لماذا السعي لتعلم علم الحقيقة؟

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الانبياء والمرسلين،وعلى مولاتنا فاطمةَ الزهراء سيدة نساء العالمين ،وعلى سيدتنا خديجةَ الكبرى امِّ المومنين ،وعلى اله وصحبه اجمعين . خواطر حول : لماذا علم الحقيقة ؟ سألتني احدى الاخوات : “ما فائدة تعلم هذا العلم أي علم الحقيقة؟ فقلت: ” وهل هناك علم اشرف من هذا العلم … العلم بالله ؟ . قالت: ما الفائدة التي ستعود علي ؟ فقلت : “كيف تحسني عبادتك ويكتمل حبك وخشيتك ان لم تعرفي ربك ، ان لم تعرفي نبيك ؟ ولكي تعرفيه يجب ان تعرفي نفسك اولاً ثم سبحان الله أضاءت اية في قلبي ونزل عليه خاطر ملأ تفكيري فأسرعت إلى قلمي اكتب : يقول الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه “انما يخشى الله من عباده العلماء ، ان الله عزيز غفور” (فاطر اية ٢٨)أي ما يخشى الله سبحانه وتعالى إلا العلماء العارفين به ،والعلماء على قسمين: القسم الاول : علماء الظاهر اوعلماء الرسوم … وهنا نتعلم العقيدة والفقه والمعاملات والتجويد النظري والتفسير العام لظاهر القرآن الكريم وهذه العلوم مهمة إذ أنها تنظم حياتنا في عالم الملك وفق الشريعة أو القانون الإلهي ، لنعرف منها كيف نعبد الله بداية من الشهادة إلى الحج فنحقق اركان الإسلام وفق منهج الله ونعرف كيف نتعامل مع الغير كذلك وفق قانون الله في الأرض . نتعلم ايضاً ما هو علم التجويد وعلم القراءات ونتعرف على معلومات حول مكان نزول الايات وأسباب النزول والمعني الظاهر من الايات سواء كانت في العقيدة أو في المعاملات افعل ولا تفعل . ومن علم الظاهر علم الحديث والسيرة النبوية لنتعلم من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيرته منذ ولادته صلى الله عليه وسلم إلى الانتقال إلى الرفيق الأعلى كنبي ورسول كيف كانت معاملاته وأوصافه ، شمائله ، من هن زوجاته، اولاده ما هي غزواته مراحل ما قبل الهجرة وما بعدها من هم ال البيت ومن هم الصحابة وهكذا هذا العلم هو العلم بأحكام الله وهو الجناح الاول الأساسي الذي نرفرف به طيرا إلى الله لانه كتالوج الصنعة كما وضعه الصانع سبحانه . بمعنى كيف اتعامل كصنعة خلقها الله مع الله من عقيدة وعبادات ومع غيري من البشر في المعاملات آي أفعل ولا تفعل وايضا كيف افعل من خلال الكتاب والسنة المشرفة هل هذا فرض عين على كل مسلم ؟ أقول : العقيدة الصحيحة ومعرفة اداء الأركان مثل الصلاة والصيام .. الخ ومعرفة الحلال والحرام بشكل وكيفية قراءة كلام الله تطبيقيا فنعم فنأخذ ما نحتاج منه بالضرورة لإقامة حياتنا في مرحلة الدنيا اما مجمل هذا العلم وأخذه بدراسة وتعمق هو فرض كفاية وليس فرض عين … بمعنى انه لو تعلمه مجموعة من المسلمين يكفي … ونعود اليهم فيما اشكل علينا او نحتاج توجيه فيه حتى في الأركان مثل الزكاة والحج مثلا ومثل علم التجويد كعلم نظري فهذا هو أساس للانطلاق ولكن لا يمكن الانطلاق به وحده لأنه جناح واحد يعتمد على الفهم العقلي ويقصد به إقامة حياة كريمة فيها حب وسلام تعنها الأخلاق الحميدة على الأرض أي تنظيم عالم الملك وهذا لا يتم إلا باتباع منهج الصانع العالم والخبير بصنعته كما امرنا القسم الثاني من العلماء هم العلماء بالله (علم الحقيقة ). وهو الجناح الاخر من العلم الذي نحتاجه بعد الانطلاق إلى التحليق والطيران بشكل صحيح إلى الله قال سبحانه : “وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون( ” الذاريات ٥٦ ) اي ليعرفون فهو سبحانه ما أوجدنا إلا لنتعرف عليه بمعنى على أسماءه وصفاته وهذه الاية وحدها تدل بشكل قاطع ان هذا العلم. هو فرض عين في واقع الأمر فكيف آتي إلى الدنيا وأغادر وانا لم اعرف ربي وكيف اعرفه وانا لا اعرف نفسي ولم اعرف نبيي قال سيد الوجود صلوات ربي وسلامه عليه :” من عرف نفسه فقد عرف ربه” وهو المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى ان هو إلا وحي يوحى ما الفرق بين العلمين علم الاحكام وعلم الحقيقة او العلم بالله في السير إلى الله؟ إقول الفرق كبير ١. علماء الاحكام يخافون غضب الله وعقابه والعلماء بالله يخشون ابعاده واحتجابه ٢. علماء الاحكام يخافون النار ويرجون الجنة والعلماء بالله يرهبون جانب المولى ٣. علماء الاحكام يتقون مواطن الآثام والشبهات اما العلماء بالله يتقون سوء الادب مع الله ٤. علماء الاحكام يحسبون الحسنات وعدد الختمات وينظرون إلى الأعمال ينظرون إلى الدنيا والآخرة اما العلماء بالله فقد خلعوا النعلين فلا ينظرون إلا إلى الله فلحظة حضور بين يدي الله تساوي عبادة الثقلين ٥ . علماء الأحكام يكلموك عن أهمية تزكية النفس والعلماء بالله يضعون لك منهج لهذه التزكية أي للتخلي ثم التحلي فيأتي التجلي والتحليق ٦. علماء الأحكام يعلموك أهمية الخشوع في الصلاة واهمية الأخلاق والذكر وسائر العبادات الظاهرة أما العلماء بالله يعلموك سر “به” إذ لا يمكن تحقيق إخلاص الباطن إلا بالله بالذكر والفكر معا يقول سبحانه:” ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا” (سورة النور اية ٢١). وللنظر جيدا إلى هذه الاية فضل الله ورحمته … من هو عين رحمة الله ومن هو فضل الله على العالمين ؟ هوسيد الوجود “وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين” فالله سبحانه وتعالى يدلنا على الباب هذا لمن ألقى السمع وهو شهيد … ولما كان سيدنا رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه هو الباب ولا دخول إلا من هذا الباب إذن منطقيا معرفته هي فرض عين لا محالة فنور النبوة هو المشكاة التي تنير انفسنا وتصلنا بارواحنا وتنور ضروبنا في الطريق إلى الله ٧. علماء الاحكام خشيتهم مادية ثواب وعقاب حسنات وسيئات اما العلماء بالله فالمعرفة والرهبة تفتت قلوبهم ثم تاتي الخشبة لتعقل صاحبها فيبقى مع الله لله بالله في الله فلا جنة ولا نار ولا دنيا ولا اخرة في هذه الحضرة ٨. علماء الأحكام يترجمون الخشية على أنها خوف من العقاب، اما العلماء بالله يعلموك انها ليست كذلك فالخشية هي هيئة في القلب تعكس الذل والانكسار والفقر بين يدي الله فيتولد الخشوع فترتسم عظمته سبحانه فيتفتت القلب خشية من الله فمن تجلى الله له بعظمته خشيه حق خشيته وان بدى هذا هو الذروة عند علماء الأحكام فهو عند العلماء بالله فهذا الحضور التصوري ما هو إلا الخطوة الأولى نحو السجود الحقيقي للقلب فتسير بالذكر والفكر لتنتقل من الحضور التصوري الحاصل للعالم إلى التجلي الثابت الحاصل للعارف وبينهما مراتب لا تعد ولا تحصى ٩. . علماء الاحكام يقفون عند ظاهر المعاملات وكافة الاحكام والأقوال وحتى الايات اما العلماء بالله فهم الذين يقرع الله قلوبهم بالمعرفة ويختصهم بالمعاني الباطنة والانوار فيقع في قلوبهم الاجلال بسنا التعظيم وكلما زادوا معرفة زادت الخشية ولا يحصل هذا إلا لمن انتقل من علم اليقين إلى عين اليقين ثم إلى حق اليقين. ١٠. علماء الاحكام يأخذون علمهم ميت عن ميت كما قال الشيخ ابو يزيد البسطامي رضي الله عنه وهو من الأفراد من اعلى مراتب الاولياء قال: “علماء اهل الرواية (الظاهر) مساكين اخذوا علمهم ميت عن ميت ، وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت”** ١١. علماء الاحكام يقفون مع السيرة والقالب البشري لسيدنا رسول الله اما العلماء بالله يحاولون الوصول ليتعرفوا ولو على قطرة من حقيقة سيدهم ومولاهم رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه وعلى اله فهو المصطفى سيد العالمين القدوة الحسنة وهو الحبيب والشفيع وهو الأعلم والأشد خشية لله . يقول عليه الصلاة والسلام وعلى اله : “أنا أعرفكم بالله وأخشاكم منه ” صدق سيدي ومولاي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى اله فكيف لا اعرفه هو بل كيف لا اهب حياتي للبحث والتنقيب عن حقيقته ؟ فالعارفون هم المحبون الذين نور الله قلوبهم فعرفوا قدر نبيهم الذين يواصلون الليل والنهار قراءة وتدبرا لآيات الله والنظر في كتب الأولين ليرتشفوا منها المعاني حول نور النبوة وحقيقة الوجود . لا تفتر ألسنتهم عن الصلاة والسلام على الحبيب محبة وشوقا ووجدا ليبنوا الصلة معه ويدخلون في عباءته الشريفة فهم في اتصال وترقي وذوق لا يعرفه علماء الظاهر لان هذا مبلغهم من العلم اماً العارفين فهم يصلون على مراتب معرفتهم بنبيهم والتي كشفها الله لهم فالكل من رسول الله ملتمس والانوار تاتي بما سبق في علم الله فكل وسعة انيته ١٢.. علماء الاحكام يسيروا إلى الله بالعمل ، اما العلماء بالله يطيرون إلى ربهم بالحب وشتان بين الحالتين ١٣. واخيراً فهناك فرق كبير بين من ينظر بعقله ومن ينظر بقلبه من يرى بعينيه ومن يرى ببصيرته ، من يحب ومن يخاف وبين المحب والمحبوب وبين العالم والعارف … تخيل من يصلي على رسول الله صلى الله عليه وسلم النبي الخاتم الذي عاش في مكة وجاء برسالة الإسلام وانتقل إلى الرفيق الأعلى ويذهب للمدينة لمجرد الصلاة في الروضة ويمضي وبين من يصلي على نور النبوة الاول في الايجاد ومن يذهب لزيارته وهو مدرك انه حي يراه ويسمعه ويرد عليه السلام ويعرف ان أعماله تعرض عليه …. شتان شتان شتان الاول يبحث عن الاجر والثاني أيقن بقوله سبحانه: “واعلموا ان فيكم رسول الله” يعلم انه الباب إلى الله وأنه هو الخليفة الكلي وسدرة منتهى الخلائق اجمعين . الاول يفهم بعقله والثاني يقرأ ويفهم ويسمع ويبصر بقلبه “قل ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله “، “من يطع الرسول فقد أطاع الله “، “وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى “،” ان الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم” ….، وغيرها الكثير من الايات فيعرفوا يقينا انه سيد الخلق ينجذبون اليه بالفطرة السليمة بالصلة بالعروة الوثقى بالحبل الممدود بالعهد يوم ألست بربكم بالمشكاة النبوية المنيرة في أفئدتهم وتنتهي الاية الكريمة باسمين لله سبحانه وتعالى … العزيز الغفوروكأن الله سبحانه وتعالى يريد ان يقول ان هذا العلم الذي يؤدي إلى حقيقة الخشية علم عزيز … اذ انه بيد الله خصوصية واجتباء هو علم “به” فياعلماء يافقهاء يامن تدرسون كتاب الله العلم بالقلب بالفطرة السليمة بالتواصل مع نور الروح ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم واسم الغفور جاء لأن من لم يسعى لمعرفة نفسه ونبيه فيعرف ربه فقد ظلم نفسه لأنه جاء ومضى ولم يعرف شيء لم يسعى لتعلم اشرف العلوم على الإطلاق ، فالله كرم بني ادم بهذا العقل الذي في القلب فمتى بنيت عليه الحجب والأستار ووهم الانا الكاذب ولم ينتبه إلى تكسير هذه الحواجز ولم يسال نفسه ولو مرة عن لماذا أنا هنا؟ من أين اتيت ؟ والى أين أنا ذاهب؟ من أنا؟ وما الحقيقة؟ فهذا اعظم ظلم في رأيي يمكن ان يقترفه الإنسان في حق نفسه ظلم يستوجب المغفرة … والله غفور رحيم فعسى ان يعفو ويصفح سبحانه واشير ايضا في النهاية إلى ان كلمة “ٱلۡعُلَمَـٰۤؤُا۟” في الاية جاءت مخالفة للغة العربية…وهذا للتفاوت الكبير في هذا العلم فهم درجات عند الله، درجات لا يعلمها إلا الله كل بما فتح الله عليه ومن المنظور الذي اذن الله به ان يعلمه او يشاهده . والله اعلى واعلم خاطرة جاءت كأنما هو برق نور يضاء في قلبي فأردت مشاركتها … لنعلم لماذا نتعلم … وان كنا لا نهتم بتعلم هذا العلم ، فماذا نتعلم اذن ؟ سبحان الله العظيم فصلوا على نبيكم واحمدوا الله ان جعلنا نحن المحملين بالذنوب والخطايا الذين في الواقع عدم لولا نفخته القدسية فينا … نذكره ونصلي على نبيه وآله ونتعرف على نقطة من بحر فيضه وفيض اله الطاهرين سفينة النجاة… فأي حب واجتباء واصطفاء أي فضل خصنا الله به فاللهم لك الحمد والشكر في كل لمحة ونفس ولك الحمد على الحمد والى ما لا نهاية أبد الآبدين فاللهم احفظ علينا نعمك ولا تحرمنا من عفوك وأشملنا بعين رحمتك واكتبنا في قلب حبيبك ووفقنا لما يرضيك ويرضيه بجاهه عندك وبقدر حبك له وحبه لك وبجاه ستنا فاطمة الزهراء البتول التي تحبها وترضى لرضاها ارض يارب عنا وزدنا وعلمنا وفهمنا واجعلنا من اهل محبتك وخاصتك اللهم امين وصل اللهم وسلم وزد وبارك على سيدنا ومولانا محمد وعلى اله الطيبين الطاهرين. الفقيرة إلى الله : هالة حامد

63 : عدد الزوار