب له وتستمد من مشربه أوتي جوامع الكلم،فأوجز في سطر واحد علوما ربما احتاجت الى صفحات كثيرة لشرحها رحم الله الشيخ الشاذلي ،ونفعنا به وبجميع العارفين كنوزالحقائق وهداة الخلائق

من اراد هذا الشرح على شكل ب د ف فليراسل وتساب المدونة

750 : عدد الزوار