عَصا موسى وحِبال السّحَرة

كان موسى،لمّا ألقى عصاه فكانت حيّة تَسعى،خافَ منها أولاً على نَفسه،على مَجرى العادة. وإنما قَدّم الله،بين يَديه،معرفة هذا قبل جمع السّحَرة،ليكون على يَقين من الله أنها آية،وأنها لا تَضُرّه. وكان خَوفه الثاني عندما ألقت الحبال والعِصيّ،فصارت حيّات في أبصار الحاضرين ــ كان خوفه هذا على الأمّة،لئلاّ يَلتبس عليهم الأمر،فلا يُفرّقون بين الخيال والحقيقة.. فإختلف تَعلّق الخَوفين عند موسى،فإنه على بَيّنة من ربّه.. إذ قيل له في الإلقاء الأول (خُذها ولا تَخف سنُعيدها سيرتها الأولى) أي ترجع عَصاً كما كانت في عَينك. فأخفى العصا في روحانية الحيّة البرزخية ،فتَلقّفت جميع حيّات السّحرة،المُتخيّلة في عيون الحاضرين،فلم يبق لتلك الحبال والعِصيّ عين ظاهرة في أعيُنهم.. فأبصَرت السّحرة والناس حبال السّحرة وعِصيّهم،التي ألقَوها،حبالاًوعِصيّاً،فهذا كان تَلقّفها،لا أنها إنعَدمت الحبال والعصيّ،إذ لو إنعدمت لدَخل عليهم التّلبيس في عصا موسى،وكانت الشّبهة تدخُل عليهم. فلما رأى الناس الحبال حبالاً،عَلموا أنها مَكيدة طبيعية،يُعضّدها قوة كَيديّة روحانية. فتلقّفت عصا موسى صُوَر الحيات من الحبال والعصي،كما يَبطُل كلام الخَصم إذا كان على غير حق أن يكون حُجّة،لا أن ما أتى به يَنعَدم،بل يبقى محفوظاً معقولاً عند السامعين،ويزول عندهم كَونه حُجّة. فلمّا عَلمَت السّحرة قَدْر ما جاء به موسى من قوة الحُجّة،وأنه خارج عما جاءوا به،وتحقّقت شُفوف ما جاء به على ما جاءوا به،ورأوا خَوفه ــ عَلموا أن ذلك من عند الله،ولو كان من عنده لم يَخف،لأنه يَعلم ما يَجري. فالساحر لا يَخاف ممّا يفعله، لعلمه أنه لا حقيقة له من خارج،وأنه ليس كما يظهر لأعيُن الناظرين.. فآية موسة عند السّحرة (خَوفُه)،وآيته عند الناس تَلقّف عصاه. فآمنت السّحرة وعلموا أن أعظم الآيات في هذا الموطن،تَلقّف هذه الصُوَر من أعيُن الناظرين،وإبقاء صورة حيّة عصا موسى في أعينهم،والحال عندهم واحدة.فالحقائق لا تتبدّل،وأن عصا موسى مَبطونة في صورة حية عن أعيُن الجميع،وعن عَين الذي ألقاها بخَوفه الذي شَهدوا منه. فهذه فائدة العلم. فأمن السّحرة بما جاء به موسى عن آخرهم،وخَرّوا سُجّداً عند هذه الآية،وقالوا: آمنا برب العالمين رب موسى وهارون حتى يرتفع الإلتباس. فإنهم لو وَقفوا على (العالمين)،قال فرعون (أنا رب العالمين) إيّاي عَنَوا.. فزادوا (رب موسى وهارون) أي الذي يدعو إليه موسى وهارون. فإرتفع الإشكال..

54 : عدد الزوار