Search
Exact matches only
Search in title
Search in content
Search in excerpt
Search in comments
Filter by Custom Post Type

الزوايا بالمغرب

الزاوية المغربية كمنتدى للفكر والإشعاع العلمي
عبد العزيز بنعبد الله
العدد 243 ربيع 2 1405- دجنبر 1984
الحلقة الأولى
تبلورت الزعامة العلمية خلال القرن الحادي عشر في ثلاثة من قادة الصوفية هم (1) السادة: محمد بن ناصر رئيس زاوية درعة بالصحراء، ومحمد ابن أبي بكر المجاطي رئيس زاوية الدلاء بالأطلس، وعبد القادر الفاسي الفهري صاحب زاوية المخفية بفاس.
وقد انتشرت الزوايا كمساجد في القارة الإفريقية، وكان لها دور كبير – كما أكد ذلك الأمير شكيب أرسلان (2) في الكفاح ضد الاستعمار، وفي دعم المد الإسلامي عبر القارة، وقد أشار كثير من المؤرخين الغربيين إلى ذلك، حيث لاحظوا أن الاستعمار وخاصة الفرنسي، كان يعتبر الزوايا الإفريقية العدو اللدود وبداخله الرعب، كما كانت أوربا تضطرب هلعا من ذكريات الجمعيات السرية السياسية (3).
وقد أكد بوني موري (4) أن الإسلام كان من شانه أن يغزو إفريقيا عن بكره أبيها، لولا الضربة التي أنزلتها فرنسا بالطريقة التيجانية، فتوقفت على غرار توقف المد الإسلامي في أوربا، عن طريق شارل مارتيل في بواقيي ببلاط الشهداء، ومهما يكن، فإن المستعمرين قد لمسوا أكثر من غيرهم تلك القدرة الكبرى على الصمود والمقاومة، التي خولتها الطرق الصوفية للزحف الإسلامي في إفريقيا (5).
وقد برز دور الزوايا الصوفية خاصة في الصحراء والأطلس، حيث انبرى الدلائيون والناصريون ومئات الزوايا الأخرى في الأطالس والريف، وبالأخص الأطلس الصغير (سوس) لنشر الوعي الإسلامي، وثقافة القرآن والسنة المطهرة.
ومن هذه الزوايا العلمية (زوايا بني نعمان) من أهل (يعزى وهدى) البكريين، وهي المدرسة المشهورة بالنعمانية بين القرنين السابع والثامن بسوس، حيث بلغ صيتها مؤرخ ذلك العصر عبد الرحمن بن خلدون، فأشار إليها في تاريخه، وسماها (زوايا بني النعمان).
ويتوارد على هذه المدرسة إلى الآن طلبة صحراويون يتابعون دروسهم من الابتدائي إلى العالي في الفنون كلها، انطلاقا من المتون مرتبة على أيام الأسبوع الخمسة (عدا الخميس والجمعة) (6).
وزاوية (تمكيد شت) ثانية الزوايا العلمية الكبار، التي نذكر أولاها منذ القرن الحادي عشر، وهي زاوية تامكروت، ولا تعرف لها ثالثة منذ ثلاثة قرون من وادي درعة إلى وادي نول في الخط المسامست للصحراء، وقد أسستا على التصوف، ولكن همهم رجالاتهما اتجهت إلى بث المعارف، وتقرب منها بقدر فرسخ (ثمانية كيلومترات فارسية)، مدرسة سيدي بوعبدلي.
ومن زاوية تيمكيرشت، تخرج علماء أفذاذ من أولاد أبي السباع والشياظمة والرحامنة ومسفيوة وكدميوة وجزولة وأيت با عمران، وتعتبر زاوية أو مدرسة الحضيكي هامشية بالنسبة إليها، ولفكرة الطرقية والزوايا في الصحراء الإفريقية والمغربية خاصة صلة وثيقة بفكرة النسبة النبوية، أي الشرف من جهة أو المرابطة من جهة أخرى، وكثير من الأشراف يعرفون بالمرابطين، إذ أن الرباط كان النواة الأولى للزاوية، يعد فيها المؤمن للجهادين الأصغر والأكبر، ومن هنا انصهرت الفكرتان في تصوف سني مرتكز على دراسة دقيقة للمعارف الإسلامية، فتطورت الزاوية على هذا النسق من رباط إلى زاوية إلى مدرسة، وكان لذلك أثره منذ العهد المريني في الحواضر، حيث ارتبطت المدرسة بالزاوية (زاوية النساك بسلا وشالة)، في إطار مسجد قد يعزز بكتاب أو مسيد – تصغير مسجد – أو خلوة (كما في السودان) للتكتيب وتدريس القرآن وحفظ المتون، وقد كان لشيوخ الطرق نفوذ واسع في هذه الأقاليم، ففي الصحراء العربية، بلغ نفوذ القادريين والتيجانيين مبلغا جعل المستعمر يحسب لهم ألف حساب، وقد قام زعيم الطائفية التيجانية في (فوتة) السلطان الشيخ عمر الفوتي بمحاربة الفرنسيين، ويظهر أن نفوذ الطرقية تزايد منذ عهد ملوك بني مرين، ثم السعديين، حيث كان لزاوية كرزاز عام 1008هـ – 1599م ضلع في بلورة الاستقرار السياسي، بفضل تحالف سكان القبائل لنصرة الأشراف ورجال الدين، وكانت كل قبيلة تبذل النفس والنفيس لإيواء هؤلاء الشيوخ رعاية لاستقامتهم وسلفيتهم، ففي عام 1011هـ 1601م، غادر الشيخ بو علي بن حمود حمان مسقط رأسه بعين الشعير، ليستقر في (قصر بلغازي) حيث هب الأعيان من كل دوائر (توات) لتحيته والسلام عليه،إذ اعتبروه حكما عدلا في تسوية بعض المنازعات القبلية، ولكن أعيان بلده (عين الشعير) ما لبثوا أن انتفضوا، وعلى رأسهم شيخ القنادسة سيدي محمد بوزيان، متوسلين إليه بالعودة إلى بلده، فعاد في بالغ التكريم، وقد قام القادريون في (الساقية الحمراء) بالدعوة إلى الإسلام، ساعدهم في ذلك برابرة طردوا من إسبانيا بعد سقوط غرناطة عام 898هـ – 1492م، وقد نشر السيد طوماس أرنولد Sir Thomas Warnold في الكتاب الذي ترجمه ثلة من الأساتذة، منهم الدكتور حسن إبراهيم حسن، ونشر بالقاهرة عام 1957 بعنوان (الدعوة الإسلامية) (ص 151): نداء وجهه شيخ الطريقة القادرية آنذاك إلى هؤلاء البرابرة الدعاة، مذكرا بالواجب الذي ألقي على عاتقهم لحمل مشعل الإسلام إلى تلك الأصقاع، نظرا لانعدام المدارس وشيوخ يلقنونهم مبادئ الأخلاق وفضائل الإسلام في الصحراء، وقد انطلق الدعاة جماعات جماعات تتألف من خمسة أو ستة أفراد إلى جهات مختلفة في وقت واحد في أسمال بالية، كل واحد عكازه في يده، فبنوا الخلوات في الكهوف، وأثار تقشفهم وطول تعدهم فضول القبائل الصحراوية، التي بادلتهم الصداقة والود، وأصبحت كل زاوية وكل خلوة مركزا من مراكز التعليم الإسلامي، واجتمع حولهم طلاب العلم وأصبح هؤلاء الطلاب بعد فترة من الزمن دعاة إلى الإسلام بين قومهم (7).
أما نوعية الطرق التي عرفها باقي العالم الإسلامي، فقد أوصلها أبو سالم العياشي (المتوفى عام 1090هـ) إلى أربعين، باعتبار ما كان موجودا في زمنه، أي القرن الحادي عشر الهجري، وقد أضاف إليها محمد الصغير بن عبد الرحمن الفاسي الفهري (المتوفى عام 1134ه) (Cool بعض الطرق المغربية والأندلسية، وقد لاحظ ابن عسكر (9) أن الطريقة الميمونية بالمشرق كالطريقة الشاذلية بالمغرب، وكل من الشيخين علي بن ميمون والشاذلي مغربي، إذ أمام الشاذلية هو أبو الحسن الشاذلي الغماري تلميذ مولاي عبد السلام بن مشيش، وقد أشار العربي المشرفي في كتابه (الحسام المشرفي) إلى أشهر الزوايا المغربية في عصره، وهي زوايا وزان، وتمكروت، وسيدي الغازي، وسيدي أحمد الحبيب، وكرزاز، والقندوسية، والكنتية، والبقالية (10).
وقد أطلق اسم الزاوية على مدن تفرعت عن هذه النوال، كزاوية أبي محمد صالح (آسفي)، وزاوية آيت إسحاق، بل حتى في الأندلس أطلق اسم الزاوية على قرية من أقاليم (أكشونية)، وحلق الزاوية قريبة من شلب (11)، ولا تعتبر الأضرحة كلها زوايا، بل هي مساجد فقط، تضم جثمان لبعض كبار أئمة الصوفية، كسيدي أحمد بن عاشر، وسيدي عبد الله بن حسون في سلا.

730 : عدد الزوار