شرح مشكلات الفتوحات المكية

شرح مشكلات الفتوحات المكية

المؤلف: الشيخ عبد الكريم الجيلي(ت 826هـ). / تحقيق: الدكتور يوسف زيدان. (باب الأسرار): تتألف “الفتوحات المكية” من (560)باباً،والباب الأخير منها يبدو كملحق لهذه الموسوعة الصوفية،فهو عبارة عن مجموعة وصايا للمريد.. وقد طُبع هذا الباب طبعة مستقلة بعنوان “الوصايا”. أما من حيث الوحدة العضوية لأبواب الفتوحات،فالباب(559) هو ختام تلك الأبواب،وقد جعله ابن عربي بعنوان “في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة”.. وهذا الباب هو خلاصة الفتوحات.. وهو آية من آيات البيان الصوفي الرائع،ويبلغ في النضج التعبيري درجة لا يكاد يلحق بها نص صوفي آخر.. _ أراد الجيلي أن يشرح الفتوحات،لكنه لاحظ أن ابن عربي صرّح بأنه جمع معاني العلوم المبسوطة في الكتاب،وجعلهامرموزة في الباب التاسع والخمسين بعد الخمسمائة.. فعمد إلى هذا الباب،قاصداً بشرحه حلّ جميع مشكلات الكتاب.. ولم يعتبر الجيلي نفسه مجرد شارح للكتاب،ولم يرَ نفسه أقل من ابن عربي.. لهذا لم يجد الجيلي حَرجاً في مخالفة آراء ابن عربي.. ولم يشرح الجيلي الباب (559) من الفتوحات كاملاً،واقتصر على شرح الأبواب العشرة الأولى من “باب الأبواب” أو “باب الأسرار”،ربما لأنه وجد ذلك كافياً للحديث عن روحأفكار ابن عربي ونظرياته المهمة كلها،بصرف النظر عن التقيّد الدقيق بالألفاظ.. _ كتاب: شرح مشكلات التوحات المكية _ [ أردت بإذن الله أن أمْنَح عباد الله شرباً من عُباب المعارف.. ]. أما بعد: فإنه لما كان العلم بالله أعظم العلوم قدراً وأرفعها فخراً وأدقّها معنى وأجلّها سرّاً،إذ هو الغرض اللاّزم والواجب الدائم، فحُكمه ماضٍ في الأولى والأخرى،وما سواه من العلوم ينقطع حكمه بانصرام الدنيا. وهو المقصود من معرفة سائر العلوم،وبه لا بغيره تفتخر العقول والفهم. والعلماء به هم أهل الولاية الكبرى والمكانة الزّلفى،وهم أفضل العلماء على الإطلاق بالتفصيل والإجمال، وأجمعهم لكل وصف محمود من صفات المجد والكمال. فهم الخلفاء الكملاء الأدباء الأمناء، وفيهم قال تعالى: (إنما يخشى الله من عباده العلماء). أردت،بإذنالله،أنأمنح عباد الله شرباً من عباب المعارف،وأظهِر لهم حلاوة العلم بترتيب الحكمة في الآلاء والعوارف. وكانت “الفتوحات المكية” التي ألّفها الوليّ الأكبر والقطب الأعظم الأفخر،مظهر الصفة العلمية ومجلى الكمالات العينية والحكمية،لسان الحقيقة وأستاذ الطريقة،المتبوع التابع لآثار الشريعة.. أعظم الكتب المصنّفة في هذا العلم نفعاً،وأكثرهالغرائبه وعجائبه جمعاً، وأجلّها إحاطة ووُسعاً. تكلّم فيها بألسنة كثيرة،وأفصحعن معانٍ غريبة خطيرة،فصرّح تارة عن حالة ورمّز أخرى عن حال،وأفصح طوراً عن مقصود وأدمج أخرى عن مراد في المقال. ولم يزل يتكلّم في هذا الكتاب على حقائق الأشياء،حتى آل به الأمر إلى الإسهاب والإطناب،فعسر على الأكثرين تحصيله،وفات عن الغلب معرفته وتأويله.. لكنه صرّح بانه جمع معاني العلوم المبسوطة في ذلك الكتاب،وجعلهامرموزة في الباب التاسع والخمسين بعد الخسمائة من الأبواب.. فقصدت بشرح هذا الباب المخصوص،حلّ جميع مشكلات الكتاب. واختصرت في الكلام لئلا يفضي إلى الإسهاب والإطناب،وسميته: “شرح مشكلات الفتوحات المكية وفتح الأبواب المغلقات من العلوم اللدنيّة”.. _ (الباب الأول) _ [ نحن مَحلّ انجلاء كل شيء وظهوره ]. قال الشيخ الأكبر: [ الباب التاسع والخمسون بعد الخمسمائة: في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة ]. أراد بالأسرار: اللطائف الإلهية التي أودعها في ذوات الموجودات،فاختصّ كل موجود بلطيفة هي محتدّه من كمال الحق تعالى،بها يرجع إلى ربه،وهي الحاكمة على روحه وقلبه،ومن ثَمّ قيل: “بين العبد وربّه سرّ لا يطّلع عليه مَلَكمقرّب ولا نبي مرسل”.. وأراد بالحقائق: ما تقتضيه تلك الأسرار من الأوصاف والنّسب الإلهية الحقيقية. وأراد بالمنازل: أطوار المراتب المختلفة،لأنه لا يمكن أن تجتمع مخلوقات في مرتبة من المراتب الإبداعية،لأنالله تعالى أوسع من أن يتجلّى على عبدين بصفة واحدة أو بصفة واحدة على عبد مرتين. فليس في الوجود شيء مكرّر،بلكل شيء له مرتبة مخصوصة به،وصفة من صفات الله تعالى يرجع بها إليه،واسم حاكم له وعليه. ولولا ذلك لاختلطت الجزئيات ورجعت إلى الأمر الكُلّي،وانبهم الأمر التفصيلي،والتحَق بعض الوجود ببعض،فزال الضدّ والنظير،فاتّحد الماء بالنار،وبطُل حكم التركيب.. وليس هذا إلا في البداية والنهاية،وأما في البرزخ الفاصل بين الأزل والأبد،فلا بد من رعاية ترتيب الحكمة الإلهية التي بها قامت الأحكام وتميّز الكفر والإسلام،وظهرت الربوبية والعبودية،إلى غير ذلك من المراتب الخلْقية والمظاهر الحقّية.. (تعريف الإنسان الكامل): فأوّل ما أنشأ في ذلك،قال: [ لله في خَلقه نذير يُعلمهم أنه البشير ]. أراد بالنذير والبشير: الحقيقة المحمدية الكلّية،التي هي موجودة بجريانه في كل نبي ووليّ بالعين والشهود. وفيما عدا هذين الوصفين ــ بالحكم والوجود ــ فهي على التحقيق: روح الأرواح،ولهذا قال: [ وهو السّراج الذي سَناه يُبهر ألبابنا المنير ] أي: الحقيقة المحمدية هي النور الذي يقع به التميّز.. فعلمنا أن روحه هي العقل الذي به ظهر الوجود وتميّز العابد من المعبود،لأن الله تعالى جعل العقل الأول جامعاً لحقائق الموجودات وأبرزها منه على الترتيب الذي أراده في علمه وقضى به في حكمه.. والقلم هو العقل الأول المعبّر عنه بالروح المحمدي،لقوله صلى الله عليه وسلم: “أول ما خلق الله القلم”.. ثمّ نبّه الشيخ الأكبر على تحقيق ظهور صفات العقل الأول في كل قطب كامل بقوله: [ في كل عصر له شخيص تجري بأنفاسه الدهور ]. يعني: لظهور صفات الحقيقة المحمدية في كل عصر،إمام مستكمل الشروط القطبية،تجري بأنفاسه الدهور،أي: يتحكّم في حركات الوجود وسكناته،حسبما يقتضيه الكمال الإلهي،خلافة محمدية. وكان أول ظاهر بهذا المقام أبونا آدم عليه السلام،وسيكون آخر من يظهر بهذا المقام عيسى عليه السلام.. ولما فرغ الشيخ من تعريفه (أي مقام الإنسان الكامل،مجلى الحقيقة المحمدية في كل عصر)،أراد أن يصرّح أنه لا يكون في الزمان إلا واحد،فقال: [ عَيّنه في الوجود فرداً،الواجد العالم البصير ]. أي: ذكره على التعيين،أنه يكون فرداً في الوجود،لا منازع له فيه. فعيّنه النور المحمدي الجزئي،الذي هو روح. والشيخ عبّر عنه ب”الواجد” ــ بالجيم ــ لكونه وجده كذلك في سرّه،وعَلمه بإعلام الله إيّاه،ورآه ببصره.. فالوجود يتعلّق بالإدراك،والإعلامبالسمع،والرؤية بالبصر. فلهذا قال: “عيّنه الواجد العالم البصير”. _ ولما فرغ الشيخ من التنبيه على ذلك،استأنف الكلام ونادى حقيقته،فقال: [ يا واجداً مَجّده تعالى،ليس له في الورى نظير ]. اعلم أنه ليس كل من عرف الله تعالى وُجد عنده تعظيم،فمجّده كما ينبغي له،إنما يحصل ذلك للكمّل من أوليائه.. ولما كان في محلّ مَظنّة لقول من يقول له: كأنك تقول إن القطب كالحقّ،يتصرّف في العالم تصرّفه؟ قال في الجواب،دفعاً لذلك السؤال: “ليس له في الورى نظير”،ليزول توهّم السامع،فلا يطعن في اعتقاد الشيخ.. _ ثمّ أنه أراد أن يبيّن أن ذلك التصريف المنسوب إلى القطب،راجع إلى الله تعالى،فقال:[ ليس لأنواره ظهور إلا بنا،إذ بنا الظهور ]. أراد بالأنوار: الصفات والأسماء الإلهية التي لا ظهور لها إلا بوجود الخَلق.. ولهذا قال: [ ونحن مَجْلى لكل شيء يظهر في عينه الأمور ]. الضمير في عينه يرجع إلى “مجلى”،والمراد: نحن مظهر لكل شيء تظهر الأمور في عين ذلك المظهر.. لأن الحق،الذي هو أصل جميع الأشياء،إنماظهر بنا من حيث ذواتنا وأعياننا،فبنا تصوّر وفينا ظهر. فنحن محلّ انجلاء كل شيء وظهوره. (العلوم اللدُنيّة): اعلم أن الشيخ لَفّ في هذه الأبيات (أي: الأبيات التي بدأ بها ابن عربي الباب 559 من الفتوحات) جميع ما أراد نشره في هذا الباب. ولما أراد التنبيه على عِظَم هذا الباب قال: [ اعلم،أيّدنا الله وإياك بروح القدس،أن هذا الباب من أشرف أبواب هذا الكتاب. هو الباب الجامع لفنون الأنوار الساطعةوالبروق اللاّمعةوالأحوال الحاكمةوالمقامات الراسخةوالمعارف اللدنيةوالعلوم الإلهيةوالمنازل المشهودةوالمعاملات الأقدسيةوالأذكار المنتجةوالمخاطبات المبهجةوالنّفثات الروحيةوالقابلات الرّوْعية،وكل ما يعطيه الكشف ويشهد له الحق الصّرف ]. التأييد: هو المَدَد. وروح القدس: هي الحقيقة الإسرافيلية التي تظهر على هياكل المحقّقين لتُقدّس أرواحهم من نقائص أحكام البشرية وغيرها. و”من”: زائدة،فتقديره: إن هذا الباب أشرف أبواب الكتاب، لكونه هو الباب الحاوي لفنون ــ أي لجنس: الأنوار الساطعة: وهي البوادي والبواده التي تفجأ العبّاد والزهاد من مطالعات أنوار عجائب الملكوت. والبروق اللاّمعة: هي عبارة عن مبادئ ظهور أنوار التجلّيات،وهي لأهل البداية. والأحوال الحاكمة: يعني على المريدين،كالشوق والوَلَه والقلق والحزن والقبض والبسط وأمثال ذلك. والمقامات الراسخة: للسالكين،كالرضا والتفويض والزهد والمراقبة والمحاسبة وأمثال ذلك. والمعارف اللدنية: للعارفين،وهي العلوم الواردة عليهم من قبل الحق بلا واسطة،لأنها من لدُنه تعالى. والعلوم الإلهية: هي ما أدركه المحققون من المعلومات،على حقيقة الاتّصاف بالصفة العلمية الإلهية. فهي من عين علم الله بذاته وبمخلوقاته. والمنازل المشهودة: يعني مقامات الأولياء في الله تعالى،من الغوثية والفردية والبدلية وغير ذلك. والمعاملات الأقدسية: هي التي من شأن الملامتية في جميع أحوالهم وحركاتهم،ولأجل ذلك جعلها أقدسية ولم يجعلها قُدسية،لأنهم ذاتيون. فكل ما يُنسب إلى الذات،من حيث هي ذات،يسمىأقدسياً. وكل ما ينسب إلى ما ينزل عن التجلي الذاتي،كتجليات الأسماء والصفات، يسمى قدسياً. والأذكار المنتجة: التي هي من أوراد الصوفية، أهل الاستقامة على الطريقة الشريعة. والمخاطبات المبهجة: التي هي لأرواح الملائكة من الحق تعالى فيما يخصّ كلامهم على العموم،ولأرواح عباد الله على الخصوص.. والنّفثات الرّوْحية: هي التي من شأن سادات الملائكة على التخصيص،ونودي لهم أن يُلقوا على من أراد الله تعالى من عباده. فالنّفث هو الإلقاء،وهو للأنبياء وحي وللأولياء إلهام. والقابلات الرّوعية: يعني بالقابل الكون،وبالرّوع النفس. يريد بذلك: المظاهر الموجودة من نفَس الحق فيه. وكل ما يعطيه الكشف: من العلوم التي هي من وراء أطوار العقل والنقل،فلا يُدرك إلا بالكشف. وما شهد له الحق الصّرف: يعني عُلمَ بالكتاب والسنّة وحُكم العقل السليم. فجمع هذا الباب أصناف العلوم المتعلّقة بالحق والخلق،وما في الوجود سوى ذلك،فحوى جميع علوم الوجود. ثمّ نبّه الشيخ على إحاطة هذا الباب بجميع ما في كتاب الفتوحات،فقال: [ ضمّنت هذا الباب ما يتعلّق بأبواب هذا الكتاب،مما لا بد من التنبيه عليه،مرتّباً من الباب الأول إلى آخره ]. ومن بعض ما تضمّنه هذا الباب من العلوم المذكورة: سرّ الإمام المبين،وهو الروح الذي تكلّم عليه في الباب الأول من الفتوحات،وهوحقيقة الختم،وهي اللطيفة الذاتية المتعيّنة في الصورة الجزئية بالكمالات الكلّية.. والفرق بين الروح الإضافيّة والسرّ: أن السرّ هو اللطيفة الذاتية بنظره إلى الكمالات الإلهية،من غير اعتبار المظهر. والروح الإضافية: هي عين تلك اللطيفة الذاتية،لكن باعتبار المظهر وإضافته إلى الظاهر فيه. وإنما سُمّي السرّ سرّاً لأنه تحذية بسرّ الربوبية المحضة،تحقيقاً لما تقتضيه الذات الإلهية. وأدب الموطن يقتضي عدم الإفشاء بذلك. والحِكَم المُسمّاة:إنساناً وآدمياً وعبداً،لمقتضياته الذاتية له،اللاّزمة لصورته الناقصة المُباينة للكمال،لئلا يلزم التناقض بين حاله ومقامه،إذ ليس ذلك من الشئون الكمالية. فكتم سرّ الربوبية لذلك المعنى،من عين أوصاف الرّتبة الكمالية. فجعل ذلك التحذّي سراً لا جهراً،لما يقتضيه الكمال من صفة الحق،وأدب المقام اللاّزم للخَلق. ثمّ تكلّم على تلك اللطيفة بعبارة أخرى،فقال: [ مَجلى ما أحاط به العلم،وتَشكّل فيه الكيف والكمّ ]. الروح محلّ انجلاء العلم الإلهي. الروح المقدّسة،التي هي عين الروح الإضافيّ والسرّ الذاتي،هي عين العقل الأول المعبّر عنه بالقلم الأعلى.. _ ثم تكلّم على تلك اللطيفة بعبارة أخرى،فقال: [ وجلت به الأعراض،وفعل بالإرادات والأغراض،فانفعلت به الأوعية المراض ]. الروح الإنسانية،التي هي المدبّرة للجسم،هي جوهر يحلّ العَرَض فيه،ويفعل في عالمه وفي تدبير جسمه بالإرادة متى اختار،وتنفعل له الأجسام التي تحت تدبيرها. وسمّاها:الأوعية المراض،لأن الأجسام كالأرواح،من حيث أنها عين الحقّ،فلنقصان تحقّقها في الظهور بالصفات الإلهية التي تظهر في الأرواح،سُمّيتمِراضاً،لأنهاليست في صحة اعتدال الأرواح.
__ فما فرغ الشيخ من العبارة عن أطوار هذه الروح،تكلّم عنها عند نهايتها في الرّتبة الكمالية. لأنه كان هو الإنسان الكامل،وهذه العلوم التي يوردها في كتبه قاطبة مُستفادة له،أخذها من روحه.. قال: [ النور الباهر وجوهر الجواهر ] يعني: الروح الكامل هو النور الباهر. يريد بذلك صفات الألوهية،لأنالذات ظلمة والصفات نور.
واعلم أنه من لا يكون في نفسه ذاتاً ساذجاً يقبل معناه الانطباع بكل صورة من صور الوجود،سواء كانت تجليات إلهية أو عينيات كونية أو حُكمياتعلمية،لا يمكنه تحقيق الاتصاف بالصفات الإلهية،ولا يستطيع أن يُبرز بالفعل ما هو فيه بالقوّة،ولا ينطلق بالشأن الكلّي لكونه مقيّداً بالحصر الجزئي.
وعن ذلك الانطباع بصورة كل صورة معنىً،عبّر عنه بأنه جوهر الجواهر،ثم شرحه وأوضح ما أبْهمه وفتحه،فقال: [ يقبل الإضافات الكونية والاستتارات الغيبية والأوضاع الحِكَمية والمكانات الحُكمية،رفيع المكانة،كثيرالاستكانة،عَلم في رأسه نار،عِبرة لأولي الأبصار ]. يعني: إن روحالإنسان الكامل يقبل جميع أحكام الظهور والبطون. فكنّى عن أحكام الظهور بالإضافات الكونية،وعن أحكام البطون بالاستتارات الغيبية.. كنّى عن ترتيب وضع الحكمة في الأكوان بقوله:والأوضاع الحكَمية. فالإنسان رفيع المكانة: لأنه موصوف الصفات الإلهية. كثير الاستكانة: إلى ما هو له ذلك الجناب. عَلم على رأسه نار: أي عَلم على الذات الإلهية،في رأسه النار الموقدة التي تطّلع على الأفئدة،المعبّر عنها بالجلال والعظمة والقهر والكبرياء. فهي الرياسة الإلهية التي هي آخر شيء يخرج من رؤوس الصدّيقين،أي تظهر عليهم في نهايتهم. لأن الاتّصاف بالعظمة والكبرياء والقهر،لا يكون إلا في الكمال. ومن ثمّ هَلك الرجل الذي نظر إلى أبي يزيد،وقد كان يرى ربّه كل يوم فلا يضرّه شيء ولم يُصبه سوء،لأنه كان يرى ربه على قدر قابلية نفسه،فاستطاع الثبوت عنده لذلك.. ولذلك قال فيه إنه:عبرة لأولي الأبصار..

_ (الباب الثاني) _
[ هيهات.. أنّى يَسَعُ الكون ذلك ].
قال الشيخ: [ ومن ذلك سرّ الظّرف المودع في الحرف ].أي: ومن بعض ما تضمّنه هذا الكتاب من العلوم المذكورة: سرّ الظرف وهو المعاني الكمالية التي أودعها في الحرف. والحرف هو الاسم والصفة الإلهية.. والحروف على ثمانية أطوار.. كل نوع من أنواع هذه الحروف ظروف لسرّ إلهيّ،أي مظهر لظهورٍ كماليّ أودعه الله بتجلّيه عليه،حين خلقه من المحتدّ المقتضي لذلك،يحكم ما لذلك المحتدّ من معنى الجمال أو الجلال أو الجمع أو الكمال.
قال: [ الظرف وعاء،والحرف وطاء ]. يعني بالظّرف: الألوهية المفهومة عند إطلاق اسم الله على ذات واجب الوجود تعالى،عند اعتبارك لما يوصَف به من الكمال والجمال والجلال. فالاسم ــ مفهوم هذه الحروف ــ محلّ لتلك الكمالات المعبّر عنها بحقائق الأسماء والصفات. وعاء: أي الألوهية حاملة للمعاني الكمالية الإلهية. والحروف ــ يعني الإنسان ــ وطاء،أي مظهر لتلك المعاني.
قال: [ تختلف صورته وتحكم سورته ]. الألوهية تختلف صورتها بحسب تعيّنها في كل فرد فرد من الكمّل الأفراد،بل في كل ذرّة من ذرات الكائنات على العموم بالحكم والشهود. فهي على اختلاف صورها ومظاهرها،واحدةالعين،لا تعدّد فيها من حيثها..
الاسم “الله” معنى معاني الأسماء والصفات،أيمفهوم جميع الكمالات الإلهية،لأن الألوهية هي المظهر لاختلاف الأشكال والمباني.. فهي التي أظهرت صور الأشكال الخَلقية والأوضاع الكونية،لكونها آثار تجليات السبع المثاني التي هي أمهات الظهور وأئمة المظاهر الحقيّة،فهي: الحياة والعلم والإرادة والقدرة والسمع والبصر والكلام.. فكانت الألوهية ــ وإن شئت قلت روح الإنسان الكامل ــ جامعة للمظاهر الخلقية والمظاهر الحقية عموماً على الإطلاق..
(مقامات الكمال): ولما بيّن حقيقة الإنسان الكامل،من حيث أمره الكلّي،أراد أن يكشف عن كيفية تقلّبه في الأطوار الكلية التي تتحقق بها له،حقائق ما هو مُنطوٍ فيه من الألوهية المحضة،فقال: [ منازله معدودة ] وهي سبعة أطوار،لا بد لكل كامل أن يقطع تلك المنازل حتى يبلغ درجة التحقيق: الطور الأول: التوحيد الصرف: لا بد للوليّ أن يقطع مسافة الفرق حتى يحصل على حقيقةالجمع،وهو ما دام فانياً لا يسافر من هذا المنزل.. الطور الثاني: حقيقة جمع الجمع: فإذا بَقي بالله،سافر إلى الطور الثاني فيحصل في حقيقة جمع الجمع. وفي هذا المشهد يفنى من كان باقياً بالطور الأول،ويبقى من كان فانياً،فيتحقّق حينئذ بالوحدة المحضة.. الطور الثالث: السذاجة المحضة: ومن هذا المنزل يسافر إلى الطور الثالث،وهو طور السذاجة المحضة الذاتية الصّرفة. فيقبل بحقيقته وهيئته التصوّر بكل صورة من صور التجليات،ومعنى من معاني الأسماء والصفات،وبكل هيئة وحالة وشكل وحُكم من سائر الموجودات. فيكون عين كل شيء،على ما هو عليه ذلك الشيء،ويكون متصرّفاً في نفسه بصورة ذلك الشيء.. الطور الرابع: مفاتيح الغيب: ومن هذا المنزل يسافر إلى الطور الرابع،فيُعطى مفاتيح الغيب،وهي الأسماء التي أظهرت صور الكائنات من الغيب إلى الشهادة. فهي مفاتيح لأقفال خزائن الغيوب،وهي أسماء الأفعال التي كانت المؤثرة في ظهور عالم الغيب إلى عالم الشهادة. ويسميها الشيخ: المفاتيح الثواني. وفي هذا الطور يسبح في فلك الأسماء والصفات ــ في كل اسم وصفة على حدة ــ حتى يعلم مقتضياتها على ما هي عليه في محلها. الطور الخامس: مفاتيح غيب الغيب: ومن هذا المنزل يسافر إلى الطور الخامس،فيعطى مفاتيح غيب الغيب، وهي أمهات الأسماء وأئمة الصفات،فيصرفهابالذات،ويتحقّق بها صورة ومعنى في جميع الأوقات. ومن وصل إلى هذا الطور لا يتوارى عنه مشهوده بحال أصلاً،ولا يجوز عليه الاستتار قطعاً. ويسمي الشيخ هذه الأسماء: المفاتيح الأوَل.. الطور السادس: ومن هذا المنزل يسافر إلى الطور السادس،فيستكمل التحقق بالأسماء الذاتية والنعوت الصفاتية والأوصاف الفعلية،ويتعيّن في الظهور بها جملة وتفصيلاً. وفي هذا المنزل يتدرّع بالهيبة ويُتوّج بالعظمة،فتكون له. فلو نظر بنظر نفسه الإنسانية إلى جبل،بالقهر،لتدك دك من هيبته وتلاشى لعظمته.. الطور السابع: نزول الحق: ومن هذا المنزل يسافر إلى الطور السابع،المعبّر عنه بنزول الحق في الثلث الأخير من الليل إلى سماء الدنيا. وعندها يطلع الفجر وتظهر شمس الكمال على سائر أعضائه الجسمانية ــ على حسب ما كان لروحه وقلبه ــ فيكون جسمه روحاً وقلبه عقلاً،بالعين والحكم والوجود،جملة وتفصيلاً.. وما بعد هذا المنزل إلا العجز والحيرة في التجليات التي لا نهاية لها. وهذا العجز عين الكمال والقدرة،وهذه الحيرة عين الثبوت.. فبالنظر إلى هذا العجز قال صلى الله عليه وسلم: “لا أحصي ثناء عليك”،وبالنظر إلى ما هو من كمال الصفة العلمية له تعالى قال: “أنت كما أثنيت على نفسك”. ولتحقّق روح الإنسان الكامل بالحقائق الإلهية،قال: [ آثاره مشهودة ] يعني: آثار الإنسان الكامل مَرئية بالعين،لأنه يُحيي الموتى ويُميت من شاء من الأحياء،ويُنبئ الناس إذا شاء بأسمائهم وأفعالهم.. [ كلماته محدودة ] يعني: إنه يقف بالكلام على حدّ الشريعة،فلا يخرج منه بلسان القدرة عن سياج الحكمة،بل يؤدّي حقّ العبودية بظاهره،كما أدّى حق الربوبية بباطنه. [ وآياته بالنظر مقصودة ] يعني: إنه في نفسه لنفسه يتجلّى متى شاء بما شاء فيما شاء.. [ أعطيَ مقاليد البيان،فأفصح وأبان ] يعني: إنه أوتي التمكين بالبيان ــ أي بالظهور ــ فأفصح وأظهر كلماته،وأبان عن المعاني بإرادة ذاته. _ (الإنسان الكامل والحروف): أنبّهك على علم شريف قد رمزه الشيخ في ذلك من وجه وصرّح به من وجه،وهو: أن جميع ما شرحناه لك في صفة هذه الروح الشريفة،من أطوار المعاني،إنما هو من حيث كون الإنسان حرفاً من حروف أحد الأنواع الثمانية. فاعتبر مثل جميع هذه المعاني وكمالها،لكل حرف من حروف كل نوع من الأنواع الثمانية،لأنالحروف وِطاء،أيمحلّ ظهور الأسرار الإلهية. والحروف كلها مَرائي يظهر فيها معنى السرّ الإلهي،لكن له في كل طور حُكم مخصوص ومشهد منصوص وأثر منفرد ونسبة تحقّقه،على أسلوب عجيب ونمط غريب.. فكلما قلنا لك: إن الأعيان الثابتة حروف،وكان النوع الإنساني من جملتها،فهوبالنّسبة إلى بقية الحروف ألِف. فاعتبر ذلك المعنى لكل ألف من أنواع الحروف الثمانية،كالعقل الذي هو ألف الحروف الروحية،فإنه يجمع العلوم والخصوصيات كلها،كما يجمع الإنسان الكامل.. _ (تجليات الإنسان الكامل): قال الشيخ: [ فمنه نثر،ومنه نظم،ومنه أمر،ومنه حُكم ]. إن للتجليات الحقيّة،التي هي للإنسان الكامل،نَثْر تجليات ذاتية منفردة،غيرمتعدّدة،ليس لكل تجلّ إلا اسم واحد. ومنه نَظْم تجليات صفاتية،يجمع كل تجلّ أسماء متعددة وصفات متغايرة،كتجلّي القدرة ــ مثلاً ــ يجمع جميع تجليات الأفعال،وكتجلّي الإرادة والعلم والجمال والجلال والكمال،إلى غير ذلك من تجليات الصفات والأسماء التي لها الهيمنة على ما تحتها. ولهذا قال:فمنه أمر،أي: ممّا يصدُر من تجلياته،أمر بوجود أو تكوين أو غير ذلك من أوامر الحق تعالى على عباده. ومنه حُكم نافذ لا يتغيّر في العالم،لأنه الحق المعيّن.. ولما كان ذلك للإنسان،الذي هو حرف من الحروف العاليات،كذلك هو للألف الذي هو حرف من الحروف الحقيقية أو الروحية أو المعنوية أو الصورية أو اللفظية أو الرقمية أو الخيالية.. فاعتبر جميع الباب في أطوار الحروف،تقع على كنز من كنوز الله تعالى. وإنما ضربنا على تبيّن كل ذلك،لئلا يفوت الغرض من تأليف هذا الكتاب،والمراد بذلك سعادتك،وإنما هي في معرفتك لنفسك،فلأجل ذلك تكلّمنا على الإنسان وحده. ولكون الإنسان الكامل كُلّي التحقيق،قال: [ إذا أسْهَب ذهَب ] والمراد: إذا تمادى وأطال نظره إلى حقائق صفاته ــ التي لا نهاية لها،وكلها كمالية ــ ذهب عن حكم الكون،فلا يُسمّى خَلقاً بوجه من الوجوه،لأنه قد ذهب عن العالم وما فيه بالكلية،فليس هو من العالم ولا هو فيه. [ وإذا أوجز أعْجَز ] يعني: إن الإنسان إذا اختصر في نفسه،فوقع نظره في صفاته،إلى نظره لذاته،أعجز غيره عن دَرْكِه.. [تختلف أشكاله ومعارجه ] لأنه متصوّر بكل صورة خَلْقية ومتحقّق بكل حقيقة إلهية،فهو مختلف الأشكال والمعارج. [ ويخفى على المتّبع أثره ومدارجه ] لأنه من وراء قوة أطوار الكون،فيخفى أثره على كل متّبع،لأنه لا يبلغه حدّه ولا يصل إليه دركُه.. (الباب الثالث) [ ما ثمّ أمر فاصل بين الله وبين العالَم ]. _ (التنزيه والتشبيه): قال الشيخ: [ ومن ذلك سرّ التنزيه النّزيه ] هو تنزيه الحق تعالى لنفسه،وهذا التنزيه لا يقابله تشبيه،فتنزيهه لا نعلمه ولا نعقله.. فهو يتعالى عن تنزيهنا له،فتنزيهه منزّه عن التنزيه والتشبيه. ولأجل ذلك قال: [ التنزيه تحديد المنَزَّه ] لأنك عندما تنزّهه عن معنى التشبيه،تحصره على ما يضادّ التشبيه،فتحدّه وتقيّده بذلك المعنى،فالتنزيه تحديد وتقييد. [ والتشبيه تثنية المشبَه ] لأنك إذا قلت: “هو كذا وكذا” على التقييد بصورة واحدة دون غيرها،فقد أشركته مع تلك الصورة في معنى واحد،وهذا هو عين التثنية.. والصواب: أن تُنزّهه في عين التشبيه،وتُشبّهه في حُكم التنزيه.. [ هو عين ما بطن وظهر،وأبْدَر واستتر ] يعني: إن العارف بوصفه،يصف البطون والظهور،فبصفة الكمال الحُكمي له البطون،وبصفة تعيّن الوجود له الظهور. فالحق صار بدراً بالكمال والجمال والجلال،واستتر باللباسات الخَلقيّة.. _ (الجمع والفرق): قال: [ فما ثمّ إلا جمع ] يعني: ما ثمّ ظهور للحق إلا بالخلق ولا ظهور للخلق إلا بالحق،فلا وجود إلا لصورة الجمعية بينهما،لأن الله عين كل موجود.. [ ما ثمّ في الكون صَدْع ] لمّا لم يوجد في الوجود خلق خالٍ عن وجود الحق،ولاحق خال عن وجود الخلق. ما ثمّ فاصل بين الله وبين العالم،بل هو عين العالم والعالم عينه. فإن توهّمت فاصلاً،فإنما هو من حيث وَهْمك لا غير،لأن العالم له كهيكل الإنسان للنفس الناطقة.. فهو واحد العين في كثرة تعدادات الأيْن.. [ وبالنّسَب صَحّ النّسَب ] أي: بالربوبية وُجدت العبودية وبالعبودية وُجدت الربوبية،فلا تعقّل لأحدهما إلا بالأخرى ــ كالمعلومية لا تحقّق بها إلا بالعالمية ولا تحقّق للعالمية إلا بالمعلومية. وكلا المرتبتين لا وجود لهما إلا بتعقّل الصفة العلمية،ولا وجود للصفة العلمية إلا بتعقّلهما. وكل واحد من العلم والعالِم والمعلوم نسبة،فما وُجدت النّسب إلا بالنّسب.. _ (كاف المِثْل): ذكر الشيخ في غير موضع من مؤلفاته،أن الكاف في: (ليس كمثله شيء) يحتمل أن تكون زائدة،فيكون المعنى: ليس مثل الحق شيء،لأنه عين الوجود كله،فلا مثل للوجود.. ويحتمل أن تكون الكاف تشبيهية،فيكون المعنى: ليس كالإنسان،الذي هو مثل الحقّ،شيء. لأن الإنسان نسخة الحق والخلق،والله تعالى عين الحق والخلق. فالإنسان موصوف بكل ما يوصف به الحق،ومنعوت بكل ما يُنعت به الخلق.. فإن غلب عليك شهود الأحدية المنزّهة عن الكثرة،انعدم وجود الخلق عندك،وزالَ الظلّ والفَيء. لأن العالَم ظلّ الله،فيزول،لأنك لم تشهد شيئاً سوى الوحدة المحضة،فلا ظهور للظلّ،لأن الظلّ يحتاج إلى نور مُفيض وظلام قابل للصورة المتوسطة بين النور وبين المحلّ،وبظهور الوحدة ينعدم ذلك،فلا كثرة بوجه من الوجوه.. فظهرت الواحدية،وبظهورها بطُنت الكثرة،فزالَ الظلّ والفيء المعبّر عنه بما سوى الله.. _ (الباب الرابع) _ [ ما هذه المظاهر المشهودة إلا عين الظاهر فيها،وهو الله ]. _ (خلق العالَم): قال الشيخ: [ ومن ذلك سرّ البَدْء اللطيف،وما جاء فيه من التعريف ].
إن الله تعالى لما أحبّ،في شأن ذاته البطوني،أن يظهر في كنزيته،لما يقتضيه شأن ذاته الظهوري من الظهور على حكم شؤونه الذاتية. فتشكّل وتصوّر بأشكال العالم وصوره ونِسَبه وإضافاته وأحكامه جميعاً،صورة ومعنى،بطوناً وظهوراً،فناء وبقاء،عيناً وحكماً،وجوداً وشهوداً. فمثله تعالى في هذا المعنى (ولله المثل الأعلى) كمثل النفس الناطقة في هيكل الإنسان،إذا حدّثت نفسها بنفسها،فتكون هي المتكلّمة والسامعة،وهي عين كلامها،لأنها تتصوّر لنفسها بصورة مفهوم ما تكلّمت به،فهي الكلام والمتكلّم والسامع.. فلكل اسم مرتبة في ظهور العالم،فهو ناظر إلى العالم،من حيث تلك المرتبة والمقتضى،لإيجاد الكون من جهة تلك الصفة. فنقول مثلاً: إن الصفة العملية أول متوجّهة لإيجاد العالم،وإن الصفة الإرادية متوجّهة لتخصيص كل شيء على ما هو عليه من الهيئة والترتيب،وإن الصفة القادرية أول متوجهة لظهور العالم في الحسّ. لكن توجّه كل صفة من هذه الثلاثة المذكورة،على ترتيب ذكرها،فالعلم له التقدّم،ثمّالإرادة،ثمّ القدرة. وعلى ذلك فقِسْ واحكُم،إلى أن تستوفي جميع الأسماء والصفات،فإن أحكامها المتعلّقة أعيان وجودية يَسمعها الكاشف ويراها. فاعتبر ذلك حتى تستوفي مقتضياتها،إلى أن يتمّ الأمر بظهور كل المراتب الكونية،علواًوسُفلاً،لطيفاً وكثيفاً. وبهذا تفهم قول الشيخ: [ العالم علامة ] يعني: أنه علامة على موجدهتعالى،يُعرف سبحانه بالعالم. وتحقيقه أن كل وجه من وجوه العالم راجع إلى صفة من الصفات الإلهية. وتقدير ذلك: إن العالم من حيث كونه موجوداً،أثر صفة اسمه الموجِد. ومن حيث كونه على هيئة مخصوصة،أثر اسمه المريد. ومن حيث كونه بارزاً ــ من غير مادة ولا تعيّن ــ أثر اسمه القادر. ومن حيث كونه مخلوقاً،أثر اسمه الخالق. ومن حيث كون مرزوقاً،أثر اسمه الرازق. ومن حيث كونه مرئياً،أثر اسمه البصير. ومن حيث كونه مسموعاً،أثر اسمه السميع. وقس على ذلك،فهذه الأسماء هي المُظهرة لأعيان هذه الآثار. وإن شئت قلت: هذه الآثار هي التي أظهرت هذه الأسماء. وعلى الحقيقة هو واحد في واحد لواحد. ولهذا قال الشيخ: [ بَدْؤهمِمّن،فهو علامة على مَنْ؟ ] يعني: إذا كان الحق عين العالم،فمن أين بدء العالم؟ فإذن: ليس هو علامة على شيء،لأنه ما ثَمّ غيره [ ما استتر عين،حتى يكون كون ] يعني:ما استترت ذاته ليظهر غيره..
ولما تحقّق الشيخ بشهود واحدية الحق تعالى في كثرة الموجودات،وعاين كثرة تنوعات تجلياته في الأسماء والصفات،قال: [ رأينا رسوماً ظاهرة ] أراد بالرسوم الأسماء والصفات،التي هي الظاهرة في العالم بحقائقها وآثارها. [ ورأينا ربوعاً دائرة ] يعني بذلك المظاهر الكونية،فانية لظهور الحق تعالى. [ وقد كانت عامرة ] تلك المظاهر الكونية،التي يعبّر عنها بالسوى والعالم،قبل شهودنا فيها أحدية الحق،كنا نَراها ونظنّ أن لها وجوداً،وكانت من حيثنا [ وجودية وناهية وآمرة،فسألناها: ما وراءك يا عصام؟ ] تكلّم الشيخ على لسان حال الوجود،فكل من نظر بعين اليقين وجد الله وراء الموجودات،من حيث استنادها إليه الاستناد الإيجادي،او من حيث كونها مظاهر وهو الظاهر. ولأجل ذلك قال إن الحال أجابه: [ فقالت: ما يكون به الاعتصام ] فلولا نظر الله في العالم وجودُه،لعُدمالعالم،فبالله عصمة العالم وحفظه.. _ (النفس الإنسانية): لما فرغ الشيخ من الكلام على العالم عموماً،خصّص بذكر الإنسان،فقال: [ النفس عمياء للقُرب المُفرط ]. يعني: عمياء عن شهود كمال الله تعالى،لأنه سبحانه عين النفس،فجهلت النفس حقيقتها من أجل ذلك القرب ومن أجل ما تشهده الحواس من كثائف الحجُب وظاهر الأمر. فصارت النفس بواسطة هذين الأمرين جاهلة بالله طبعاً. [ وهي الصمّاء عن إدراك الوسواس ]: أراد بالوسواس: الخواطر الإلهية التي ترد على النفوس بالفطرة. وإنما صُمّت آذان النفوس عن إدراك هذه الخواطر،لأن المادة حاكمة على النفس بالعقل والمقتضيات البشرية،فامتنع عن سماع ما يرد من الحق لأجل ذلك.. ولولا اشتغالها عن المعنى بالحسّ،لظهر بالفعل ما هو باطن لها بالقوة،من أوصاف الكمال ونعوت الجلال والجمال.. فالنفس،علىالحقيقة،مخلوقة من نور ذات الواجب بذاته،ولهذا وُجدت فيها من الكمالات جميع ما وصفت الحقّ به.. _ (النكاح المعنوي الأسمائي): [ ولا بدّ من ثلاثة: وليّ وشاهدي عدل ]: ليصحّ النكاح المعنوي،ولأجل ذلك يُبنى عليه النكاح الصوري،فلا يصحّ النكاح في ظاهر الأمر إلا بثلاثة.. فالثلاثة المتصدّرة المشروطة في نكاح الأسماء الإلهية هم: الاسم الذاتي،وهوالله. والاسم الرحمن،لأنه يرحم أسماءه وصفاته فيُظهر آثارها. والاسم الرحيم،لأنه به تُرجم الموجودات. هذا نكاح أقدسيّ.
وثَمّ نكاح قُدسيّ: والثلاث المشروطة في الأسماء،لنكاحها الثاني وتداخُل بعضها في بعض لظهور العالم كله ــ أعلاه وأسفله،أوله وآخره ــ هو: العلم والإرادة والقدرة. فالعلم هو محل ظهور المعلومات ومنصّة وجود الأسماء والصفات. والإرادة هي المخصّصة لكل موجود،على حكم ما يقتضيه حال الكمال. والقدرة هي المُبرزة له من العلم إلى العين. فهذه شروط صحة النكاح المعنوي الأسمائي الأزلي الأبديّ. فالنكاح الأول: لتعلّق الأسماء والصفات بحقائقها،ولكمال ظهورها. والنكاح الثاني:لظهور الموجودات وتحقيق بروزها،ليتمّ به مقتضى الكمال. فافهم. فجعل الشيخ الوليّ هو: الاسم الله،والشاهدان هما: الرحمن والرحيم. ففي “بسم الله الرحمن الرحيم” سرّ النكاحين المعقودين لظهور حقائق الحق وحقائق الخلق.. _ (الكلمة الإلهية / سرّ “كُنْ”): ولما كانت الكلمة الإلهية،التي هي مجلى العلم والإرادة والقدرة،وهي “كُنْ”،متعلّقة بالمعلوم،لشمول معاني الكمال له تعالى،لقوله عز وجل: (إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون) فالشيء هو معلوم بالصفة العلمية ومُراد بالصفة الإرادة. فكلمة “كن” هي المتعلّقة بعين ذلك المعلوم في العلم،وصفة القدرة هي المُخرجة له من العلم إلى العين.. البسملة عبارة عن كلمة “كن”،لأن الله تعالى كما أظهر الموجودات بواسطة الكلمة،كذلك أظهر سرّ كتابه الكريم بواسطة البسملة. فالكتاب،كله،نسخة جميع الوجود،والفاتحة نسخة الإنسان،والبسملة نسخة كلمة الحضرة. ولهذا سَنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم البسملة في ابتداء الأمور،ليكون التقدير فيه: كل فعل،يَفعله عقيب البسملة،بالله.. فلا بد من تقدير الفعل بعد البسملة بلسان الحال.. _ (تركيب الموجودات): فتركيب كل اسم عَلماً،على صفة منصّته،وتركيب كل صفة منصّة،على شأن إلهي. فقال تعالى: (له الأسماء الحسنى). لأن الشيء في نفسه لا يحتاج إلى اسم يميّز به نفسه لنفسه،هذا إذا كان ثَمّ موجود آخر،فكيف إذا لم يكن ثمّ غيره؟ فبالأولى. ولما لاح هذا المعنى لبصائر المعتزلة،من حيث أنهم لم يشعروا به،ذهبوا إلى أن القِدَم للذات فقط،ليس لشيء من الصفات عندهم قَدَم في القِدَم،فقالوا: بأن جميع الأسماء والصفات الإلهية مخلوقة. وفاتهم نصف المعرفة بالله،كما فاتَ من قال بأنها قديمة على الإطلاق قِدَم الذات. ولم يجمع بين الحُكمين إلا عارف بالله،ولا يكون ذلك إلا لمن أشهده الله حقائق الأشياءفعرفها،وعرف مجاليها ــ على ما هي عليه جملة وتفصيلاً ــ فعرف كيف يُنسب كل اسم أو صفة إلى الله،فيحكم بأنه قديم،وكيف ينسبه إليه،فيعرف بأنه ــ أي الاسم والصفة ــ مُحدَث. ولم يقف على وجه دون آخر،لأنالحق هو الجمعية. _ (الباب الخامس) _ [ الأمردَوْريّ،يعود إلى ما منه بدَأ ]. _ (الحلاج وسيف الشريعة): قال الشيخ: [ قالالحلاج،وإن لم يكن من أهل الاحتجاج: بسم الله منك بمنزلة كُن من ]. قال الشيخ: إنه ليس من أهل الاحتجاج،لأنه لما تحدّى وقال: “أنا الحق” قتله سيف الشريعة. فلو امتنع بمقتضى صفات الحق،لم يستطع أن يقتله أحد،فكانت حجّته ثابتة ودعواه صحيحة عند الغير. كما جرى لأبي يزيد في قوله: “سبحاني ما أعظم شأني وأعزّ سلطاني”،وفي قول الشيخ عبد القادر الجيلاني: “معاشر الأنبياء أوتيتم اللقب،وأوتينا ما لم تؤتوه”،وفي قول الشيخ أبي الغيث ابن جميل: “خُضنا بحراً وقف الأنبياء بساحله”،وقوله حين قال له الحِكْمي: ما حالُك؟ قال: “أصبحت أحيي وأميت،وأفعل ما أريد،وأنا على كل شيء قدير”. فكل من هؤلاء السادة،منع بحاله أن يسطو عليه أحد،فأقام حُجّته. وكان الحلاج دون هذه المرتبة ــ ولو كان على الحق ــ ولهذا أخذته سيوف الشريعة. ولا مؤاخذة على من قام عليه،لأنهم قاموا بالحق،ولو كان حقّه أعلى من حَقّهم. فكان الحلا ج على بيّنة من الله،ولو لم يكن له شاهد تلك البيّنة. وكان من ذكرناهم من الكُمّل على بيّنة من الله،ويتلوه شاهد منه.. فلكل مقام مقال،لا يصحّ دعوى المتكلّم عن ذلك إلا إذا تمكّن فيه. فلو كان الحلاج،واجدالحقيقة،ما قال غير متمكّن بالحال،فتعجّل وتكلّم. ولو تأمّل في قوله تعالى لنبيه الكريم: (لا تحرك به لسانك) لكان كغيره من الكمّل،الذين قال الله في حقهم: (لا يسبقونه بالقول).. ولما كان الوليّ فاعلاً بالله،لتحقّق ذاته بمعنى صفاته،كان “بسم الله” منه بمنزلة “كن” من الله،إذا قارَنت ذلك منه حركة إرادية لصدور ما يريد في الخارج،كما أن كلمة “كن” من الحق مقارنة لإرادته ما يكون على الوجه المخصوص المراد.. فمن ذاق من شراب التمكين بالذات،في تحقيق إظهار معاني الأسماء والصفات،ضاقَ مَسلكه،لأنه حينئذ يسير بالذات،والذات ظلمة لا طريق فيها لسالك. وإلى هذا أشار الشيخ الجيلاني بقوله: [ كل الأولياء لمّا وَصلوا إلى القَدر وجدوه مُصْمتاً،فوقفوا،إلاأنا،فُتحت لي فيه رَوْزنة (كُوّة)،فولَجت فيها،فدافعت أقدار الحق بالحقّ ]. فمن ذاق ألوهية الحق في الحق،ضاققبوله،بحُكم الخلق بالكلية. فإن في ذلك فُقدانه للربوبية،إذليس من الكمال ترك الربوبية للعبودية. فيَضيق المحقّق عن كمال التنزيل إلى العالم الخَلقي من كل جهة. فإذن: يكون حَقّاً مع حقيقته بالذات،وخَلقاً مع خليقته بالأسماء والصفات والشئون والاعتبارات والنّسب والإضافات.. ولم يُقرّ بهذه النكتة حالاً،إلا كامل في هذه الدار.. _ (رجوع الأمر): قال الشيخ: [ وإذا التفّت الساق بالسّاق،فإلى ربك المَساق،وإليه ترجع الأمور،إذ كان منه الصدور ]. معناه: إذا التفّت والتحفت الذات الإنسانية بالذات الرحمانية،بشهودها أنها عينها من كل جهة وبكل اعتبار وعلى كل حال، وفي كل وقت على الدوام. فإلى مقام الربوبية المحضة يكون مَساق هذا الإنسان.. ولهذا قال الشيخ: [ لاتُبَسمل،وقل بكُن،مثل ما قاله يَكُن. فإليه رجوعنا،لا إلينا ] والمعنى: لا ترجع بك إليه،كما هو المقصود في البسملة،بلارجع بالأمر كله إليك وقُل “كن” لما تُريده،كما يقوله الحق،يكُن ما شئت كما شئت.. فإلى مقام الربوبية رجوعنا،لا إلى مقام العبودية. فالربوبية لازمة لذواتنا،والعبودية عارضة بحكم المحلّ. وترتيب الحكمة هو المقتضي للحكمين في المحلين،من أجل هذه الذات الواحدة الكاملة بجميع تلك المعاني..

_ (الباب السادس) _
[ جَرى بنا جواد البَنان في هذا البيان،حتى أظهر ما لَم يخطُر إظهاره في الجنان ].
_ (الروح وتنزّلات الذات): قال الشيخ: [ ومن ذلك سرّ الروح وتشبيهه بيُوح ]. الألف واللاّم في الروح للعهد،وتقديره: سرّ الروح الكلية المشرقة على الهياكل الجزئية،التي يصحّ وقوعها على كل فرد من أفراد هذا النوع الإنساني. وتشبّهت هذه الروح ب”يوح”،وهو اسم من أسماء الشمس،والمراد به هنا: الحق تعالى،لأنه نور السماوات والأرض. فالإنسان هو المِثْل الذي ليس كمثله شيء،في الأرض ولا في السماء،لكونهنسخة كاملة جامعة شاملة.. إن الله تعالى،لما أحَبّ الظهور من ذاته لذاته،بمقتضىذاته،قَسّم ذاته قسمين ــ من غير تعدّد في العين ــ فسَمّى أحد القسمين بـ: الواجب والقديم والرب والفاعل،وسمّى القسم الثاني بـ: الممكن والمُحدَث والعبد والمنفعل. فأول ما أظهر من ذلك القسم الثاني: محلّ حُكمي سمّاه بالهباء والهيولىوالقدرة،لأنالعالم كله متحيّز،ولا بد للمتحيّز من مكان يحُلّه. فإن كان المكان مخلوقاً،فقد دخل في حكم العالم.. فالهباء هو الحق المخلوق،وتقيّد الحق هنا بالخلقيّة في هذه المرتبة،من أجل ذلك الانقسام. هذا الهباء هو الهيولى المعبّر عنها،عندالمحقّقين،بالعقل الأول والروح المحمدية والقلم الأعلى. فكانت الحقيقة المحمدية أول مخلوق،وكانت على النسخة الإلهية صورة ومعنى.. _ قال الشيخ: [ للحقيقةرقائق،يعبّر عنها بالخلائق ]. المراد: أن الحقيقة الإلهي لها رقائق،أيمعاني كمالية هي أعيان الأسماء والصفات المُظهرة لحقائقها في ذوات الموجودات،على سائر النعوت والنّسب والإضافات والاعتبارات،فهي هوية شيء واحد من كل الوجوه بالذات..

_ (الباب السابع) _
[ الجسم هو المُظهِر للروح،التي هي النور المظهِر للأشياء كلّها ].
_ (عالم الأجسام): قال الشيخ: [ ومن ذلك سرّ الكيف والكمّ،وما لهما من الحكم ]. لما كان السؤال بـ: كيفوكم،منلواز العالم المحسوس الذي هو منصّة الأجسام ومظهر الكثافة والأجرام،عبّر بهما عن الجسم الكُلّي ولوازمه،والنفس الكلية وعوالمها. فسرّ ظهور العالم الجسماني هو لتحقّق الإنسان بالشأن الرحماني،حتى تظهر بالفعل،في صورة جزئية مخصوصة كاملة النشأة،ما هو ثابت بالقوة في حقيقة الوجود الكلّي الجامع. لتكون تلك الصورة للوجود الكلّي كالروح للهيكل الحيواني،وكالمعنىللفظ،وكالمُلك للمملكة. فلهذه الحكمة أول ما خلق الله من عالم الأجسام: العرش،وجعله محيطاً بالمحيطات كلها،كما يحيط الجسم الإنساني بجميع ما حواه هيكله المخصوص.. والاستواء ــ في ضرب المثل ــ كاستواء الروح على الجسم: فالجسم الجزئي عرش جزئي للروح الجزئية،والجسم الكلّي عرش للروح الكلية المعبّر عنها بالحقيقة المحمدية من حيث تعيّنها وبالحقيقة الإلهية من حيث عَينها. فاعلم أن جسمك،بلالجسم الكلّي،هوالبيت المعمور بالقوى. والقوى عبارة عن الملائكة الموكّلة بتدبير العالم الكبير،كما أن القوى الحيوانية موكلة بتدبير جسمك الذي هو العالم الصغير بالنسبة إلى الجرم،وأما بالنسبة إلى القدرة فإنك أنت العالم الأكبر،والسماوات والأرض بما فيها هو العالم الأصغر.. فجسمك الذي هو البيت المعمور،بقواك التي هي ملائكة تسخيرك،هوالعرش الكريم،إذ لا موجود أكرم على الله منك. والجسم الكلّي هو العرش المحيط،لأنه جامع للموجودات الجسمانية،وليس وراءه إلا عالم الجبروت.. _ (بدء الخلق وآخره): اعلم أن الشيخ أراد أن يبيّن لك في هذه النبذة سرّ خلق العالم. فبدأ بذكر العرش،لأنهأول متعيّن في الصورة،وإليه الإشارة بقوله: [ والذي كان عليه الاستواء ].. والروح المعبر عنها بالحقيقة المحمدية وبالعقل الأول وبالقلم الأعلى،هي أول مخلوق،وهيكُليّة،وأرواحنا جزئياتها. فلهذا المعنى أشرت تلك المعاني الكمالية الموجودة في الحقيقة المحمدية في ذواتنا.. وإلى هذا الإشراق في الأجسام أشار الشيخ بقوله: [ محلّ الظهور المُشرق بالنور ] يعني: إن العالم الجسماني محل كمال الظهور الإلهي،لأن الجسم الإنساني آخر ظاهر من مراتب الوجود. ولهذا كان الإنسان البشري نوع الأنواع على الإطلاق،وكان الإنسان الحقيقي جنس الأجناس،لأنه أول موجود فحاز رتبة الإحاطة،فهو:الأول والآخر. _ (إشراقات الإنسان): وكان الإنسان مُشرقاً بأنوار الكمالات،معنى وصورة. فإشراقه المعنوي: هو حقائق قواه المعبّر عنها بـ: العقل والخيال والهمّة والمُصوّرة والإرادة،وأمثال ذلك. فهذه القوى منه هي عين الملائكة المدبرة للعالم الكبير: فالعقل من مظاهر حبريل،والخيال من مظاهر إسرافيل،والمصورة من مظاهر عزرائيل،والإرادة من مظاهر ميكائيل،وقس على ذلك باقي قواه المعنوية. وأما إشراقه الصوري: فالعِيان لعالم جسمه،كالشمس والقمر للعالم الكبير. والشمّ والذوقوالأذنان،كالخمس الكواكب الأخرى من العالم الكبير. فأشرق كِلا العالمين الجسمانيين بالنور.. فالجسم هو المُظهر للروح التي هي النور المُظهر للأشياء كلها،فلولا الجسم لما حصل لروح ما حصل من الكمال،ولا استطاعت أن تظهر بشيء من ذلك في العالم.. فالجسم أصل في كمال النور،وأصل في الظلمة. _ (الحواس الخمس): قال الشيخ [ ومنه تتفجّر ينابيع الحِكَم ]. أي: من الجسم،لوجود الحواس الخمس فيه. فلكل حاسة من الحواس حكمة مخصوصة ليست لغيرها،فلا ينال الروح هذه الحِكَم إلا بواسطة الجسم.. ولهذا احتاجت الروح،في نَيْل الكمالات،إلى الامتزاج بالجسم. فالجسم محل ظهور هذه الكمالات.. فلولا شرف الجسم لما كانت له الأحوال كلها،فهو يدخل في كل طور من أطوار النقص والكمال،من حيث قابليته لكل عمل من الأعمال المتنوعة..والأجسام على أربعة أقسام:
الأول: هو المعدن،وهو عبارة عن كل جماد لا نمو له،سواء كان مائعاً أو منعقداً.
الثاني: هو النبات،وو كل نامي من الأجسام،لا روح فيه طبعاً.
الثالث: هو الحيوان،وكل نامي ذو روح من الأجسام.
الرابع: هو السماوات والأجرام النورانية والأفلاك العلوية،فإن كُلاً من ذلك أرواح قائمة متجسّدة. وإنما صحّ إطلاق لفظ الجسم عليها لكونها تقبل الأبعاد الثلاثة التي هي من طبع الجسم ــ وهي الطول والعرض والعمق ــ فكانت أجساماً،لأنها من تمام عالم المُلك،وعالم الملك عبارة عن مرتبة الطور الجسماني.
__ (بقاء النار): لا يُتوهّم أن الجنة والنار تفنيان بحال،وما ورد من أن النار تفنى وينبُت محلها شجر الجرجير،إنما ذلك من حيث أوقات مخصوصة،ففناؤها وزوالها فناء مقيّد. لأن الآخرة محلّ شهود الأعيان الثابتة ــ التي هي معلومات العلم ــ لأن الله تعالى يُظهرها يومئذ فيُرى منها كل أحد،على حسب حاله ومقامه عند الله. ولا شك أن النار معلوم العلم الإلهي،فلا سبيل إلى زوال المعلوم عن العلم..

_ (الباب الثامن) _
[ وصارَ خرق العادة،لهُ عادة ].
_ (الجسم والجسد): الصوفية فرّقوا بين الجسم والجسد،فقالوا: إن الجسم هو كل صورة مَرئية قابلة للأبعاد الثلاثة،حالة كونها كثيفة الأصل طبعاً. وقالوا: إن الجسد عبارة عن كل صورة يتشكّل بها روح من الصور الجسمانية. قال الشيخ: [ ومن ذلك سرّ ظهور الأجساد بالطريق المعتاد ]. يعني: تصويرات الروح في الأشكال الحسيّة المشهودة الصورية. وإنما قال الشيخ: “بالطريق المعتاد” ليُعلَم أن المراد بذلك تصورات الأرواح الجزئية،كما يجيء للأشخاص ــ في حال تفكّرهم ــ من تصوّر روحه الجزئية بالصورة الخيالية المشهودة له عيناً،أو كما يجري للنائم من تصور روحه بالصورة المرئية في النوم،المشهودة له حسّاً وشهادة. _ (البرازخ): ولما كان عالم الخيال وعالم المثال متشابهين،كأنهما من جنس واحد،وكان البرزخ أيضاً شبيهاً لها،قال تنبيهاً على ذلك: [ البرزخ ما قابَل الطرفين بذاته ]. أراد الشيخ أن يُعلمك أن عالم الخيال برزخ،لكونه قابل طرفي الجسم والروح الإنسانية بذاته. وأن عالم المثال،أيضاً،برزخ،لكونه قابل طرفي المعنى والصورة بذاته. وأن العالم الذي تصير إليه الأرواح،بعد فِراقها للأجسام،برزخ،لأنه قابل طرفي دار الدنيا ودار الآخرة بذاته.
فكل من هؤلاء البرازخ بين أحكام طرفيه،لا بد من ذلك،إذ هو ناشئ منهما. فالخيال بين أحكام الجسم وبين أحكام الروح،والمثال بين أحكام الصورة والمعنى،والمحل الذي تُقيم فيه الأرواح بين أحكام الدنيا والآخرة.
فهذه العوالم الأربعة (أي: الخيال والبرزخ والمثال وأرض الحقيقة)،قريبة بعضها من بعض،وكل منها برزخ،لأنه قابَل الطرفين بذاته [ وأبدى لذي العينين من عجائب آياته،ما يدلّ على قوته،ويُستدلّ به على كَرمه وفُتُوّته ].. والدليل على أن هذه البرازخ المذكورة لها قوّة،أنهاشعبة من القدرة،وأمورها منوطة بالقدرة المحضة. وليست كأمور الدنيا،موقوفة على الحكمة والأسباب،لأن الأشياء تتكوّن فيها بالإرادة..
البرزخ متقلّب في الصور،متحوّلفي الهيئات،لسرّ مقتضيات طرفيه واختلاف أمورها. ولهذا لا تدوم الصور المرئية فيه للناظر،بل تمرّ عليه وتذهب عنه،ولو كانت باقية من حيث هي هي..

_ (الباب التاسع) _
[ إبليس أوّل من خالَف في الأمر،وآدم أوّل من خالَف في النّهي ].
__ (الوالِجوالمارِج): قال الشيخ: [ ومن ذلك سرّ الوالج والمارج ]. الوالج: إشارة إلى الأرواح الطاهرة المختلفة،من العنصريين العُلويين،وهم ملائكة الجو بين السماء والأرض. والمارج: هو الأرواح الخبيثة،وهيالجن،خلقهم الله تعالى من امتزاج النار بالهواء،كما خُلق الإنسان من امتزاج الماء بالتراب.
ولما كان خلق الجان من امتزاج النار بالهواء،كان الانقلاب طبعاً له. لأن الهواء لا ثبوت له،كذلك النار تُريد العلو والارتفاع طبعاً.. وبعكسه التراب لا يطلب إلا السّفْل.. ولهذا كان الإنسان مُؤتمِراً طيّعاً،والجان مخالفاً عاصياً..
فإبليس أول من خالف الأمر،لأنه قيل له: اسجُد،فما سجد. وآدم أول من خالف النهي،لأنه قيل له: لا تأكل الحبّة،فأكَل..
وإنما وقع الخلاف في هذين الجنسين ــ دون سائر الأجناس ــ لأن الظهور في تركيبهم لركنين،على أن بقية الأركان موجودة في كل جنس منهما. فالجن من النار والهواء،والإنسان من الماء والتراب. والخلاف واقع بين النار والهواء،لأن النار يابس والهواء رطب،وبين الماء والتراب،لأن التراب يابس والماء رطب. فغلب حكم الخلاف في ذوات هذين الجنسين ــ دون غيرهما ــ لأن كل موجود سواهما غير مخصوص برُكنين،بل يتساوى فيه الأربعة،جمعاً وفرداً. وكل من الجان والإنسان،أيضاً،توجد فيه الأركان الأربعة،لكن الظهور في كل منهما لركنين. فلهذا خالفوا،لأنطبع تركيبهم يقتضي المخالفة..

_ (الباب العاشر) _
[ مرتبة الإنسان الكامل،عندي،فوق مرتبة الملائكة ].
_ قال الشيخ: [ ومنزلهم بين الله والعالم،مثل البرزخ ]. أي: منزل الملائكة المُهيّمة والملائكة المحكّمة.. جعلهم الشيخ أفضل من البشر الكُمّل،فقال إنهم متوسطون بين مرتبة الألوهية وبين مرتبة الإنسان الكامل. هذا مذهبه،ولا أقول بذلك،بل مرتبة الإنسان الكامل ــ عندي ــ فوق مرتبة الملائكة،لأنهم له كالقوى للجسد وكالصفة للذات وكالعَرض للجوهر.. _ (الخلافة): قال الشيخ: [ واعلم أن الخلفاء على أقسام: خلفاء الله على ما هو له،يقومون بصفاته عنه. وخلفاء لخلفاء الله،في كلا القسمين ]. فالخلافة المحضة،فيما هو الله،لسيدنا محمد وللأنبياء والأولياء الكُمّل. والخلافة المحضة،فيما هو من الله،لسيدنا محمد وحده،والأنبياء والأولياء الكمّلنُوّابه،فهم خلفاء خلافته صلى الله عليه وسلم

الاستاذ رشيد موعشي..

42 : عدد الزوار