وحدة الوجود ؟ أم وحدة الشهود.؟

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الانبياء والمرسلين. وحدة الوجود هو مذهب الذين يزعمون أن الكون هو الله فهي نظرة مادية وينكرون علم الله بالجزئيات وينكرون الحشر الجسماني. أما الصوفية المسلمون فلا يرون في الكون الا التجليات الإلهية.

الفيلسوف يحاول أن يكتشف الحقائق خارج ذاته،والصوفي يحاول أن يكتشف حقيقة نفسه(من عرف نفسه عرف ربه). الفلسفة تمر من طريق العقل،والفكر،أما المعرفة الصوفية فيعتمدون على الذوق( ما لم تحط به خُبرا)والكشف،والإلهام الرباني. المعرفة عند الصوفية فضل من الله وهبة ،أما المتكلمون والفلاسفة فيعتبرونها مكتسبة بالعقل ،وقد أشار ذا النون المصري إلى ذلك حين سئل بما عرفت ربك قال” عرفت ربي بربي ولولا ربي ما عرفت ربي” و رأي البعض ان التصوف فلسفة،والقوم من بينهم أمييون ربما لم يعرفوا حتى كلمة فلسفة ،إذ الفلسفة ناتجة عن عقل مفكر،وحقائق التصوف من ثمرات الذكر وصدق التوجه الي الله ،فالشيخ سيدي عبد العزيز الدباغ دفين فاس كان أميا( انظر كتاب الابريز).
يقول ابن عربي في الفتوحات ج1 ص32 :ولايحجبك أيها الناظر في هذا الصنف من العلم الذي هو العلم النبوي الموروث منهم صلوات الله عليهم اذا وقفت على مسألة من مسائلهم قد ذكرها فيلسوف،أو متكلم ،أو صاحب نظر،في أي علم كان،فتقول في هذا القائل الذي هو الصوفي المحقق أنه فيلسوف….فإن الفيلسوف قد قال بها ولا دين له…انتهى) . و أول من أطلق مصطلح “وحدة الوجود” واتهم به أصحابنا حسب فهمه لا ما قصده رفاقنا،ابن تيمية الحراني و اطلق ابن خلدون كذلك تسمية “الوحدة المطلقة” و استدل عليها من كلام ابن دهقان،هي كذلك تسمية غير ذات معنى، أما الصوفية ومحبيهم فأطلقوا على أذواق الصوفية “وحدة الشهود” نظرا لارتباطها بالمشاهدة.
ولماذا نعتوها بوحدة الشهود وكل الحقائق الصوفية شهود وكشف؟؟ “فأينما تولوا فثم وجه الله” . ” أن تعبد الله كأنك تراه”.و إذا أطلقنا عليها وحدة الشهود فهذا يعني أن كل الصوفية الواصلين ،على قدم واحد ة في هذا الشهود،ومقام واحد، لأن أعلا درجات الإحسان المشاهدة ، وهذا غير صحيح،فهم متفاوتون في شهودهم، فمنهم من راى الذات الحقية المحمدية وظن أنها الذات الالهية.ومنهم من لم يشم رائحة الاحمدية ،ومنهم من جزأ الصفة الاحدية، ومنهم من ردد فتوحات من سبقه ومنهم …ومنهم… فالصحيح أنها وحدة التجليات الالهية،ولكل عصر تجلياته تُظْهر ما أراد الله إظهاره سواء في الحس ،أو في المعنى. فنسبة أصحابنا الى وحدة الوجود باطل و كلام من لا معرفة له بأذواق القوم ومصطلحاتهم ـ و تسميتها وحدة الشهود غير دقيقة وغير صائبة،فالله تعالى كل يوم هو في شان وسيدنا محمد يقول” ما عرفني حقيقة غير ربي” فأين الوحدة إن كان الشهود.؟
وأود أن أشير الى ان لا كلمة وحدة الوجود ولا وحدة الشهود لم تردا في كلام ابن عربي او الجيلي البتة .
فالحقيقة المحمدية مجهولة لأهل الكشف والشهود فأين الشهود ،و أين الوحدة والتصوف تجربة شخصية. فلا المَلك عرفها (لو ان عندنا ذكرا من الاولين لكنا عباد الله المخلصين) ولا الرسول عرف كنهها ،ولا الولي وصل الى محتدها وحقيقتها (وآخرى لا تقدروا عليها قد أحاط الله بها)”ما عرفني حقيقة غير ربي” . يقول الكتاني رحمه الله في كتابه السانحات الاحمدية :فإن تولوا عن معرفتك وماهيتك فقل حسبي الله عرفني و أحاط بجملي وتفاصيلي. انتهى
يقول ابن عربي ان النبوة المحمدية نائبة عن الحق تعالى في الظهور للخلق، فهو مجلاه ،و لله تعالى الغنى المطلق.
فالحقيقة المحمدية ،والوساطة الاحمدية تنفي وحدة الوجود عن رفاقنا كما فهمها غلطا الكثيرون من دارسي التصوف وخصوصا المهتمين بكلام ابن عربي والجيلي وغيرهم . الحقيقة المحمدية تُبقي على اثنينة الحق والخلق ،و الوساطة بينهما وهو هذا البشر الرسول الوسيط البرزخي . وقد أحسنت الدكتورة سعاد الحكيم صاحبة مصطلحات الصوفية حين قالت ” أن الانسان الكامل هو الحد الجامع الفاصل بين الحق والعالم “{المعجم الصوفي}. وفي كتاب عنقاء مغرب ( فصل عنوانه “امتداد الرقائق من الحقيقة المحمدية الى جميع الخلائق “يؤكد ابن عربي هذا الرأي،وهذه الوساطة التي تنفي أن تكون الذات الألهية على اتصال بالمخلوقات .
فمن جعل الله عين الاشياء فقد كفر،فلا تترك غنمك تنفش في حرث القوم ليلا ،وتهمل فيه نهارا، وأنت في غفلة من امرك ،وسلم تسلم والزم الصمت تغنم.فما في الوجود إلا تجليات الأسماء الإلهية هي المسيرة للكون بأياد خفية .قال بعضهم : قالوا وحدة الوجود بمزعمهم ** أخطأت برأيك يا راميا
بل الاسماء الكون أضاء بهم ** فواعل و التف بهم واقيا
ووحدة الشهود ليست بخاطئة ولكن ليست صائبة.
ولنختم هذا الموضوع بقول الشعراني رحمه الله تعالى عن الصوفية وعن ابن عربي خاصة : ” ولعمري إن عباد الأوثان لم يجرءوا على أن يجعلوا آلهتهم عين الله تعالى بل قالوا”ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى” فكيف يُظن بأولياء الله تعالى أن يدعوا الاتحاد بالحق سبحانه وتعالى هذا محال في حقهم رضوا ن الله عليهم. وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى اله وصحبه وسلم.
العارف بحقيقة النور المحمدي الاحمدي الازلي الابدي محمد بن المبارك

78 : عدد الزوار