كتاب المعاريج

المؤلف: سيدي محمد بن محمد وفا الكبير (ت 765هـ). _ الحمد مفتاح أقفال أعطية العطايا الإلهيات. _ النفس / مراتب الصلاة : النفس حقيقة جامعة لأزمّة أطوار الخلقيّة،من الأرضية والسمائية. وهي تتصرّف بالسّير في برازخهن وتكشف لطائفهن، كالمرآة: فإن كانت مُسواة معدّلة نقيّة زكية،محفوظة من كدورات الطبائع ودَرن الشهوات وقتام الشرك في الأعمال وظلمات الجهل ودركات الكفر،كشفت ما أدركت وشاهدت ما قصدت وسمَت حيث توجّهت ونعمت حيث استوطنت.. فهي في ظاهر أمرها الجسماني وظهورها النفساني، قائمة بحقائق العبودية والتبعيات المحمدية والمسالك الإسلامية والمناهج الإيمانية والمواقف الإحسانية والمطالع الفرقانية. وفي باطن أمرها وظهور ها النوراني،قائمة بحقائق العبودية الأحمدية والانشراحات الفردوسية والإسراءات الإشراقية والمعاريج الملكوتية والمكاشفات الرضوانية والإفاضات النورية والمقامات القدسية والطلعات الأقدسية والتوجهات الرحمانية والمحاضرات الربانية،قائمة بحقائق العبدانية والعبودية، وملاحظة لقبول المواهب الربانية، مُستمطرة للإفاضات الرحمانية،طالبة كرائم الإفضال.. فالنفس في معراجها الملكوتي عارجة إلى عليين،وفي تنزّلها المُلكي هابطة إلى أسفل أسفلين. فهي بين لَبْسة روحانية نورانية وبين لبسة جسمانية ظلمانية. سارية في أطوارها،ولها في كل طور من الأطوار برزخ تسكُنه وترتحل عنه.. فهي أطوار سبعة لها برازخ سبعة،نطق القرآن العظيم بظواهرها لأرباب الظاهر،وبباطنها لأرباب الباطن. فلظاهرها ظواهر، ولباطنها بواطن.. قال الله تعالى: (ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاماً فكسونا العظام لحماً ثم أنشأناه خلقاً آخر فتبارك الله أحسن الخالقين). فهذه مراتب الأطوار الخلقية الجسمانية في الظهور،ومعانيها لطائف الأطوار الروحانية في البطون. وقد نبّه سبحانه على ذكر الأطوار على لسان نبيه نوح فقال: (ما لكم لا ترجون لله وقاراً وقد خلقكم أطواراً ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقاً وجعل القمر فيهم نوراً وجعل الشمس سراجاً والله أنبتكم من الأرض نباتاً ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجاً). فللنفس في منازلها الطورية صلاة تختص بكل منزل منها،سفلي وعلوي، مُلكي وملكوتي،جسماني وروحاني،ظلماني ونوراني. فللجسم صلاة في طوره الجسماني،وللنفس صلاة في طورها النفساني،وللصدر صلاة في كوره الجبروتي،وللقلب صلاة في طوره الملكوتي،وللروح صلاة في طورها الروحاني،وللسرّ صلاة في طوره النوراني،وللفؤاد صلاة في طوره الرضواني.. فصلاة الجسم تشتمل على أوصاف،من القيام منتصباً متوجهاً نحو الكعبة حيثما كان.. آتياً بصفات الصلاة الشرعية ظاهراً،كما صلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم في ظاهر الأمر.. فتلك صلاة الأجساد.. وأما صلاة النفوس فهي أن تضُمّ لما وصفناه من أفعال الجسم،قراءة ما تيسّر من القرآن بعد الإتيان بالفاتحة.. والتسبيح والتحميد والتمجيد والدعاء والتحيات بكمالها.. وأما صلاة الصدر فهي التهيّؤ للتسوية والتعديل للانشراح لقبول الواردات،والخروج عن وصفيّ الضّيق والحرَج. فيضمّ لما وصفناه من صلاتي الجسم والنفس: الانشراح والانبساط،والاستسلام لحقيقة الإسلام،وتلقّي أنواره وقبول وارداته. فيقوم بنشاط في التوجّه والبسط لصلاته،فيرتّل القرآن ترتيلاً،ويتفهّم ما يتفوّه به من التنزيل.. وأما صلاة القلب فهو أن يضمّ لما وصفناه من الصلوات الثلاث: حضور النيّة عند الدخول في الصلاة،ولزوم الأدب والخضوع والخشوع والخوف والخشية والتذلّل والتواضع والتصاغُر والتضاؤل،ولزوم الحضور في جميع الصلاة،وألا يلتفت فيها يميناً ولا شمالاً،وأن يعلم من يُناجي في صلاته.. فإذا صلّى القلب هذه الصلاة تنزّلت عليه لطائف الأنوار وتنزّلت عليه السكينة،ولبس الوقار،وكتب فيه سطر الإيمان،واستوى وتعدّل لقبول واردات الإحسان،واستغرقته الأنوار الإيمانية،وأشرقت عليه إضاءات الروحانية،وسَرى في الملَكيات وعرج في درج الملكوتيات.. فتُشرق أنواره على المصلين دونه،فيُكسَون حُلَل أنوار جلال وهيبة وكمال.. وأما صلاة الروح فهو أن تضمّ لما وصفناه من صلوات الحقائق الثلاث (أي: القلب والصدر والنفس)،خارجاً عن صلاة الجسم،فإن صلاة الجسم مشهودة للأبصار بخلاف الحقائق الثلاث. فصلاة الروح انضمام الفرح والسرور بقدوم أوقات أداء الفرائض،إذ هي أوقات التجليات والتنزلات، وإعلان الدّاعي بالبُشرى،والتهيّؤ للحضور للمخاطبات والمكالمات والمناجاة،والتفكّر بعد التدبّر في أسرار الآيات المُنزلات،والتسوية والتعديل لنفحة الرحمانيات،والخروج من حصر التعلّقات بنَيْل الجزاء والثواب وحلول الدرجات،وتلقّي الإفاضات الرحموتيات بلطائف العلوم الكشفيات والفهوم الغيبيات.. فإذا استغرق المُصلّي في حقيقة هذه الصلاة الروحانية والحقيقة الرضوانية،واستوفى ما قدر له،كمُلت صلاته وفاضت عليه أنوار المقامات الصديقية،وهو مقام الإحسان،فعند ذلك ينتهي معراجه الروحاني ومنتهى مقامه الرضواني. وأما صلاة السرّفهي أن تضمّ لما وصفناه من صلوات العوالم الطورية، واللطائف الظهارية والبطانية،دوام المراقبة والحضور للمشاهدة والمخاطبة. فلا تلحقه غفلة ولا تمُسّه لفتة،ولا يتعلّق بعلاقة روحانية ولا ملكوتية ولا جبروتية ولا نفسانية ولا جسمانية. فيكون دائماً على صلاته،ذاكراً لله تعالى في خلواته وجلواته،قائماً بمأموراته ومنهياته، مُستغرقاً في فهم أسرار ملكوتياته وروحانياته.. فإذا صلّى السرّ هذه الصلاة الطورية،وقام بها في السريّة والجهرية،نالَ مقام العرفان وشَهد محلّ الرضوان،وكان للأنبياء والرّسل من خواص الأتباع المحبين الإخوان.. فإذا تأدّت هذه الصلاة بكمالها،من أقوالها وأفعالها وأحوالها،انثالَت عليه إضاءات الأنوار الرحمانية البطانية للطور السابع،بعد ختم صلوات العوالم الستّ. فيبدأ العالَم السابع بإتيان صلاته وتمحّضه بالخروج عن مقاماته وغاياته،فيرقى في معاريجه الإخفائية والأفئدة الاصطفائية الاختصاصية، بَرئاً من حوله وقوته،مجرداً من أثواب إنيّته،ممحُواً رسمُه واسمه بين العالمين،حاضراً بحقيقة الافتقار لأرحم الراحمين،متابعاً للقدم النبوي المحمدي،موافقاً مُرافقاً للّطيف الأحمدي.. فلا يرى سوى الله،ولا يفوه إلا بالله،ولا يشهد في الكون إلا الله.. ففي صَحوه يشهد الله،وهو بمقام العبودية،واضعاً قدمه على أثر القدم المحمدي والنعت الأحمدي،سامعاً كلام الربوبية بحقيقة العبدانية.. (ما كذب الفؤاد ما رأى)،فهو محلّ لتنزّل العلم اللدُني وإلقاء النور الروحي،في غاية الكمال والتمام،بالاتّصاف بحقيقة الفقر لذي الجلال والإكرام.. فصلاته دائمة سرمدية أبدية أمدية.. سامعُه لما قيل للنبي الكريم داود عليه السلام من الرب الكريم: “يا داود أنا بُدّك اللاّزم،فليس لك منّي بُدّ. فإن حصلت لك حصل لك كل شيء،وإن فتّكَ فاتك كل شيء”.. فمن غلبت عليه الصفات الإبراهيمية أتى بصلاة الجسم والنفس والصدر، فكان مسلماً. ومن غلبت عليه الصفات الموسوية أتى بصلاة القلب،فكان مؤمناً. ومن غلبت عليه الصفات العيسوية أتى بصلاة الروح،فكان عيسوياً. ومن غلبت عليه الصفات المحمدية أتى بصلاة السرّ،مع الصلوات المذكورة، فكان محمدياً. ومن شملته العناية الاصطفائية والملائكة الاختصاصية،جمعت له صلوات لطائفه الطورية،فكانت صلاته واحدة، فكان محمدياً أحمدياًعبدانياً ربانياً.. فالمصلّي بكليّته يُصلّي بصلاته جميع العوالم. والمتمكّن يصلّي بجمعيته إذا شاء،وبتفرقته إذا شاء،وببعض أطواره إذا شاء،وبظاهره دون باطنه إذا شاء،وبباطنه دون ظاهره إذا شاء. والمتلوّن لا يقدر على جميع الصلوات في الصلاة الشرعية،وإنما يأتي بما يستطيع منها،ولم يكلّفه الشارع القيام بحقيقة الجمع فيهن،إذ لا قدرة له على ذلك.. فالمتلون ضعف عن القيام بما يقوم به المتمكن،لقوة المتمكن….

يتبع…ذ موعشي رشيد..

11 : عدد الزوار