علوم الاولياء والعلم النظري(الفلسفة)

يقول الشيخ الأكبر في الفتوحات :[ولا يحجُبنّك أيها الناظر في هذا الصنف من العلم الذي هو العلم النبوي الموروث منهم،إذا وقفت على مسألة من مسائلهم قد ذكرها فيلسوف أو متكلم أو صاحب نظر في أي علم كان، فتقول في هذا القائل الذي هو الصوفي المحقّق: إنه فيلسوف، لكون ذلك الفيلسوف ذكر تلك المسألة وقال بها واعتقدها،وإنه نقلها منهم أو إنه لا دين له،فإن الفيلسوف قد قال بها ولا دين له.فلا تفعل يا أخي،فهذا القول قول من لا تحصيل له.إذ الفيلسوف ليس كل علمه باطلاً،فعسى أن تكون تلك المسألة فيما عنده من الحق،ولا سيما إن وجدنا الرسول صلى الله عليه وسلم قد قال بها،ولا سيما فيما وضعوه من الحِكَم والتبرّي من الشهوات ومكايد النفوس وما تنطوي عليه من سوء الضمائر.. وأما قولك إن قلت: سمعها من فيلسوف أو طالعها من كتبهم،فإنك ربما تقع في الكذب والجهل.أما الكذب فقولك (سمعها أو طالعها) وأنت لم تُشاهد ذلك منه،وأما الجهل فكونك لاتفرّق بين الحق في تلك المسألة والباطل.وأما قولك عن الفيلسوف (لا دين له) فلا يدلّ كونه لادين له على أن كل ما عنده باطل، وهذا مُدرك بأوّل العقل عند كل عاقل.فقد خرجت بإعتراضك على الصوفي في مثل هذه المسألة عن (العلم والصدق والدين)،وانخرطت في سلك أهل الجهل والكذب والبُهتان ونقص العقل والدين وفساد النظر والإنحراف.. خُذْ ما أتاك به هذا الصوفي،واهْتَد على نفسك قليلاً،وفَرّغ لما أتاك به مَحلّك حتى تُبرز لك معناها،أحسن من أن تقول يوم القيامة (ياويلنا قد كنا في غفلة من هذا بل كنا ظالمين).. فكل علم إذا بَسَطتْهُ العبارة،حَسُن وفُهم معناه أو قارب وعذُب عند السامع الفَهِم، فهو علم العقل النظريلأنه تحت إدراكه وممّا يستقلّ به لو نَظر. إلاعلم الأسرار،فإنه إذا أخذته العبارة سَمُج واعتاص على الأفهام دَرْكُه وخَشُن، وربمامَجّته العقول الضعيفة المُتعصّبة التي لم تتوفّر لتصريف حقيقتها التي جعل الله فيها من النظر والبحث.. وأما علوم الأحوال فهي متوسطة بين علم الأسرار وعلم العقول،وأكثر من يُؤمن بعلم الأحوال أهل التجارب. وهو إلى علم الأسرار أقرب منه إلى العلم النظري العقلي،لكن يَقرُب من صنف العلم العقلي الضروري،بل هو هو،لكن لمّا كانت العقول لاتتوصّل إليه إلا بإخبار مَن عَلمه أو شاهده، من نبيّ أو وليّ،لذلك تميّز عن العلم العقلي الضروري..ولايثْلُج الصدر إلا بما يُقطع بصحته،وليس للعقل هنا مدخل لأنه ليس من دَرْكه،إلا إن أتى بذلك معصوم فحينئذ يثلُج صدر العاقل. وأما غير المعصوم فلا يَلتذّ بكلامه إلا صاحب ذَوْق..]..
يقول الامير عبد القادر في كتابه المواقف: امتازالأنبياء عن الأولياء بالمنزلة الزُلفى والمرتبة العليا،مرتبة النبوة.وأما العلوم،فقد يكون عند الوليّ من العلوم ما ليس عند النبيّ،تَشريفاً لعلماء هذه الأمة المحمدية لسيادة نبينا صلى الله عليه وسلم وشَرفه على كل مخلوق. وقد ورد:(علماء أمّتي كأنبياء سائر الأمم)،وفي رواية:(علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل).والمُراد بالعلماء الأولياء،لا مطلق العلماء. ومن هذا الباب قول عبد القادر الجيلاني: [معاشر الأنبياء أوتيتم اللّقب، وأوتينا ما لم تُؤتَوه]،وقول أبو الغيث بن جميل: [خُضنا بحراً وقفت الأنبياء بساحله]،وقال سيدنا(أي الشيخ الأكبر): [في هذه الأمة من لَحقت رُتبته رُتبة الأنبياء،لا في التشريع]،ونُقل عنه أنه قال في بعض كتبه: [قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنك أعطيت ما لم تُعط الأنبياء غيري].. ومعلوم أن الكامل من الأولياء له ثلاثة أثواب:”ثوب إيمان” وهو أن يُظهر التصديق بقول القائل،و”ثوب كُفر“وهو أن يستُر ما عنده،و”ثوب نفاق” وهو أن يُظهر خلاف ما أكَنّ. وكل واحدة من هذه الثلاثة مُرتبطة بحقيقة إلاهية،فابحث عنها.. وإن أخبر الكامل بشيء من الكَوائن واستقرب زمانه،وما وقع،فذلك أن الكُمّل ينظرون المعلومات في الحضرة المُنزّهة عن التحديد في الزمان،المُجرّدة عن الغواشي الغريبة. فعلمهم حُضوري،فلا يقدح ذلك في إختباراتهم عن الكوائن….ذ رشيد موعشي…

224 : عدد الزوار