Search
Exact matches only
Search in title
Search in content
Search in excerpt
Search in comments
Filter by Custom Post Type

شرح صلاة المتردي ومزجها

شـــــرح

صــــلاة نــــعـــــتــــيــــة رقــــيــــقــــة

بـإشـــــارات لــطـــيـفـــة وأســــرار دقـــــيــــقــــة

بسم الله الرحمن الرحيم،الحمد لله رب العالمين،والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد،وعلى آله وصحبه وسلم.

يحركنا ذكر الأحاديث عنكم  **   ولولا هواكم في الحشى ما تحركنا

الحمد لله الذي هدانا إلى الإسلام والإيمان،ووفقنا إلى مقام الإحسان،ويَسَّرَ لنا شيخا من أهل المعرفة والعرفان،فانشرح لنا الوجدان، وسقانا رحيق كؤوس معرفة سيدنا محمد العدنان، فأسكرنا بالإطلاع على خبايا القرءان، ورقى أذواقنا إلى العَنان،فأصبحنا من الفرسان،وصرنا نزاحم أهل الحقائق،ونجادل بلغة أهل الدقائق ،ونـميز بين الشاهد والسائق،والمسبوق من السابق ،وبين لنا الخيط الأبيض من الأسود من الفجر، وصلينا صلاة الصبح في أول العصر ،ونضحنا البر بالبحر.فجزاه الله عنا من شيخ رفيع القدر رحب الصدر خير جزاء .

أما بعد ،فيقول الفقير إلى ربه  أسير ذنبه نوعليل كسبه، مستمدا من حضرة مركز دائرة الأنوار.هذه محاولة بسيطة لشرح صلاة المتردي (1) ولحل شفرتها ،وفتح أقفالها، واستخراج الدرر من أصدافها. ومقصودي الإيجاز دون الإسهاب ,فالإطالة تورث السآمة والملل ،وهي صلاة نعتية راقية من أحمديته على محمديته، صلاة مطلسمة ومستغلقة.

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ومولانا أحمد, المتردي بأردية الكبرياء وأشعة الفردانية  الملثم بمعاني عظمة سرادقات غيب الهوية ,المتأحد في عين الكثرة,المتكثر في عين الوحدة ,الملتحف بوحدات الذات, المستوي بقدم الأحدية على عرش الصفات, المثنى عليه بلسان جمع الجمع في مهامه الغارات ,على خط قوس لسان الأزل بمحو الذات بالذات للذات في الذات . الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم ملك يوم الدين ,خط الدائرة ونقطة البروج, دفتر المثاني وقهرمان العروج, العبد الحقاني, المنفرد بليس كمثله شيء, الأحدي الثاني ,المتلو عليه بلسان الجمع في حضرة جمع جمعه, وإنك لتلقى القرءان من لدن حكيم عليم. هيهات هيهات ,وما يعقلها إلا العالمون ,وآله وصحبه وسلم.

مــــــقــــــــدمــــــــة:

في الكلام على  لما عبر الشيخ الكتاني بأحمد دون محمد،وكلامه عن  المحمدية،والأحمدية والإصطحاب.        

يقول الشيخ سيدي محمد الكتاني رضي الله عنه :”…يَحتمِل معنى أحمد أنه أحمد الحامدين لربه، أي لو جَليت لنا في الخارج قوابل الأشياء،واستعدادتها،وفحصنا عن تلك الحقائق لوجدنا ثناءات هذه الحقيقة الأحمدية،وأحمديتها للرب سبحانه أكثر من كل حمد،يصدر في العالم لا من الأنبياء،ولا من الرسل،ولامن الملائكة ولا ممن عداهم.لأن الثناء يكون بحسب الإطلاع على الكمالات والمحامد، ولا إطلاع أوسع من إطلاع الحقيقة المحمدية ،ولا انفساح أفسح من انكشافها، وهو يقول : “ما بال أقوام يتنـزهون عن الشيء أفعله،والله إني لأعرفكم بالله،وأشدكم له خشية”﴿البخاري﴾.ويحتمل أنه : أحمدُ من حمِدَه الحق سبحانه، ويكفي من أحمديته تعالى له، القرءان مدح له إما بالتصريح أوالتلويح،أو الكنايات،أوالإشارات،أوالتعريضات أو الإدماجات…﴿خبيئة الكون﴾…والحقيقة المحمدية سابقة بعينها على الأحمدية، لأن محمد عبارة عن كثرة حَمْد الغير له ،ولما كَثـُر حمد الغير له قام به وصف، فاستحق أن يُشتق له منه إسم فقيل محمد.وأحمد عبارة عن كونه أحمد أجزاء الموجودات للحق ،ولا يخفاك أيها المنصف أنه ما كان أحمدا لربه حتى سبقت حمديته مقتضيات الكمالات الإلهية له،وطلبته في نفس غياهب أوليتها.فَحُمد من قِبل الحق ،قبل أن يَحْمد هو الحق فقد قام به وصف المحمدية عينا وحكما،قَبل أن يقوم به وصف الأحمدية،فاشتق له من الوصف اسم فكان محمدا قبل أن يكون أحمدا،وهي مسألة عظيمة…والمحمدية أوسع دائرة من  الأحمدية، وقد ظهر ذلك في أن حروف محمد بحساب الجمل 92،وأحرف أحمد 53﴿كتاب روح القدس﴾…ولا شك أن أحمديته حاوية لجميع الكمالات الإلهية،إذ هي الكتاب المبين، الذي ما فرط فيه من شيء، لكنه كله متشابه، ولا شك أن هذا لا يحصل إلا لمن أحاط خُبْرا،بجل الحضرات الغيبية،واستودع عنده مكنون ما فيها وهوكذلك، إذ هذا عنده من يوم لا يوم.لأن القرءان أنزل عليه هناك في تلك المهامه من الذات،للذات بالذات،هناك تلى عليه قوله جل ذكره﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾من عند حكيم عليم،لا واساطة لأحد ولا منة﴿كتاب الطلاسم في الكمالات المحمدية﴾إنما لشدة تـمكِينه في مقام العبودية كان يظهر ذلك في السفير،  مع غناه عنه،وإنما كان يأتي مسخرا رسولا بين أحمديته ومحمديته، على أنه كان لا يدري ما يأتي به.فهو غني لا عن جبريل ولا عن غيره …وجبريل خدم من خُدامه،وحَشم من حَشمِه ،على أن سيدنا جبريل لا قوة له على مكافحة مُحياه صلى الله عليه لولا كَوْنُه ضمه أولا،وثانيا،وثالثا.فلولا ذلك الضم ماقدر على التلقي من أحمديته…﴿الطلاسم﴾…وسيدنا عيسى عليه السلام كان يعلم أنه  رُكب من جوهرين لطيف وكثيف،لكن الجوهر اللطيف،لايؤثر فيه لغلبة الروحانية.وإذا كان كذلك فكأنه ما برز إلا الجوهر الروحاني، والجوهر الروحاني،من عالم الأمر.ولا شك أن عالم الأمر ليس مستودعا فيه إلا الحقيقة الأحمدية.وإذا كان كذلك فما برز إلا الجوهر اللطيف ،فحكم البشرية منتفٍ لا يثبت ،وعينها قائمة.فهذا هو سر إيثارنا التعبير بأحمد دون محمد ﴿الرقائق الغزلية﴾…والإصطحاب الواقع جعل سلطنته الروحية تستولي على الجسمية، فعمتها بحللها جملة وتفصيلا،ولذلك كان لا يرى له ظل،لأن الروحية لا ظل لها،وكان يرى من خلف كما من أمام، إنما كان يتظاهر بالبشرية، كي لا يعبد من دون الله.يقول سيدنا “إني لست كَهَيْئتِكُم “،هَيئتُنا هي الصورة الإنسانية الآدمية،المركبة من الكثائف والعناصر،وهو ليس كذلك ،الصورة والشكل مِثْلُنا ،ولكن غلب على الإناء لون الماء .وكذلك سيدنا محمد  قال”:رأيت ربي في صورة شاب أمرد”، وهو بحثية صرافة أحمديته فإنه رآها به…فهو ذاك الشاب الذي رآه،إذ هو بحثا صرفا…رأى نفسه بنفسه في مقام ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾﴿الطلاسم﴾…قال جل ذكرهٍ﴿وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾آثَـرَ التعبير بالأحمدية لما قلنا،وذلك لأنه إذا وقع الإصطحابالحُكميلك أن تسمي كُلاً باسم الآخر…﴿كتاب الديوانة﴾وسألته  عن حقيقة الإصطحاب هل كانت أم لا ؟ فقال لي :آتحد الإسم والمسمى وتخلل الطِلْسَم الـمُعَمى ,فقلت هل من أول قدم ؟ فقال لي على ما جرى في القِدم. لكن آونة يغيب الناسوت في اللاهوت،ويظهر اللاهوت في الناسوت، ووقتا يغيب اللاهوت في اللاهوت ويبقى الناسوت للناسوت﴿الطلاسم﴾انتهى …

 اخترت من كلام الشيخ رضي الله عنه ما ناسب مشربنا وإلا فحديث الشيخ عن الأحمدية والمحمدية مضطرب ومتشابك ،بل في بعض الأحيان يبدو فيه الغموض والتناقض خصوصا ما ورد في ﴿خبيئة الكون﴾.

المتردي بأردية الكبرياء   

“ورد في معجم مقاييس اللغة مادة ردى:ردى يدل على رميٍ أو ترامِ، يقال رَدَيْـتُه بالحجارة أرْدِيه إذ رميته ,ومن الباب الردى هو الهلاك .يقال رَدَى يرْدَى إذ هلك ,وأرداه الله أهلكه. ومما شد على الباب الرِداء الذي يُلبس،ما أدري ما إشتقاقه وفي أي شئ قياسه.ويقال فلان حَسْنُ الرِدْية من لُبْس الرداء” .انتهى.

قال تعالى﴿ قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدتَّ لَتُرْدِينِ﴾أيلتوقعني في الهلاك.﴿وَمَا يُغْنِى عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾أي هلك ووقع في النار .وقال ﴿وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَة﴾المتردية هي التي تسقط من جبل، أو موضع مشرف فتموت. إذاً المتردي هو الواقع في الردى أي الهلاك فهو الهالك من جهة، لأنه ممستهلك إستهلاكا كليا في المتردي، فلا وجود عيني له،وهو على صورة المتردي، إذ لو لم يكن على صورته لما ارتداه. فهو مستهلك (2)في حقيقته،وحقيقته مستهلكة فيه﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ.ومن جهة أخرى الرداء هو اللباس، والمتردي هو اللابس للرداء، والمتردي محجوب بردائه عن إدراك الأبصار ،لأن الرداء يحجب الأبصار عنه ولا يحجبه عنها، فهو يدركها ولا تدركه .وعبر بالرداء لإن الرداء له جزء واحد،أما القميص،أوالسروال فهو مركب من أجزاء مختلفة ،ضُم بعضها إلى بعض،فالرداء أقرب إلى الأحدية (وهي صفة ولا تَتَجزأ)من غيره، لذا كان التعبير به أكثر دقة.وكذلك الإزار فلا أقرب من الرداء ،والإزار إلى الشخص.قال يقول الله عز وجل في الحديث القدسي “الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ(2م). وقال  “ما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلارداء الكبرياء ،على وجهه في جنة عدن”(البخاري). وليس إلا البرزخ الجامع: الحقيقة المحمدية، فعليها وقعت الرؤيا،وبها وقعت وهي الرائية والمرئية، فلا تقع الرؤيا إلا عليها .وأردية الكبرياء،هو كرسي الخلافة الذي نُصب له ،فظهر بأسماء وصفات الحق في الوجود، إذ لا يتم له اسم الخليفة، إلا بإفراغ جميع حلل الأسماء والصفات الإلهية،التي يطلبها العالم وتطلبهمن رآني فقد رآى الحق”(الحديث).وهو صلى الله عليه به من مقتضيين، مقتضى الصفة الأحدية، ومقتضى الأسماء،ومن بين الأسماء،إسمه تعالى  المهيمن،فكانت له  المهيمنة على جميع ذرات الوجود،والهيمنة على جميع الحضرات. وهو حي دائما،بحياة مفاضة عليه من بحر الأحدية الصرفة، فله روح كلية، وروح جزئية ،كما تحلى بالإسم الأحد والهوية،وبالغنى عن العالمين .ومن أردية  الكبرياء أن أول قسمة في الوجود كانت له  “قسمت الصلاة بيني وبين عبدي( الحديث).أذكر كذلك الإصطحاب مع الفيضة  القرءانية،وأخد الميثاق له من جميع الأنبياء على مبايعته ،والإقرار برسالته.كما أن لكل نبي هدى وجمع ذ لك كله في سيدنا محمد. فمن رآه فكأنما رآى جميع المقربين،ومن اهتدى به،فقد اهتدى بـهدى جميع الأنبياء.قال تعالى﴿أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ  وما قال فبهم اقتد.ومن أردية الكبرياء إسراءه  بجسمه الشريف المولود من أم وأب وإمامته للأنبياء،وهم أرواح.وهو سيد ولد آدم، وهو الأمانة التي عرضت على السماوات والأرض،وسماه الأمانة ،دليل أن الأمر بيد من استخلفه،فالأمر إعارة وليس أصيلا.وقال له﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾فلا يذكر الله إلا ذكر معه سيدنا محمد،وقال له﴿طه﴾أي طأ سدرة المنتهى، وهو بنعله الشريف.وما من آية أو سورة ورد فيها التضعيف،إلا والمصطحب معه موجود فيها،عرف ذلك من عرفه، وجهله من جهله.وكلمة “قل”وردت في القرءان 334  ،بعدد بسط وكسر كلمة أحمد ، أعطيت كلها لمولانا رسول الله فتأمل.قال  “ألا وإني أوتيت الكتاب ومثله معه ألا وإني أوتيت القرءان ومثله معه”(أبو داوود),وقال تعالى ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ،والشيء أنكر النكرات ،وكل مايطلق عليه اسم الشيء،هو في القرءان إما تصريحا أو تلميحا،بالإشارة أوبالعبارة،وهذا يقتضي أن سيدنا صلى الله عليه به قد أحاط بكل العلوم ،فلا يخفى عليه شيء في العوالم السُفْيلة أو العُلْوية، ظاهرا كان أوباطنا،حسيا كان أومعنويا.أما فيما يتعلق بسيدنا جبريل ، فلولا ذلك الضم ما استطاع  التلقي من أحمديته،والنزول به على محمديته،ولم يكتف بواحدة فزاد ثانية، وثالثة، فوقع الإصطحاب بين الملك والجسم الشريف ،وتأمل قوله :”لو تقدمت شبرا لاحترقت”. وبطبيعة الحال معرفة الرداء تقتضي معرفة المتردي، والعكس صحيح ،وأردية الكبرياء لا حصرلها، ولاسبيل إلى معرفتها وعدِّها,”والعجز عن الادراك إدراك “،وأكتفي بما ذكرته. فالقرءان كله أردية الكبرياء في حقه  وما زال الإسم المبدع،يبدع في سر النبي الخاتم. وأردية الكبرياء تشير إلى الباطن، إذ لوكانت ظاهرة لعُبد من دون الله.فسيدنا عيسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام,عندما ظهر برداء من أردية الكبرياء،عُبد من دون الله. وأشعة الفردانية تشير إلى الظاهر، فهو  تقدم في الشهود،وتأخر في الوجود،فهو الظاهر والباطن والأول والآخر.فلا تقع الرؤية إلا على رداء الكبرياء(3).ورداء الكبرياء متعلق بالصفة﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاء فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾(4) وأشعة الفردانية بالموصوف.قال تعالى﴿وإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً﴾البرهان : الهيكل المحمدي، والنور : نور النبوة القديم.فهو صلى الله عليه،حقيقة الحقائق وفيه ارتقت جميع الحقائق،و هو  سر جامع هَيْمَن على الأَرْواح بصفته فكان شَاهدا،وسر جامع سيطر علَى الأَشْبَاحِ بِقالبه فَكَانَ شَهيداً، وهو برزخ عظيم بين الرب والمربوب.وجهته الحقية كانت حجابا عظيما للكثير من العارفين،وهي التي كانت تخاطبهم وظن بعضهم أن الحق يخاطبهم. فهي رب وعبد،ناسوت ولاهوت،تأمر وتطاع،تظهر وتختفي،لها صور على عدد المومنين، وهي متحلية،ومتجلية بالأسماء والصفات الإلهية ،مرتدية برداء الكبرياء،ومؤتزرة بإزار العظموتية ملتحفة بالرحموتية ،ومتعممة ب﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ .فهو  نور محض وعبد خالص ،ستره الحق بالأمية،وألبسه حلل النبوة ،وزينه بالرسالة، وقال زيادة في التستر عليه﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ.

وأشعة الفردانية  

الفرد الوتر،والفرد أيضا الذي لا نظير له.انفرد عن الشفعية لأنه مرتبة متميزة في الأعداد، ويختلف عن الأحدية،لأنه لا يكون إلا بعد ثبوت الإثنينية.لأن الأحدية لا تقبل الثاني. الأحدية لله،والفردية مشتركة. الأحدية لا تحتاج إلى ثاني، أما الفردية فلا تكون إلا بعد وجود الثاني،وفي حق رسول الله،الثاني هو الكون، وأهله،لأن الأشعة مرئية(أشعة الفردانية) ،فالسِّوَى هو الذي يعطي للفردية مرتبتها.و سميت فردانية لإنفرادها بنعوت ليست في من انفردت عنه،إذ لوكانت فيه ما صح له أن ينفرد بشيء.ومن أشعة الفردانية أن أمر الله تعالى العوالم كلها بأن تصلي عليه،ولم يناديه باسمه إنما نداه بصفاته ليبين لنا أن المرسل للعالمين هي النبوة المطلقة ،الغير مقيدة لابالزمان ولا بالمكان،وليس هناك حوار بين الله وبين سيدنا محمد ،لأنه قريب من رب العزة. وشريعته نسخت جميع الشرائع وهو  خاتم النبيين فلا نبي بعده، إذ لو حصلت النبوة لأحد لكان ناسخا لشرع سيدنا محمد  ،وذلك محال ،لأن الجزء لا يظهر على الكل،ولكان وارثا له ، والوارث لا يكون وارثا إلا بعد موت الموروث ،ومولانا رسول الله حي بحقيقته،حي بروحه الكلية.

 أين بين من قيل له﴿ولسوف يعطيك ربك فترضى ﴾ومن قال﴿وعجلت إليك رب لترضى﴾.

أين بين من قيل له﴿ ألم نشرح لك صدرك﴾ومن قال﴿رب اشرح لي صدري﴾.أين بين من قيل له﴿ليغفرلك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ومن قال﴿والذي أطمع أن يغفرلي خطيئتي ﴾.أين بين من قيل له ﴿ورفعنا لك ذكرك﴾ومن قال﴿ واجعل لي لسان صدق في الاخرين﴾.أين بين من قيل له ﴿ما كذب الفؤاد ما رأى﴾ ومن﴿فنظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم.أين بين من ﴿رأى من آيات ربه الكبرى﴾…وبين من قال﴿ رب أرني أنظر إليك﴾.

يقول الشيخمحمد بن عبد الكبير الكتاني: أن مولانا رسول الله  زيد نبيا…ومن حينِ خرج  إلى عالم الشهادة،خرج مع ثبوت النبوة له،مع كمون الرسالة في حقيقته،إلى أن يأتي وقت الظهور بها…بل النبوة والرسالة كانتا حاصلتين له في تلك المدة ،أعني قبل نزول الملَك…فإن القرءان كان مقرؤًا،وثابتا عنده في مدة الأربعين،كما كان قبلها بشاهد ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ ﴾…فالوحي من لوح أحمديته يقرأ وعلى محمديته يُتلى.أما النبوة فلقوله “كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد “وأما الرسالة فلقول التنـزيل﴿وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ﴾فسماه رسولا في تلك القرون الأولى،(تأمل)فلنفسه ولمن تقدم من الأنبياء والرسل،إلى أن آن وقت ظهوره…انتهى(كتاب الديوانة بتصرف) (5).قال تعالى ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا﴾فلولم يكن  متمكنا من الإجتماع بهم لم يكن لهذا الخطاب فائدة.قال تعالى﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ أقسم بحياته  وما أقسم بحياة أحد، ولا فائدة للقسم،إن لم يكن  موجودا بحقيقته في تلك العصور الغابرة.قال تعالى﴿ومَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّرَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾،والرحمة صفة ولابد لها من وجود الموصوف بها.كما أن من أرسل رحمة للعالمين،يجب أن يكون قبل العالمين، وأفضل العالمين،وأعظم العالمين،ومربي العالمين.يقول سيدنا صلى الله عليه بهإني لست كهيئتكم” وهذا الخطاب عام في الذات،والصفات،والأفعال،والأحوال ،لأنه أحدي الذات،واحدي الصفات.فمن تمام كونه أنه ليس كهيئتنا أن له روحان،روح كلية،وروح جزئية ،ليس له كثافة بشرية،ليس له ظل ،وكان يرى من خلف كما من أمام،وإذا مشى مع القوم كان أطولهم،ولا يترك أثرا في الرمل ويتركه في الصخر،تنام عيناه ولاينام قلبهإني أبيت عند ربي يطعمني ويسقين، كلتا يديه الشريفتين يمين ،فهو نور محض﴿قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ ﴾وسماه تعالى نورا قبل القبل﴿نُورٌ عَلَى نُورٌ﴾ نور القرءان على نور النبوة، والنور مطلق صِرْف لاجهة له.فباطنه حقاني لاهوتي،وظاهره كذلك،ولون الماء لون إنائه. فأشعة الفردانية من مقتضى قوله تعالى﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾وقوله تعالى﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾وقول الصديقة”كان خُلُقه القرءان”،وقوله صلى الله عليه وسلم “كلكم من آدم، وآدم من تراب”، فالنبوة ترى على حسبها،لا على حسب الرائي ،لأنها تتصف بالإطلاقية.ولهذا اختلف الصحابة رضوان الله عليهم في وصفه ،ولذلك اختلفت المشارب الصوفية.وكل الرسل كان في زمنهم أنبياء، ناصروهم،ونُصروا بهم إلامولانا رسول الله ،لم يكن معه أنبياء،لأن الخليفة الكلي كان حاظرا بـهيكله الشريف،ولا يحتاج إلى من نواب،إنما نصر بأصحابه الذين انتشلهم من ظلمات الجهل وظلام الجاهلية ،ورباهم أحسن تربية،حنى نالوا المقامات قعساء،وقال في حقهم “إن مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم عليه السلام,ومثلك يا عمر كمثل نوح…”(الحديث رواه أحمد).قال تعالى﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمُ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾(البقرة).وفي سورة الجمعة ﴿هُوَالَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمُ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ فتأمل التقديم والتأخير بين التعليم والتزكية .والشرائع السابقة جاءت بالشريعة دون الحقيقة ، بدليل قصة سيدنا موسى مع الخضر. أما سيدنا محمد فجاء بالشريعة مصحوبة بالحقيقة، وكل الأنبياء جاءوا ب “لا إله إلا الله”ليس معها ابراهيم رسول الله أو موسى رسول الله….لأن رسالة السابقين فرع عن رسالة سيدنا محمد  توحيدهم جاء على طريق الرحمانية قال تعالى ﴿هَذَا﴾أي القرءان ﴿هَذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي﴾ فعندما بعث مولانا رسول الله تمم التوحيد ب”محمد رسول الله “,فكانت” لا إله إلا الله” شريعة و”محمد رسول الله” حقيقة. رسالته  كانت صفة له،ورسالاتهم كانت أمانة أدوها ،وانتهت بانتقالهم الى ىدار البقاء.فأشعة الفردانية منبسطة منه عليه. قال سيدنا حسان :   

خلقت مبرأ من كل عيب  **  كأنك قد خلقت كما تشاء

وظهرت الفردانية في الأجسام البشرية: في آدم،وفي عيسى عليهما السلام .كما ورثها منه  باقي الأنبياء. فكان كل نبي ورسول فردا في نبوته ورسالته. فسيدنا إبراهيم انفرد بالخلة،وسيدنا موسى بالكلام، وسيدنا عيسى بإحياء الموتى .وعلى العموم يكفي كونهم نواب سيدنا  ليتصفوا بالفردانية بين البشر،فهم خلفاؤه في الظاهر،وهو حقيقتهم في الباطن .فهو  متردي بأردية الكبرياء ،وبأشعة الفردانية,وكما أن الملوك والحكام مرئيون لعموم الناس،كذلك هذه الأردية مشهودة لخاصة الخواص من العارفين .فعلينا أن نذكر اسمه الشريف بالتسييد،والتعظيم والاحترام . اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد.

الملثم بمعاني عظمة سرادقات غيب الهوية

اللِّثامُ: رَدُّ المرأَة قِناعَها على أَنفها،وردُّ الرجل عمامَته على أَنفه.والسرادق هو كل ما أحاط بشيءٍ،من حائط أو مِضْرَب أوخباء،والجمع سرادقات.وفي التنـزيل﴿أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾في صفة أهل النار، أعاذنا الله منها. تحقق  وتخلق بالأسماء الإلهية،ومن جملة الاسماء،الهوية،فصار مجهولا عند كل العوالم﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي أي الروح الكلية(وروح غيره جزئية)﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ﴾ فالخلائق كما أنهم مفطورون على التزحيد ،كذلك مفطورون،عن العجز عن معرفته  والإحاطة بكنهه”ما عرفني حقيقة غير ربي”.قال تعالى﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾رفعنالكذكركفلم يعرفك غيرنا.قال أويس القَرني: ما أدركتم من محمد إلا كالسيف في غمضه. هيهات هيهات لما يطلبون،فهو من مقتضيين ،النبوة من مقتضى الصفة الأحدية،و الهيكل الشريف المولود من أم وأب من مقتضى الأسماء الإلهية،والخلائق من الأسماء  فقط.فكان  كلي وما عداه جزئي، فهو الباطن في نفس ظهوره،والظاهر في نفس بطونه.له وجهة حقية،ووجهة خلقية.وهذه الوجهة الحقية هي التي سماها الصوفية الكنـز المطلسم وهي الحضرة الإلهية حينما كانت في حالة الكنـزية،أي البطون المتقدم للأسماء الإلهية في بساط الأحدية،والتي هي حضرة سحق ومحق،ولا يثبت معها غيرها.وهي (أي النبوة)غيب طلسمت بسرادقات سر الكنـزية ،وتلثمت بنقاب حجب الهوية .

وما احتجبت إلا برفع حجابها ** ومن عجب أن الظهور تستر

فكان كنزا مطلسما.طلسم في القرءان عموما،وفي البسملة خصوصا،ففصلت بها السور بعضها عن بعض بعدما كانت آيات،وسترها الحق تعالى بِلُطْفِه حتى غابت عن أهل الدوائرِ،ولم يعثرعليها أَحد إِلامن اصطفاه الله لذلك.فهو الباطن بمعاني عظمة سرادقات غيب الهوية (6) أي البطون الكلي في عين الظهور الكلي. فمن شدة ظهوره خفي عن الأبصار،وظهوره كناية عن سريانه في جميع جزئيات العالم من غير انقسام ولا تبعيض،ومع ذلك فهو باطن لا يدرك، وكذلك بطونه في الضمائر القرءانية،فلا يراه إلا من خصه الله بها وفتح بصيرته.فهو الملثم بالمعاني لا بالصور،والحجب المادية،وقوله بمعاني أعطت السرادقات جمعا لا نهاية له،  يعني أن تحت كل سرادق ما لا نهاية له من الحجب،لأن دائرة المعنى أوسع من دائرة الألفاظ فافهم. فحارت العقول فيه وانقطع دونه الوصول، فلا كشف يدركه ،ولا عقل يحده ،ولا وَهْمٌ يصفه، إنما هو هو، قيل له﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ﴾فقال.بل عجزت الملائكة عن معرفته،والوصول إلى كنه حقيقته.قال تعالى ﴿وَمَامِنَّاإِلَّالَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ لَوْأَنَّ عِندَنَا ذِكْراً مِّنْ الْأَوَّلِينَ لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾فأقروا بأن ليس لهم ذكرا من الأولين أي النبوة القديمة،أول العابدين.ووصفها بالعظمة أي السرادقات،لأنه لا يمكن معرفتهاكلها والإحاطة بها.فسيدنا  مستور بالنبوة، التي هي صفته، لهذالم يخاطبه الله تعالى في القرءان المجيد بالإسم إنما خاطبه بالصفة﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيءُ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴿يَا أَيُّهَا المُزَمِّلُ﴿يَا أَيُّهَا المُدَثِّرُ﴾.ستره الحق سبحانه وتعالى لأنه  من مقتضى الأحدية الصرفة التي تقتضي البطون،وحتى لا يعبد من دون الله﴿وتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ﴾ لايبصرون حقيقتك. فالصفة مشهودة الأثر مفقودة في النظر.ومن مراتب غيب باطنه  الغيب الشهادي ،باطن الغيب،غيب السر، سر الغيب ،سر السر،غيب الغيب .

المتأحد في عين الكثرة،المتكثر في عين الوحدة

اعلم أن سيدنا محمدا هو مجموع العالم، من حيث أن النور المحمدي، هو الهيولى والمادة التي خلق الله منها العالم بأسره.والمتأحد هي الروح الكلية، المتأحدة فلا كثرة فيها أصلا، إنما الكثرة راجعة لتعدد التجليات الإلهية التى لاحصرلها، التابعة للأسماء الإلهية والراجعة إلى عين واحدة ,إلى إسم الجلالة “الله”وإلى المصطحب معه “نبوة مولانا رسول الله “فيمنحها الحق تعالى بهذا التجلي الوجود،أي يظهر المقتضى.وهذا التجلي دائم مع الأنفاس ،فالكون بأسره هو تجلي الأسماء والصفات الإلهية،المتأحدة في عينها،إنما مقتضياتها تعددت وتنوعت فظن المشاهد أن الصفة متكثرة ،وليست متأحدة، والصفة عين الموصوف.ومثال لهذا قوله تعالى﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾فهذا جمع في فرد. العبادات كثيرة و المصلي واحد،عبادات الملائكة (من قيام وركوع وسجود وتسبيح) جمعت في الصلاة ﴿ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فرد في جمع. والصراط المستقيم هو محمد  لأنه ناب عن الكون كله .ومثال ثاني :في الأعداد ما ثم إلا العدد الواحد، وباقي الأعداد كالإثنين ،والثلاثة، والعشرة… إنما هي واحد تكرر مرتان ،وثلاثة، وعشرة مرات ،فالواحد ظهر في مرتبتين فسمي إثنين،وقس على هذا باقي الأعداد،تجد الوحدة في عين الكثرة.والعدد الواحد هو،هو ،والكثرة في تعدد مراتبه.فتأمل،إنمالم يظهر الواحد باسمه في الأعداد، وظهرا بمعناه،إذ لولا معناه لم يوجد لهؤلاء عين، ولو ظهر باسمه لم يوجد لهم عين. وكذلك الألف في الحروف (كل الحروف في باطنها الألف).ومثال آخر الشخص الواحد على عدد ما يقابله من الأنوار تظهر له ظلال متعددة ،وعلى عدد المرايا تظهر له صور وهو واحد، وإن تعددت صوره وظلاله.فهو واحد من حيث ذاته،متكثر من حيث تجليه في الصور وظلاله في الأنوار .فهي المتعددة لا هو،وليست الصور غيره،فمن أين للمرآة معرفة حقيقة ذي الصورة المتجلية في المرآة؟ ومن أين للظل معرفة صاحب الظل الذي امتد عنه ؟ هيهات هيهات.فأمواج البحر من البحر،لا هي هو ،ولا هي غيره ،هي في نفس تكثرها عين البحر.فبلسان الحقيقة هي كثرة مشهودة لا موجود،وإن  تكثرت أحكامها ومظاهرها﴿ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللًّهِ﴾ وبلسان الشريعة هي وحدة موجودة لا مشهودة، فمن وقف مع الكثرة كان مع الأسماء الإلهية ومع الكون،ومن وقف مع الوحدة كان مع الحق في غناه عن العالمين حتى عن أسمائه وصفاته ومقتضياتها.فافهم واحذر من أن تنفش غنمك في حرث القوم ،وأن تنسبهم إلى القول بوحدة الوجود الفلسفية،فهنا زلت أقدام كثيرة.فما ثم في حقيقة الأمر، إلا شؤونه كيفما تعددت وتنوعت وظهرت، أي تجليات الأسماء الإلهية المسمى كثرة صورها الخلق ،فالتجليات هي المتعددة لا هو، وهي المعبر عنها بالوحدة في عين الكثرة، والكثرة في عين الوحدة. فأسماء الله غير متناهية لأنها تُعلم بمقتضياتها ،والمقتضيات غير متناهية ،وإن كانت ترجع إلى أصول متناهية هي الأسماء الحسنى .فحالات الرحمة لا تتناهى إن حاولنا إحصائها لأن الكائنات المرحومة لا متناهية. فالكثرة في الوجود شرط لابد منه.                           يقول شيخي رضي الله عنه في كتابه (بغية الرائد):

فصار فردا في عين جمعه ** وفرقا في جمعِ جَمعٍ لطيف مشاهدا

قال أبو العباس المرسي:لو احتجب عني رسول الله  طرفة عين،ما عددت نفسي من المسلمين.فالمراد بعدم الإحتجاب دوام شهود سريان حقيقته في العالم، لاشخصه الشريف،وأكبر منه مقاما من يرى أنه أصبح محل استقرار الصفة ،لنستمع لهذا الختم الأحمدي الكبير :

أراه في نفسي و هيكلي و قالبي**  متمثلا فكدت أقول أنا هو

يقول العارف الكتاني رحمه الله في صلاة” اليمين المحمدية” : …فإن الحقائق المحمدية سر الله في العالم ،هي في الحقيقة واحدة،وهي في الحقيقة تكثرت،وتعددت،وانتشرت وانبسطت. فهي الظاهرة في حقائق النبيئين والمرسلين على وحدتها وانفرادها،وهي المنفردة عنهم والمستأثرة بالسر العظموتي عنهم …انتهى.

فما تكلم عنها المحققون الكبار،هي وحدة الشهود أي دوام مشاهدة حقيقته  سارية في كل جزئيات الوجود،سريان الماء في الأشجار،ماء الوجود أي الحقيقة المحمدية.ولا محل لوحدة الوجود في كلامهم رضي الله عنهم.أينما ولى وتولى يَرَاها كشفا وذوقا ومشاهدة .قال ابن مشيش للشاذلي: حدد نظر الإيمان ترى الله قبل كل شيء،وبعد كل شيء، ومع كل شيء،وفي كل شيء. ومن لم يصل إلى هذا المقام فعليه البحث على من يجر به راحلته ويقوي إدراكه.

اللهم أغرقنا في بحر عين الوحدة حتى لا نرى ،ولا نسمع ،ولا نحس ،ولا نجد إلا بها.

       وفي عالم التركيب في كل صورة * * ظهرت بمعنى عنه بالحسن زُينَتِ

وفي كل معنى لم تبنه مظاهري  * *  تصورت لا في هيئة هيكلية

وفيما تراه الروح كشف فراسة  * * خفيت عن المعنى المعنيِّ بدقة

الملتحف بوحدات الذات

الذات هو الأمر الذي ترجع إليه الأسماء والصفات في ظهورها وهو اسم الجلالة “الله”  (7) يقول شيخي رضي الله عنه:  “…من بساط الألوهية ابتدأ عالم الفرقيات وفيه اتصل البرزخ النوراني بالاستمدادات النورانية،فاصطحبا والتحفا بوحدات الذات، واستوى بقدم الأحدية على عرش الصفات” انتهى.و وحدات الذات هي حروف اسم الجلالة “الله”.يقول الشيخ محمد الكتاني في( الديوانة )في معرض الكلام على الإصطحاب “…فصار ما في الذات في الروح،وما في الروح في الذات، بمقتضى اسم الذات،وهو الإسم الجامع.فالألف إشارة للأحدية ،واللام الأولى إشارة لروحانية حقانية قدسية محمدية أحدية،واللام الثانية الملاصقة لها إشارة لجسمانية عنصرية نورانية ،متمثلة بتمثال العناصر حقانية مُلكية ،إشارة تلاصقهما شدة ازدواج ما ذكر بما ذكر، فرقا،وتفصيلا ،وعلم يقين، وعين يقين،إما تحقيقا وتدقيقا.فالمحمدية هي الأحمدية هىَ هىَ فرقا أيضا ظهرت بها أوجمعا ،تفصيلا أو إجمالا،وحق يقين .لذلك كان لا يظهر له ظل ،وإلى ذلك أُشير بالهاء في آخر الإسم…انتهى .فبالنسبة للشيخ الألف إشارة للأحدية ،واللام الأولى إشارة إلى المحمدية واللام الثانية إشارة إلى الهيكل المحمدي العنصري النوراني،والهاء تشير أن الأحمدية هي المحمدية،وأنها حجاب للمحمدية،وللهيكل النوراني الشريف،حتى بقيا مجهولين.أما حسب مشربنا فالألف إشارة إلى الأحدية،واللام الأولى إشارة إلى الأحمدية،والثانية إلى المحمدية،والهاء تعنون عن سدرة المنتهى،بساط المسابقات،ورفع الدرجات،وإظهار حقائق المكتسبات،ونهاية سير المخلوقات بأسرها، فسيدنا صلى الله عليه به سماء الجميع

المستوي بقِدَمِ الأحدية على عرش الصفات

 بقِدَم الأحدية على عرش الصفات:أي بثبوت الأحدية وسطوتها، والأحدية حضرة سحق ومحق ولا تقبل معها غيرها،ولا ظهور للأسماء والصفات الإلهية في بساطها. والأحدية رئيسة الأسماء والصفات الإلهية ولها الفوقية والكل تحت حيطتها وهيمنتها،  وهي أصل النور المحمدي ومَحْتِدُه،ولهذا كان الاستواء على عرش الصفات بقِدَمها وتابعا لها .يقول أبو الفيض :لكن الإسم أحد زاد على جميع الأسماء ،بكونه جامعا لجميع الأسماء الإلهية مع نعت بطونها فيه،إذ لايقتضي الإتصاف بشيئية الثبوت إلاهو،وعليه فهوسلطان الأسماء الإلهية.(كتاب اللمحات القدسية).ويقول في(كتاب كشف البراقع ):..فتكون الأحدية استوت بصرافتها على جميع الشؤون والمقتضيات…فاستواءه على ما ذكر حتى صار متخلقا بما دل عليه لفظ القرءان،إذ يريدون به الجمع ،وبالفرقان الفرق،هو المعنون بـخُلُقه القرءان ،ولولا تنـزله في تلك الحضرات ماعُرفَ له الإسم فأحرى المسمى، ومع تنـزله فلا يُعْرَفُ إلا على قدر الإستغراق والإستهلاك فيه وبنعت﴿لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾لله الأحد …لا تزال أقدام الأحدية مستوية على عرش الصفات إلى أن يرث الله أرض الممكنات الإمكانية ومن عليها بنعت ﴿وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ ﴾انتهى.

المثنى عليه بلسان جمع الجمع في مهامه الغارات

على خط قوس لسان الأزل بمحو

 الذات بالذات للذات في الذات:

بلسان جمع الجمع: أي منه إليه وبه عليه،أي أثنى على نفسه بنفسه ،فهو المُـثْنِي والـمُثْنىَ عليه، والقرءان أغلبه ثناء عليه،إما بالتصريح أو التلميح ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾من أحمديته على محمديته، واللدنية لدنيته .يقول في معرض الكلام على الحديث الشريف اللهم “لا أحصي ثناء عليك “هو كلام خرج بلسان الفرق،بدليل الإتيان بهمزة المتكلم ،أي لا أحصي أنا من حيث أنا باعتبار التجريد فقط ،وأما باعتبار الجمعية، أوجمعية الجمعية ،أوما وراءها ،فما ثم إلا النداء،من ذاته،لذاته،بذاته،في ذاته﴿الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم ملك يوم الدين ﴾…حم عسق حيطة الحق،بالحق،في الحق،الذي هو طلعته،حيطة محمد،بمحمد،في محمد (الديوانة )…تقدم له البطون الذاتي الكلي الإجمالي على الظهور الكلي التفصيلى،فكما أن اللاهوت تقدمت له الكنـزية، كذلك هو،إذ هو له كنـزيات ثلاث:كنـزية البطون الذاتي للذات في الذات ،وكنـزية أخد العهد والميثاق …ثم كنـزية ثالثة،وقع فيها عهد آخر لماهية الأحمدية فكانت هي المجيبة…وفي الكنـزية الأولى،تلقى القرءان ،يوم لايوم منه إليه.وليس ثم وساطة لنديم بل الحبيب،بالحبيب للحبيب،في الحبيب…والذات عبارة عن ماهية الروح المطلقة (الطلاسم )انتهى. وذات الشيء نفسه، وأطلق اسم الذات على الحقيقة المحمدية الأحمدية،لأن الأسماء والصفات،ترجع إليها في ظهور مقتضياتها. وهي أول موجود والنـزول منها إليها، وبها عليها من الذات ،بالذات، للذات ،في الذات.

دنت فتدلت في مهامه ذاتها ****  لذات لها ذات إليها تدلت

وهذا البساط هو الذي عبر عنه من سبقنا من العارفين بقولهم :الأحدية أول تجليات الذات في نفسه لنفسه بنفسه.يقول في (كتاب الطلاسم):كانت النقطة الأصلية الأولية…في ظلمانية  الذات،بالذات،للذات، في الذات ،أحدية الجمع الكل الغيب المطمطم…حيث لا أين، ولا شكل،ولا رسم،ولا حيث،ولامكان،ولا اسم.انتهى.

واللسان في العربية جارحة الكلام ،ويعني اللغة،ويعني الرسالة،ويعني كذلك الثناء قال تعالى﴿وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾يقال إن لسان الناس عليك لحسن. ونعته بلسان الأزل لأن القرءان كلام الله مطلسم يحتاج إلى ترجمان،ولا يستطيع ذلك إلا من وُجِدَ والصفة الرسالية،من بساط واحد.لأنه ليس هناك مجانسة بين كلام الله ،وكلام المخلوقين فهو  لسان الأزل أي ترجمان الخطاب الأزلي (8)، وقال خط قوس لسان الأزل لتبيان الفرق بين الحقية والخلقية،بين المخاطِب الأول والمخاطَب الأول أي هو  الفاصل بين الكلام الإلهي المطلق ،المطلسم ،والكلام الهجائي اللفظي المقيد، فَتُرجم ليوافق اللسان العربي ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ﴾ لذا سماه لسان الأزل ،لسان الترجمان المحمدي، وهو في نفس الوقت رسالة إلى العالـمين،من رب العالمين، وثناء من رب العالمين،على مرب العالمين، وكل صلاة نعتية ،فهي بلسان الأزل أي بالثناء القديم، وبالنعوت الأحمدية.

المهام :الوظائف وهو  رسول من الله، ومن مهامه الغارات نذكر النبوة كنت” نبيا وآدم منجدل في طينته”قال تعالى﴿أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّنْ طِينٍ﴾ فأخبرنا أنه النذير المبين ثم أتبعها،إذ قال ربك …كذا الرسالة،والخلافة الكلية،والجزئية والمراقبة الكونية،والشفاعة، كما أنه  برزخ عظيم لايقع الشرك إلا على دائرته﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ.والدوائر الكونية الأربعين، 20 للأحمدية التي تكفلت بتفاصيل الأقوال،و20 للمحمدية التي تكفلت بتفاصيل الأفعال، كذلك من مهامه الغارات تربية برازخ الوحي والتربية العامة﴿وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ وكل مهامه الغارات هي سر القضاء والقدر.

المحو (9)اصطلاحا،هو رفع أوصاف العادة بحيث يغيب العبد عندها عن عقله، وتحصل منه أفعال وأقوال لا دخل لعقله فيها، كالسكر من الخمر.أما محو العبودية، ومحو عين العبد: هو إسقاط إضافة الوجود إلى الأعيان، والمحو الحقيقي هو محو الجمع ،أي فناء الكثرة في الوحدة. المحو هو الاستهلاك في حقيقته صلى الله عليه وسلم ،حتى يراه في كل ذرة من ذرات الوجود.كما وردت كلمة المحو للإشارة إلى أن الأزمنة بالنسبة للصفة متساوية، فلا حال ،ولاماضي،ولا مستقبل.بـمحو أي بتلاشي الشكل ،والرسم، والوسم والاسم، والنعت للعارف .كل ما للعارف مـمحو في حقيقته  “فإن لم تكن تراه.ومن معانيه كذلك :أن ما سطر في لوح المحو،فلا أحد يطلع عليه،فلا معرفة لكم بهذا البساط ،فطرتم على ذلك “ما عرفني حقيقة غير ربي”  يقول الشيخ  محمد الكتاني رضي الله عنه: ومن كان من أهل المحو،خُص بهذا التجلي كما خُصصت بالتجلي الذاتي،من الذات ،للذات،في الذات، بالذات، بنعت إجمال الإجمال،و أول هذا التجلي الإستهلاك في سره الأخفى {الديوانة}.استهلك في النبوة فصارت صفة له فرآها بها، فينمحق تحت سرادقات كبريائها ،وهذا مقام الختمية .الله اكبر.

إذا بدى حبيبي بأي عين آراه** آراه به لا يراه سواه

بمحو الذات، تعني أن الواصل لهذا المقام ،لا يبقى له عين ،ولا أثر،وهي الحضرة التي سماها الصوفية السحق والمحق.يقول شيخنا الكتاني رحمه الله: إذا استهلك الإنسان بجميع عوالمه في حسن مجلى كماله بحيث صح له مقام الإتحاد،بأن يقول أنا،فذاك حقيقة الفناء ولا يحصل هذا المشهد إلا لمن كان من أهل المحو في نقطة سره وأهل المحق والإضمحلال في  شكلة جره…استهلك باطنا فيه،من غير غيبة في تلك اللحظات،زيادة على ما كان يعهده، لإرادة ما سطر في لوح المحو،أن لا تسمح به في تلك اللحظة لغيرها ورؤيتها ومنادمتها ومكافحتها. (الطلاسم)..

والجمع إشارة إلى حق بلا خلق،وجمع الجمع الإستهلاك، بالكلية في حقيقته .ومن هذا المقام أنشد شيخي رضي الله عنه معبرا عن استهلاكه وفنائه في هويته  في أبيات شنف بها أسماعنا بالمدينة المنورة سنة 2004 م مطلعها :

              ياهو يا من ليس للخلق غيره  **** لبست لباس العز فسترت به عن هو

أراه في نفسي وهيكلي وقالبي  ****  متمثلا فكدت أقول أنا هو

           فأجابني لست أنت بما أنت  ****  فلو كنت أنت أنت لما كان هو

فبعدما قال المثنى عليه بلسان جمع الجمع في مهامه الغارات، أتبعها قوله تعالى﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾للعلاقة القائمة بينهما .

الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ  

من المعلوم أن الحق سبحانه وتعالى،حلى سيدنا محمد بالرحمن الرحيم في البسملة الشريفة ، فكانت طلسمه. ورد في الحديث القدسي: “قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ، نصفها لي ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل،فإذا قال العبد الحمد لله رب العالمين، يقول الله تعالى حمدني عبدي،وإذا قال العبد الرحمن الرحيم، يقول عز وجل أثنى علي عبدي، وإذا قال العبد ملك يوم الدين ،يقول الله تعالى مجدني عبدي”…الحديث .ورد في الصلاة التي نحن بصددها﴿ الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ لجواز تحليه بهذا الشطر منها،لأن سر الخلافة الكلية الكونية ،ظهرت فيه، لأنه حمد الله قبل القبل، بلسان جمع الجمع ،حيث ليس إلا الرب و المربوب.الحمد لما  فوق بساط الإصطحاب فتوافقت الإرادتان،وحصلت له المحبوبية  الكبرى، والخصوصية العظمى ،وأضاف عبديته إليه سبحانه﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾فصار هو العارف، المعَرِّف، المـُعَرَّف ،وقائد الكون، والشاهد عليه وشفيعه، ففي كل البسائط الكونية لا يمكن رؤية سر الربوبية، إلا به،وفيه،ومنه.فهو  الرحمة المهداة،وهو بالمومنين رءوف رحيم وهو رب العالمين،أي مربيهم،ومعرفهم،بخالقهم،ومعلمهم عبادتة ربهم… فتبصر ،وتدبر في سر هذا الخطاب الأزلي:”قسمت الصلاة بيني وبين عبدي”.

خـــــــــط  الـــــدائــــــــــرة

 خط الدائرة :هو الخط المستقيم، المار من جانب الدائرة إلى الجانب الآخر،بحيث يكون وسطه واقعاً على المركز،وخط الدائرة، أوقُطر الدائرة من أسماء الحقيقة المحمدية ،ولها أسماء كثيرة، لكثرة وجوهها، واعتباراتها، ووظائفها.قال :”إن الزمان قد استدار،كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض”أي كملت الدائرة الوجودية لظهوره  صورة ومعنى . فالوجود كدائرة واحدة،مقسومة في النصف، بخط يمر على مركز الدائرة، فالنصف الأعلى للوجهة الحقية ،والأسفل للوجهة الخلقية،فكل نصف من الدائرة، قوس والخط الواحد وتر ذلك القوس، وهذا يشير إلى برزخيته  .فما ثم مدد،ولارزق حسي أومعنوي، يعطى لأحد،إلا على يده، وذلك لأنه البرزخ الجامع ،فجميع الإمدادات الخارجة للعالم العلوي على طبقاته،والعالم السفلي على مراتبه ،بل ليس هناك ذرة في الوجود إلا هي من حقيقة برزخيته مستمدة ،وإليه مستندة .فهو  خط الدائرة الفاصل بين الوجوب والإمكان ،بين الربوبية والمربوبية،بين الحق والخلق.فالمقام المحمدي هو الجامع للكمالات الإلهية والكمالات الخلقية صورة ومعنى، فكان  برزخا بين الحقائق الحقية، والحقائق الخلقية، لأنه حقيقة الحقائق كلها.لهذا كان مقامه ليلة الإسراء،فوق الخلائق كلها بالصورة المحسوسة والهيكل المولود من أم وأب كما أنه برزخ بالمعنى لأنه مخلوق من نور الحق، والخلق من نوره ﴿رَسُولٌ مِن اللَّهِ﴾”أنا من نور الله والمومنون من نوريكما أن مقتضى الإسم الإلـهي،لايصل إلى أهل الكون مباشرة بل لابد من الإصطحاب مع نبوة سيدنا محمد، لكي يكون اللطف في كل التجليات ، ولإطفاء عدل ما تقتضيه ميازب الذات العلية﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ إنما أنا قاسم وخازن والله يعطي “( الحديث ) .فالكل به منوط صلى الله عليه به. لها الغنى (أي حقيقته  ): ﴿وَمَا نَقَمُواْ إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ ﴾(ولم يقل من فضلهما). لها الاستجابة :﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَادَعَاكُم ﴾ (ولم يقل إذا دعوكم ). لها الإنعام أو النعمة :﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾جل كلمة النعمة في القرءان مضافة إلى إسم الجلالة الذي هو بساط الإصطحاب، لذا كانت النعمة لا تصل إلى أهلها إلا بواسطة المصطحب معه. لها القضاء :﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً .لها الرضى﴿وَاللّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ﴾ (ولم يقل يرضوهما ).فهو الحجاب الأعظم، والبرزخ  المطلسم ،وسدرة المنتهى،فلا دخول إلا من بابه،ولا شهود إلا فيه،ولا تجل إلا منه،فهو الواسطة في كل شيء ،فلولاه لما استطاع الوجود الصمود،ولاضمحل من حينه،لانعدام المجانسة والمناسبة مع الله. فهو الرحمة المهداة ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّرَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ التي رفعت بها الأستار وتجلت الأسرار .

نـــــــــــقـــــــــطــــــة الـــــــبـــــــــــروج

نقطة: ورد في الحديث عن السيدة عائشة قالت:…”فوالله ما اختلفوا في نقطة ” أَي في أَمر. فالنقطة بمعنى الأمر.ورد في معاجيم اللغة مادة برج أصلان: أحدهما البُروز والظُّهور، والآخر الملجأ، والبُرْجُ واحِدُ بُروجِ السّماء.وأصل البرُوج الحُصونُ والقُصور.قال الله تعالى ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ في بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ ﴾وقال تعالى﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ربط بين السماوات والأرض بأعمدة لا ترى، ألا وهي البروج الإثنى عشر، لكي تكون علاقة بين السماء والأرض، وكلمة العرش تقتضي ما هو مسطر في التدبيرات الأولية، وهو قوله تعالى﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ.فتعددت الشهور بتعداد البروج إثني عشر شهراً ،قسمت بسير القمر، فهي مقسمة بتقسيم الله لا بتقسيمنا،فمسير القمر في كلّ برج منها يومان وثلث، فذلك ثمانية وعشرون منـزلا، ثم يستتر ليلتين، ومسير الشمس في كلّ برج منها شهر.فلما ظهرت السنة بقطع الشمس هذه البروج ،كذلك ظهر الشهر العربي بقطع القمر هذه البروج ، والتشريع منوط بالشهور القمرية التي هي الأخرى منوطة بمحمد ،فبسط وكسر اسم محمد يساوي 354 أي عدد أيام السنة القمرية.فتأمل وساطته صلى الله عليه في كل شيء.والبروج بروز وظهور،فهي إشارة إلى مراتب الوجود، أو الدوائر الكونية.أعطت نقطة البروج الأمر،ورسمت لعباد الله بداية الإنطلاق لعالم الظهور، فمن فلك البروج تبتدئ الحياة الهيكلية في عالم الأجسام، وعليه تنتهي في عالم المحشر، وعلى رأسه سدرة المنتهى،وعلى رأسه خلق آدم عليه السلام.ولما قسم الله الفلك الأطلس الذي هو فلك البروج وهو قوله﴿وَالسَّمَاء ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾على إثنى عشر قسماً ،وأوحى الله تعالى في سماء البروج أمرها، فلكل برج فيها أمر يتميز به عن غيره من البروج .وجعل الله لهذه البروج أثراً من أمر الله الموحى به فيها.لقد قضى الله تعالى أن يكون لهذه البروج، أثر في العالم الذي تحت حيطة سماء هذه البروج.فالدائرة في حد ذاتها مرتبطة بالنقطة، التي هي مركزها، لأن أصل الأشكال الخط وأصل الخط النقطة والدائرة ما لها باب، والنقطة التي في وسطها بمثابة الباب ،كما أن النقطة مطلقة، ليست مرتبطة بالدائرة في وجودها، فلا يخرج شيء عن الدائرة، معناه أنه ما ثم إلا الأسماء الإلهية وتجلياتها،فالنقطة هيولى الأشكال، فتأمل.فالكون كله مرتبط به و هو مرتبط به ارتباط الراعي برعيته،والسلطان بمملكته،والخليفة بمن استخلف عليه.قبلناه ورضينا به.

إليك وإلا لا تشد الركائب** وعنك وإلا فالمحدث كاذب

وفيك وإلا فالغرام مضيع**ومنك وإلا لا تنال الرغائب

دفتر المثاني وقهرمان العروج  

الدفتر هو مجموعة أوراق، وكلمة دفتر تعني الجمع والضم. فالدفتر الأعظم هو الإمام المبين الذي ما فرط الله فيه من شئ. والصفة والموصوف قديمان بقدم الصفة،وهما من مقتضياتها وهما المنفدان للأمر المعبر عنه بالأول والآخر،والظاهر والباطن،في الأقوال وفي الأفعال،وفي السر والجهر،وهما المهيمنتان على كل الحضرات حسيات    أومعنويات،لأن التشوف القدري إليهما أبدا سرمدا.وما ظهر شيء في الوجود إلا بهما وبواسطتهما، فهما لوحا التعينات الإجمالية والتفصيلية.فحقيقته هي دفتر المثاني لأنه ما من شئ في الوجود، إلا وهو من مقتضيات الكتاب المبين، فمحمد  هو اللوح المحفوظ ،وهو دفتار المثاني ،وهو إسم الله الأعظم.

والقَهْرَمان هو الحَفِيظ على من تحت يديه ،وهو فارسي معرب ،وهو كالخازِن والوكيل الحافظ لما تحت يده والقائم بأُمور الملِك وخاصته.                

عَرَج تعني ارتقى والعروج الرُقي .والعروج عند الصوفية هو العبور من عين اليقين إلى حق اليقين، وهو العلم الذي يتبع الرؤيا أو المشاهدة .قهرمان العروج تشير إلى وساطته وبرزخيته ،ومن المعلوم أن البرزخ لا يصعد شيئا إلا منه ،ولا ينزل إلا عليه ،لأن العالم لا قدرة له عن التلقي من الجانب الإلهي مباشرة وبدون وساطة برزخ نوراني، وإن قلت أليس الله غني عن الوساطة، قلنا الله تعالى يتصف بالغنى المطلق وبساط الأحدية حضرة سحق ومحق، لا تقبل أحدا أجنبيا عنها، ومحمد رسول الله بها ومنها وإليها ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾أي في كل وقت وحين ،دون واسطة، فلما كان يأتي السفير جبريل بالوحي يجده معروفا ومفقوها له في باطنه ووجهته الحقية فقيل له﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ فالوحي من لوح أحمديته يقرأ وعلى محمديته يتلى﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ.

العبد الحقانـي المنفرد بليس كمثله شيء

قالت الصديقة رضي الله عنها”كان خلقه القرءان”ووصف الله خُلق رسول الله بالعظمة ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾كما وصف القرءان بالعظيم﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ﴾ فمن أراد أن ينظر إلى رسول الله ،وأن يعرفه ممن لم يدركه من أمته، فلن يجد من يصفه له أحسن من القرءان.فلا فرق بين النظر إليه والنظر إلى القرءان.فكأن القرءان صورة مجسدة اسمها محمد بن عبد الله بن عبد المطلب. والقرءان كلام الله ،والكلام صفة المتكلم، فمحمد عبد حقاني،والقرءان لامثيل له.فكذلك سيدنا  لا مثيل له، فرد يتيم في ملك الله .قال تعالى﴿وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ﴾والضمير يعود على سيدنا محمد،وقال﴿وَشَهِدُواْ أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ﴾فهو  عبد حقاني،لاهوتي،تلثم ببراقع العبدية ،وتستر بالبشرية، وتـمنطق بالوحي،وليس كمثله شئ، لأنه من مقتضيين،لبس خلع الأسماء والصفات الإلهية،وهو خليفة الله في كونه ،والكل به منوط،والحقيقة المحمدية أول العابدين،وأول موجود.يقول أبو الفيض في كتاب( الطلاسم ): من اجتمع برسول الله في عالم اليقظة ، وتمتع به كما تمتعت به الصحابة ،يقول رأيت الحق ،لأنه المظهر الأكمل، الدال على الله بالله. قال “من رآني فقد رآى الحق”، ولا يقوم مقام الحق إلا الحق.

الأحدي الثاني المتلو عليه بلسان الجمع

في حضرة جمع جمعه

﴿وإنك لتلقي القرءان من لدن حكيم عليم

فهو  أحدي في خَلْقه وخُلُقه.ذاته فريدة لا مثيل لها، إذ هو  من مقتضيين، وهو الثاني في الوجود بصفته أول العابدين .

لسان جمع الجمع:أي منه إليه وبه عليه﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ ﴾بدون واسطة. يقول رضي الله عنه في كتاب (الديوانة) :الوحي من لوح أحمديته يقرأ، وعلى محمديته يتلى،وإنما أُريدَ تشريف تلك الوسائط بمشاهدة ورؤية محيا ذلك الجمال، بل النبوة والرسالة كانتا حاصلتين له،قبل نزول الملك، فكانت الحقيقة أولا،مطلسمة بسردقات حجب الكنـزية ،وملثمة بنقاب بطون سر الهوية،حيطة الحق، بالحق ،في الحق ،الذي هو طلعته،حيطة محمد، بمحمد،في محمد،جمع الجمع .فإن قلت وما جمع الجمع، قلنا الإستهلاك بالكلية في حقيقته عند رؤية الجمال،وحضرة جمع الجمع هي الأحدية الصرفة.) الطلاسم ( )  (10

هيهات هيهات وما يعقلها إلا العالمون

و آله وصحبه وسلم .

هَيْهاتَ هَيْهاتِ كلمة معناها البُعْدُأي  أن معاني هذه الصلاة،بعيدة الإدراك وصعبة المنال،وأن التغزلات الأحمدية لا يحيط بخبايها وخفايها، إلا من كان على ذراية بمصطلحات الصوفية،وذو ذوق ومعرفة ،وتمييز بين المحمدية والأحمدية ،ومُوقنا ببرزخيته  الكونية واصطحابه بالأسماء الإلهية.ولا يتم ولا يحصل ذلك ولا تـتوفر الشروط اللزومية إلا بصحبة شيخ عارف.فجزى الله عني شيخي العارف الكامل المحقق المتبحر في علوم الحقيقة، قدوة الأكابر أعجوبة الدهر، وفريد العصر وَضِيُّ البهجة, فصيح اللهجة ،أمره عُجاب وليس بينه وبين مريديه حجاب،أتى بفتوحات لم يدركها من سبق،ولاشم رائحتها من حقق ودقق، فهو رائد في خبايا البيان، ومنقب على خفايا وخبايا الضمائر في آيات القرءان،فمن يَـمِّه اغترفت،وفي بحر فتوحاته سبحت،ومن ثـمار أشجار معرفته اقتطفت، فجزاه عني خير جزاء ،وصلى الله على سيدنا ونبينا ومولانا محمد وسلم تسليما والحمد لله رب العالمين .

إفصاحات وإيضاحات

1=الشيخ محمد بن عبد الكبير الكتاني رضي الله عنه، في الصلوات المنسوبة له، يسلك أسلوب الغموض والاستغلاق ويستعمل المفردات الغريبة ،ويرادف الأوصاف والصفات كقوله في (كشف البراقع) : وصلاة وسلاما على من استوى برحمانية،إحاطته على عروش الوحدات وسرى بمعاني مادة إطلاق إجماله في مباني الفروق والتقييدات،فصارت مجلى لظهور انفعالات الأسماء والصفات والشؤون والمقتضيات وحانا تصطف في أرجاء جوانبه كواعب البهنانات بسلافات الزجاجات …اخ وفي مكان آخر من (كشف البراقع) : الذي هام الكل في مهامه بداية نقط دوائر هياكل آدميته ووله الكل في هيمنة محيط عرش ظهور عوالم إنسانيته …اخ وفي الصلاة اليعسوبية :اللهم صل على سيدنا محمد يعسوب التكثرات الحرفية وأس الانتشارات الظلمانية ،والنورانية، الشمسية والقمرية ،السعدية والنحسية، فالكل جزء من كليات كلياته ونعت ونعوت شمول إطلاقاته ،ونجوم سماء ذاته الروحية ،والعنصرية ،وخلافه الناهجين نهج ما له من الكمالات الإطلاقية. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى يَاقُوتَةِ الجَمْعِ مِنْ هَيُولَى فَيْضِ مَكَامِنِ المَاهِيَةِ فِي سُرَادِقَاتِ أَوْ أَدْنَى، أَحَدِيَةِ الجَمْعِ العَجَمِي.المُنْبَسِطِ شُعَاعُهُ مِنْهُ إِلَيْهِ بِهِ فِيهِ، صَلاَةَ صَبٍّ قَرَعَ البَابَ عِنْدَمَا سَمِعَ المُزْهِرَ فِي بِسَاطِ الإقْتِرَابِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيما. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد سر سر نقطة هوية محيط الجمال وباطن باطن شكلة باء غيهوبية سرادقات الجلال وسلم عليه بلاهوتية باطن سره الحقاني وعلى آله بمحيطات قوس حضرات التداني وصحبه وسلم. ولك أن تنظر في صلوات (فتوح الجوارح )تجد الأمر على ما قلته.

أما في صلاة المتردي فحوت ألفاظا قليلة ،ومعاني كثيرة جمعت جوامع الكلم، ومزجت ببداية الفاتحة ولم أجد فيما قرأت من كتب الشيخ  تطرقا للعلاقة بينهما مما دفع بي إلى القول بأن هذه الصلاة أعطيته من الحضرة المحمدية كالأنموذجية وليست من نظمه.يقول رضي الله عنه في (كشف البراقع) في شرح توضأ بماء الغيب …”وها هنا ترجم الروح الكلي حيث قال :اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ومولانا أحمد …إلى آخر صلاة المتردي . فهذه الصلاة معطاة من الحضرة المحمدية .يقول رضي الله عنه في( الرقائق  الغزلية): …ولا شك أنه صلى الله عليه وسلم لما برز لم يشتهر في الأرض إلا بمحمد وعليه فسر إيثاره [والضمير يعود على سيدنا محمد] التعبير بأحمد دون محمد،مع كون محمد هو الذي سمي به لما ظهر…انتهى.                     وبهذا أظن أن هذه الصلاة كالأنموذجية أعطيته وليست  من نظمه.  

2= استهلك نفسه أي أنفقها وأنفدها في حقيقته صلى الله عليه .يقول الشيخ محمد الكتاني في كتاب الطلاسم في الكمالات المحمدية : “…اعلم على أنه على قدر الإستغراق ،والإستهلاك في سائر عوالمه،كل واحد بحسبه يكون البقاء بالله،وفي الله، ولله،(وعلى قدر معرفته تكون معرفة مشهوده) وعلى قدر الجهل به يكون عكسه،لأنه هو الباب الأعظم ،والبرزخ المطلسَم الذي(لا دخول إلا من بابه)ولا فيض إلا من عذب ورود ماء راح رضابه.فلا شهود إلا فيه، ولا تجلٍّ إلا منه،وجميع من إدعى غير هذا فهو في اشتباه الأبدان (يقع في الزندقة) ومنها إلى ما شاء الله.فإن الإنسان إذا صارت تَهُبُّ عليه نفحات الحضرات،ويستنشق صبا هاتيك الفلوات،خصوصا إذا زُجَّ به في مهامه فناء الفناء،أوصلصلة الجرس،ربما إذا لم تحصل له عناية محمدية،من ثم إلى الزندقة قطعا.ولذلك استعاذ منها العارف الأكبر بقوله: وزُجَّ بي في بحار الأحدية وانشلني من أوحال التوحيد،هذه هي أوحال التوحيد… انتهى

2م =فهذا إحرام إلهيّ فإنه ذكر ثوبين ليسا بمخيطين فألحق سبحانه نفسه بالمحرم قال ﴿كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار﴾ فهذا هو عين الغيرة الإلهية على هذه الصفات أن تكون لغير الله فحجرها, فلا يدخل قلب أحد الكبرياء لأنه مطبوع على قلبه ذلك ولأنه يعلم من نفسه افتقاره وحاجته ،وقيام الألم، والجوع، والعطش، والمرض به ،ومن هذه صفته من المحال أن يتكبر في نفسه على ربه .

3=قال تعالى﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً أومن وراء حجاب﴾كما كلم موسى عليه السلام من حجاب النار،والشجرة،وشاطئ الوادي الأيمن،وجانب الطور الأيمن،وفي البقعة المباركة،وكما قال﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِفكلم الله المستجير من خلف حجاب محمد صلى الله عليه وسلم، إذ كان هو عين الحجاب، لأن المستجير من المشركين ، منه سمع كلام الله ،فلا نشك أن الله كلمنا على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم.

4 = قال تعالى ﴿وله الكبرياء في السماوات والأرض وهو العزير الحكيم ﴾ ومع هذا كله فهو القائل في الصحيح من الأخبار عنه:مرضت فلم تعدني، وجعت فلم تطعمني،و استسقيتك فلم تسقني .. فأنزل نفسه هنا منزلة عباده، وثبت في الصحيح أن اللّه يعجب من الشاب ليست له صبوة،وثبت أن اللّه أفرح بتوبة عبده وأين ذلك الكبرياء من هذا النزول،وهذا يبين أن اللابس رداء الكبرياء له وجهة حقية ووجهة خلقية.

5 =يقول الجيلي:من الواضح أن رسول الله  ،كان متحققا بالله تعالى في سائر أحواله من الطفولية والشبوبية والكهولية،فلم يغفل عن الله تعالى طرفة عين، حتى  ولا في الأرحام والأصلاب،لأنه كان نبيا وهو في الأرحام والأصلاب،والنبي لا يغفل عن الله تعالى، وغيره لم يكن نبيا ،إلا بعد كماله وظهوره في العالم الدنيوي ، فظهر من الكلام علو مرتبة سيدنا محمد  .انتهى(كتاب الكمالات الإلهية).

6 =وبالنسبة للشيخ محمد الكتاني غيب الهوية هي الأحدية،وظاهر الهوية هو إسم الجلالة. يقول : فالإسم المفرد ظاهر الهوية، والإسم الأحد باطن الهوية (كتابهاللمحات القدسية).

7= وهنا الاشارة إلى ما فهمه علماء الرسوم من أن أهل الله يقولون بوحدة الوجود، وهذا المقام غوره بعيد والتلف فيه قريب ،ومن لا معرفة له بالحقائق،ولا اطلاع له على كلام القوم والرقائق ،يقف على هذا المشهد من لسان صاحبه العارف المتحقق به فيقدفه بالكفر والفسوق. 

8 = الترجمة الأولى عنون عنها بالكتاب ﴿أذكر في الكتاب إبراهيم .وكل من هو مذكور إسمه في الكتاب من كل الكائنات الكونية،فما عرفت هذه الأسماء إلا بعد الترجمة الأولى ،أما الثانية فكانت بلسان كل نبي. الترجمة الأولى، أظهرت مقتضى كلام الله  فحسب ،والترجمة الثانية فصلت أسماء الموجودات الكونية وبينت أسماء الهياكل الإنسانية ولهجاتهم المستعملة.

9 =قيل المحو رفع أوصاف العادة، وقيل إزالة العلة، وقيل ما ستره الحق ونفاه.والمحو حال عند القوم ،وأهل المحو، هم من محاهم الله عن أنفسهم، يعني رؤية نفوسهم في حركاتهم وأثبتهم عند نفسه بنظرهم إلى قيام الله لهم في أفعالهم، وحركاتهم .وقيل المحو انسلاخ العارف عن كل وجود غير الحق. يقول القشيري: الكيس من كان بحكم وقته ،إن كان وقته الصحو فقيامه بالشريعة،وإن كان وقته المحو،فالغالب عليه أحكام  الحقيقة .

 10=كتاب (اللمحات القدسية) :فإن جميع النسب والإضافات والإعتبارات كلها ممحوة في هذا البساط ومن هذا المعنى يكون أفضل من غيره من حيث أن الذاكر به (أي بالإسم أحد) يصبح يترقى إلى أن يصل إلى انبساط أشعة الأحدية الصرفة ،على سطح  عوالم أحمديته ،لأن الأحدية عندنا معاشر هذه الطائفة الأحمدية الكتانية يصح شهودها ولكن بشرط اضمحلال وجوده في وجود الروح الكلية. والحمد لله والصلاة والسلام على مولانا رسول الله.                                                                          محمد بن المبارك  يناير 2011  الموافق لصفر 1432.

غوص في غيابات جب صلاة المتردي

ومزج  لؤلؤ المعرفة

بـمرجان التحقيق

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين.أقول بفضل من الله،ومدد من بحر من وجد من مقتضيين واتصف بصفتين،وبويع بيعتين، وسمي بإسمين ،فكانت له وجهتين. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ومولانا أحمد,بقدر ماقامت، وما تـقوم به الصلاة على سيدنا محمد ،فالموصوف على قدر الصفة، لأ نها له، وهو لها.ألا ترى حين جرته إلى عش وكرها في المعراج ،صارت هي هو، وهو هي. ففرضت الصلاة عليه منه ،به فيه.فهو المتردي بأردية الكبرياء ، المؤتزر بالعظموتية،والمتعمم بالرحموتية،فنصب له كرسي الخلافة الكونية، ولبس حلل الأسماء الإلهية،وأخد له الميثاق من جميع الأنبياء ،وأسري به ليلا على البراق، وجبريل عند سدرة المنتهى تفادى الاحتراق،فوضع له بساط الوصال﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى ﴾بدون إتصال ولاانفصال ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾.فهو إمام الانبياء،والأمانة التي عرضت على الأرض والسما.برزخ اللاهوت ، وكهف الناسوت،الإمام المتبوع ،والذكر المرفوع،والواسطة المسموع.النور الكلي المرسل بأشعة الفردانية ، فصلى الله عليه، وأمر بالصلاة عليه كل الدوائر العلوية والسفلية ،ولم يناديه إلا بصفات حقيقته المحمدية، لأن المرسل رحمة للعالمين ،هي الصفة النبوية،كانت قبل الزمان﴿ألَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلّ﴾ وهي الناسخة لما سبق من الأديان ،وقبل المكان﴿ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾فقامت في حجب الهوية،بالعبادات.فلها الأولية والختمية لأنها الروح الكلية .فالأنبياء نوابه، والأولياء خلافه،والكون ظله.فتلى من منبر أحمديته ﴿هَذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي ﴾﴿هَذَا نَذِيرٌ مِّنَ النُّذُرِ الْأُولَى ﴾فَلُـثم بمعاني عظمة سردقات غيب الهوية ،لأنه من مقتضى الأحدية ،والهيكل الشريف من الأسماء التشاجرية “كلكم من آدم، وآدم من تراب” ليس له فيء منظور ،وخَلف حجاب ليس كمثله شئ مستور.فجهلته كل العوالم وبقيت سُكارى حَيارى ﴿لعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُون﴾ يتحيرون في معرفتك،ويتساءلون عن هويتك﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾فأنت من أمره ،وقبضة من نوره ،فصلت بك سور فرقانه، وطُلْسِمْتَ في آيات كلامه ﴿حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ ﴾جهلك الصافون،والمسبحون،وفرسان المعرفة الآحاديون،والخلائق أجمعون ﴿وَجَرَيْنَ بِهِم﴾ إلى وحدة في عين الكثرة ، وكثرة في عين الوحدة. فكانت الحقيقة المحمدية محمدا في مقام الكثرة والوحدة.فزاد ذهلهم فظهر لعقول الهياكل أن الشيء مخالف،وللمنطق متالف،وليس إلا ما أرده الحق  للخلق وبالخلق.فمنهم من ظن وحدة الوجود،ومن قال،بل شهود سريان حقيقته في الوجود وقال أعرفهم به:

أراه في نفسي و هيكلي وقالبي**متمثلا فكد ت أقول أنا هو.

كاد يبوح بسرها فصمت ،ويفشي أمرها فكتم﴿إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً ﴾بحر بلا ساحل،وساحل بلا بحر﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ الله﴾” لا إله إلا الله محمد رسول الله”كلمة التوحيد إنما هى لتوحيد الواحد بوحدته التى هى له من دون كثرة. فلو كان اسم محمد خلاف تلك الوحدة، لما ساغ قِرَانُـه بإسم الجلالة (الله) فى كلمة التوحيد لوجود الغيرية. أو لكانت هناك واو عطفية بينهما (ومحمد رسول الله).فكان شطرا في التوحيد  فالتحف بوحدات الذات. فأُعطَى ما لم يُعْطاه غيره من أهل الأَرض والسَّماوات﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى إِنَّنِيَ أَنَا اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْرِي﴾”من رأني فقد رأى الحق”، لأنه ليس ثـَمَّ من  يذكر الله بمجرد نظر الرائي إليه، إلا من أنزله الله منزلته، وأقامه مقامه ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ ﴾ قأثبت له الرتبة، واستوى بقِدَمِ الأحدية على عرش الصفات، فكان سدرة منتهى الغايات ،ورفع  الدرجات، ونهاية سير المخلوقات ،فأثنى عليه في مهامه الغارات على تربيته لكل الكائنات ،حتى صارت بربها عارفة،وله مسبحة ساجدة، ومن مقام الإحسان مرتشفة،ولسلطان شريعة التجليات خاضعة﴿مَّامِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾إنك يا محمد على صراط مستقيم ،ثناء منه،إليه ،وبه عليه﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾بلسان جمع الجمع، على خط قوس لسان الترجمان الأزلي المحمدي، بمحو الذات،بالذات ،للذات في الذات،حيث ليس إلا المخاطِب الأول،والمخاطَب الأول.الحمد لله قبل القبل، بلسان جمع الجمع، الحمد لله لما فوق بساط الاصطحاب.رب العالمين لأنه مربيهم ،ومعرفهم بخالقهم، ومعلمهم عبادة ربهم، من يوم ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىيا أيها الناس إنكم لا تدعون أصما ولا غائبا إن الذي تدعونه بينكم وبين أعناق ركابكم ” )ابو داوود( لأنه قام بكل ما هو مسطر في بساط الرحمانية ،ولأنه الخليفة على كل الدوائر الكونية ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾.فهو العارف،المعَرِّف،المـُعَرَّف ،وقائد الكون،والشاهد عليه وشفيعه، فسر الربوبية ظهر به وفيه ومنه.الرحمن الرحيم لأنه  الرحمة المهداة﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾و﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ.ملك يوم الدين  أخبرنا  أنه صاحب النبوة قبل وجود الأنبياء الذين هم نوابه في هذه الدنيا .فثبتت له السيادة في الدنيا بكل وجه ومعنى ،ثم أثبت السيادة له على سائر الناس يوم القيامة بفتحه باب الشفاعة،ألا تر إلى أبي البشر آدم، وأبي الأنبياء إبراهيم،يحتاجونه في ذلك الموقف.فهو مَلكنا ومالكنا ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ﴾عبادة إمتنان ، وكيف لا وهو صلى الله عليه،مربينا،ومعرفنا بخالقنا،وشفيعنا. فالكل منه يستمد ،وإليه يستند ،وعلى شفاعته يعتمد، لأنه خط دائرة الوجود .له وجهة حقية ،ووجهة خلقية. فهو برزخ بين  الربوبية والمربوبية، وواسطة في كل الشؤون الحسية والمعنوية،وهو  شعلة الدوائر الكونية، ونقطة بروز المقتضيات القرءانية ،به بانت الرتب، وعرفت النِّسَب.برزخ عظيم ،وفاتحة التجليات والفيوضات الإلهية .فصار دفتر المثاني لأنه ما من شئ في الوجود، إلا هو من مقتضيات الكتاب الذي هو فهرست الكون الإلهي،ومحمد هو اللوح المحفوظ فَخُلقه،وصفته القرءان،وهو دفتر المثاني لما في الربوبية والعبودية من المعاني,فالطرف الحقي بالحقائق الإلهية منوط .والطرف الخلقي بالحقائق الوجودية مربوط. فهو العقل الأول الذى ارتقت فيه جميع الأسرار والعلوم،والقلم النوراني الذى سُطر بمداده جميع الأقدار والفهوم، كتب به الرحمان على كل ذرة،جميع ما يظهر عليها مما كان أو يكون،إذ منه غرفت الأرواح ،ومنه إستمدت الأشباح .وهو اللوح المحفوظ الذى أنطوى على كل سر مكتوم ، وأمر معلوم,وقضاء محتوم. العلوم كلها قطرة في بحره،والحكمة حفنة من يـمه، والأزمنة  كلها ساعة من دهره.

رموز وأسرار لا تلحقها الخواطر والأفكار .فاستحق أن يكون واسطة الأزل الذي كان وما زال ولم يزل، قهرمان العروج والعطاءات في ما علا ونزل، الذي بما تلاقاه منه جبريل إليه به نزل﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ ﴾فَكَلَّمَنا الله من وراء حجاب برزخيته﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ﴾﴿ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾كما كلم موسى عليه السلام من حجاب النار، والشجرة، وشاطئ الوادي الايمن ،وجانب الطور الايمن،وفي البقعة المباركة ،وجوه لعملة واحدة .قول عبد  حقاني﴿وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ ﴿وَشَهِدُواْ أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ﴾ فهو  عبد حقاني، لاهوتي،تلثم ببراقع العبدية،وتستر بالبشرية، وتـمنطق بالوحي.فإن بشريته و إن كانت موجودة عينا،لكي لا يعبد من دون الله، فهي مفقودة حكما، لا أثر لها.مستورة كما تتستر النجوم عند ظهور الشمس﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾.إلا أنت ،فأكله وشربه،وتزوجه النساء،تشريع لنا فكيف لايكون عبدا منفردا ب﴿ لَيْسَ كَـمـِثْلِهِ شَيءٌ﴾ هو من مقتضيين،لبس خلع الأسماء والصفات الإلهية، وهو خليفة الله في كونه .قال “من رآني فقد رآى الحق”،ولا يقوم مقام الحق إلا الحق. وللخليفة الظهور بصورة المستخلف. فَنُعِت بالأَحِدي الثاني فكان أول العابدين،وتُلِـيَ القرءان عليه من لوح أحمديته على محمديته، بلسان الجمع في حضرة جمع جمعه﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ﴾كذلك كان       ﴿ وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ ﴾منه إليه . هيهات هيها وما يعقلها إلا العالمون وآله وصحبه وسلم  .

هيهات هيهات أسرار مكمونة ،وحقائق مبطونة، وأمثال مستعارة.رموز وأسرار لا تلحقها  الخواطر والافكار   ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ.فعلوم الوهب غير خاضعة للمنطق والعقل ولكن تعرف ذوقا ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾والتصوف يعبر عن البعد الباطني للإسلام. وأنه ليس مجرد  حركات يقوم بها  الإنسان 5 مرات في اليوم ،وصوم، وزكاة، وطواف وسعي .إنه سبيل إلى معرفة الله ،وإلى معرفة مولانا  نبي الله.”ياعمر ها هنا ينبغي أن تسكب العبرات “(ابن ماجة و ابنحبان). فمعرفة الله ونبيه، تعد عند الصوفي أطيب شيء يتذوق في الحياة الدنيا،وهي الجنة في الدنيا،وعليه فلاحياة على الحقيقة إلا لأهل المعرفة بالله ،هم الأحياء بحياة معروفهم (محمد رسول الله). والوصول إلى الله لايكون إلا بالنبي ،والنبي لا يعرف إلا بالوارث المحمدي .والأبوة  قسمان :أب روحي،وأب جسماني ،أو أب ديني ، وأب طيني، فلوكانت السعادة تحصل بالأب الجسماني لسعد بها اليهود والنصارى(والأب الروحاني الأكبر على الكون الإلهي هي نبوة مولانا رسول الله ).وقد جعل الله تعالى لكل زمان رجال، ولكل علوم أبطال حياتهم مصدر إشعاع روحي، وأذواقهم منهل عذب للمعرفة، والحكمة،والعلوم اللدنية، بهم يجدد الله الدين، وصدق الله تعالى حين قال﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ وقال رسول الله ” لكل قرن من أمتي سابقون “يستوحي منهم المريد الصادق، التوحيد الخالص والمعاني السامية، هم شيوخ التربية، العارفون بالله وبنبيه.فمن عرفهم أصاب المطلوب ،وظفر بالمحبوب، وأصلح مضغة القلوب.فالعقلاء يطلبون الوارث ويحتاجون إليه بالضرورة ،وضلَّ من كانت العُميان تـهديه.ولا يعرف صاحب الإذن المحمدي ،حتى نرى ثـمرة الإتباع ونتائج الصحبة،وآثار المعرفة، وبذور التحقيق ظاهرة على أتباعه.فالحمد لله الذي هدانا،وساق لنا، وعرفنا، وحبب لنا هذا الشيخ العارف الغارف، الكامل ،الواصل، الذي سلك الطريق،وملك أزمة التحقيق، عنده حلم الانبياء،وتدبير الأطباء،وسياسة الخلفاء،وحق أن يقال له الأسـتـاذ،وأن يقال لطريقته الـمـعـهـد.

اللهم نفعنا بالعلم والعمل ،واعصمنا من الذنب الحقير ،والجلل وسد بلطفك مواقع الخلل ،واحفطنا من الزلل وعز اللهم من ذل ،واهدي من ضل ،وشافي من اعتل، واجعلنا اللهم رحماء بيننا، يرحم قوينا ضعيفنا، ويساعد كبيرنا صغيرنا ،رحماء بينهم أشداء على زيغ أنفسهم ،إنك سـميع مجيب. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد العقل الأول الذى ارتقت فيه جميع الأسرار والعلوم، والقلم النوراني الذى سُطر بمداده جميع الأقدار والفهوم ، وكتب به الرحمان على كل ذرة ،جميع ما يظهر عليها مـما كان أو يكون ،إذ منه غرفت الأرواح ،ومنه استمدت الأشباح ،وهو اللوح المحفوظ الذى انطوى على كل سر مكتوم، وأمر معلوم، وقضاء مـحتوم. فالعلوم كلها قطرة في بحره ,والحكمة حفنة من يـمه ،والأزمنة  كلها ساعة من دهره ،وصحبه وسلم. محمد بن المبارك غشت 2012 الموافق لرمضان 1433.

728 : عدد الزوار