اقامة الجدار واستخراج الأسرار

اقامة الجدار واستخراج الاسرار


بسم الله الرحمن الرحيم

قال تعالى”كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَـذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ“.

الصديقة مريم عليها السلام كان الرزق ياتيها  بغير سبب،ولا جهد منها. وقد عاين سيدنا زكريا هذا الرزق الحسي عندها ،فآثار تساؤله وأخرج طلبه، وهو يعرف ان مريم لم  تكن تسعى في طلب الرزق.
فرزقها من عند الله ،بدون سبب منها ،ولكن عندما جاءها الملك وأخبرها بالغلام وهو رزق من نوع اخر ،سيصرفه الله لها ،قال تعالى :“قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَاماً زَكِيّاً قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً” . 


تساءلت :“أنى يكون لي غلام” ؟ :تسأل عن الأسباب لأنها غير متزوجة وليست باغية .فبأي سبب سيكون لها هذا الولد ،وكيف سيتقبل الناس هذا الولد من امرأة غير متزوجة.

والله تعالى فعال لما يريد،و على كل شيء قدير،و الأسباب حجاب.


فلما سألت عن الأسباب” أنى يكون لي ولد”ردت الى الأسباب فقال لها “وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً”      لم يعد الرزق يأتيها بدون سبب.

تسألين عن الاسباب إذن عودي الى الأسباب.

هزي جدع النحلة .

وهل تستطيع امرأة هز جدع النخلة ؟ الأقوياء من الرجال لا يستطيعون.

مثلها مثل امراة سيدنا ابراهيم التي “ قَالَتْ يَا وَيْلَتَىٰ أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَٰذَا بَعْلِي شَيْخًا  إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ

إن هذا لشئ عجاب. تتعجب .   
قال تعالى “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [المائدة : 35 

قال تعالى “ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الحج :   77

قال تعالى “فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الجمعة  10]


في الايات الثلاث وردت “لعلكم تفلحون” و(لعل) حرف ترجي ،والترجي من الله واقع لا محالة ،والترجي اشارة الى أن الاسباب كلها معدات لامؤثرات،والفاعل الحقيقي هوالله ،فهو المؤثر بإرادته عند الاسباب. لأن الترجي من الله متحقق الوقوع.

سيدنا ابراهيم عليه السلام رمى به قومه في النار ،والنار تحرق، ولم تحرقه، تغير مقتضاها بأمر الله ، ولو لم يأمرها الله تعالى أن تكون عليها بردا وسلاما” يانار كوني بردا وسلاما على ابراهيم” لقتله بردها.

لمَّا رمى به قومه بالمنجنيق إلى النار استقبله جبريل فقال : يا إبراهيم ألك حاجة ؟ فقال : أما إليك فلا ، قال جبريل : فسل ربك . فقال إبراهيم : حسبي من سؤالي علمه بحالي .

هذا هو التوحيد الخالص

وهذا هو القلب السليم

وهذا من اسباب وصف القرءان سيدنا ابراهيم بالصديقية ” إنه كان صديقا نبيا”.

سيدنا الخضر عليه السلام خرق السفينة وقتل الغلام و أقام الجدار.

وفي الاخير يقول “وما فعلته عن امري”,

وينحاز الى بساط التلوين في الاسماء:

فاردت

فأرادنا

فأراد ربك

ينسب الاسباب للمسبب الحقيقي .

كما ان الشكوى الى الله لاتقدح في الصبر ألا ترى إلى سيدنا أيوب عليه السلام سأل ربه رفع البلاء عنه بقوله :”  إني مسني الضر” أي اصاب مني، فشكا ذلك وقال له ” وأنت أرحم الراحمين” . ففي هذا الدعاء والرجاء إثبات للأسباب وطلب رفع البلاء،والدعاء لا يقدح ولا يقتضي المنازعة لقضاء الله فإنه ذلة وافتقار وأثنى الله تعالى عليه مع ثبوت  شكواه ” إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب” .  

و أحاله الحق تعالى على الأسباب: “ اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب

وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ”       


وكذلك سيدنا يعقوب  عليه السلام إبيضت عيناه من الحزن،وقال تعالى في حقه “إنه لذو علم لما علمناه“.


اعلم أن الأسباب مُحال رفعها ،فكيف يرفع العبد ما اثبته الله، ليس له قوة على ذلك فتجليات الأسماء الإلهية،هي الأسباب،والوقوف عند الأسباب لاينفي الإعتماد على الله ،ولكن الملتفت إليها والمتوكل عليها قلبيا هو الضال ، فالعارفون يثبتونها ويعطونها حقها ولا يركنون إليها .

             التوكل اعتماد القلب على الله وعدم الاضطراب عند فقدان الأسباب . والأسباب ثابتة وما أثبته الله لايزيله العبد. فهو تحت سلطان الأسماء الالهية وقهرها ،وماوضع الله الأسباب سدى بل لنثبتها ونأخذ بها، فالحكيم من ينزل الأسباب حيث أنزلها الله .قال تعالى “يا ايها الناس أنتم الفقراء الا الله والله هو الغني الحميد”  فكل ما يفتقر إليه الانسان يصب في مقتضى  اسم من الأسماء الإلهية، فقر ذاتي لاغنى للخلائق عنه.

 قال تعالى” فأينما تولوا فثم وجه الله ” فمن يشاهد الوجه الخاص في كل منفعل يرى إن الله تعالى يفعل عندها لا بها .

كأدوات النجارة للنجار .إن صنع دولابا فالصنعة له لا للمنشار والمطرقة ،والمسمار، العاقل يثبتها ولايضيف لها صنعة الدولاب ،أوالباب ..

 
أما من يرى أن الأسباب هي الفاعلة فتوحيده ناقص. وهذا من أوحال التوحيد التي أشار إليها المشيشي في صلاته” وأنشلني من أوحال التوحيد”.


فالقرءان آيات للموقنين ،وايات لأولي الالباب، وآيات لأولي النهى ،وأيات للمومنين ،وآيات للعالمين. واختم بالحديث الذي رواه انس رضي الله عنه

قال :(خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين ، والله ما قال لي أفا قط ، ولا قال لشيء لم فعلت كذا ،وهلا فعلت كذا).

وصلى الله على سيدنا ونبينا وحبيبنا ومولانا محمد وعلى آاله وصحبه

ابن المبارك

ابن ابن

2٬039 : عدد الزوار