Search
Exact matches only
Search in title
Search in content
Search in excerpt
Search in comments
Filter by Custom Post Type

الشيخ محمد بن الطيب البوعزاوي

.الشيخ محمد بن الطيب البوعزاوي
(1268 – 1332 هجرية ــ الموافق 1850 – 1914 ميلادية)

أولا: نشأته وتعليمه :
1- اسمه ونسبه والتعريف به:
يقول في ذلك أحد تلامذته: “.. هو الشيخ الأكبر، غوت الورى، والقطب الأغر، منبع الأسرار والمعارف، مبين آداب الشريعة والوظائف، الغازي بالله، المتمسك بسند رسول الله صلى الله عليه وسلم، الشريف الزكي الأطهر الحاج الأبر، سيدنا ومولانا محمد بن سيدنا ومولانا الطيب الشريف الحسني الإدريسي، يتوصل نسبه بولي الله الكامل الشيخ مولانا أبي يعزى الذي قل نظيره وعز…”1
ويقول في مقام آخ: “..أما اسمه رضي الله عنه، فهو الشيخ العارف بالله الداعي إلى الله أبي عبد الله سيدي محمد بن الفقيه العارف بالله التقي الورع الزاهد العالم الفاضل الحاج الأبر سيدي الطيب البوعزاوي أصلا ونسبا وطريقة الشاوي نزلة ومقاما…”2
ويزيد مفصلا حول أسباب انتقال أجداده من أبي يعزى واتجاههم إلى الاستقرار ببلاد أمزاب في الشاوية العليا: “..أخبرني عم سيدنا الشيخ وغيره من أهل الثقة أن سبب انتقالهم من جدهم الأشهر …مولانا أبي يعزى أنه وقع شنآن بين أسلافهم وأبناء عمهم…”3 ويظهر أن البعض من شيوخ العشيرة قرروا مغادرة الأوطان حقنا للدماء…حيث توجه أحد أجداد الشيخ واسمه مولاي أحمد بن الجيلالي إلى منطقة تادلا ومنها إلى بلاد أمزاب بالشاوية العليا “…فنزل برجال أبي الجعد ثم ارتحل لبلاد الشاوية…”4
وعن تفرع هذه العائلة «… لجدهم مولاي أحمد هذا كرامات ببلاد الشاوية، فترك بعد وفاته رحمة الله عليه أولادا منهم الفقيه الورع مولاي الطيب والد سيدنا الشيخ وشقيقه البركة مولاي الطاهر وشقيقهم مولاي أبي شعيب وشقيقهم مولاي محمد وأخوهم للأب سيدي محمد وشقيقه سيدي علي وللجميع نسل ما عدا سيدي علي ما خلف إلا البنات وهم مشهورون…”5
كما يقول عن المكانة العلمية للوالد مولاي الطيب: “… وكان والده مولاي الطيب رحمه الله من أهل العلم والمعارف ذا سكينة ووقار وورع وله مقام مشهود جليل في الخير والصلاح وكانت الناس تفزع إليه للتبرك به في دفع النوائب والمهمات…. أخذ مولاي الطيب عن جماعة بفاس منهم قاضي الجماعة وإمام وقته الشريف الهمام مولاي عبد الهادي العلوي رحمه الله وأخذ عن الفقيه العلامة المرنيسي رحمه الله وأخذ عن الفقيه المدرس سيدي محمد بنسودة رحمه الله وغيرهم، ولما حج بيت الله الحرام التقى بمشايخ من أهل الحجاز وأخذ عنهم وتبرك بهم…”6
ويظهر من خلال بعض القرائن الواردة في ثنايا هذا الكتاب أن والده توفي يوم جمعة في مطلع العقد السابع من القرن العشرين، ولم يكن عمر الشيخ يزيد وقتها عن العشر سنوات، وقد “…دفن بالعلواء ببلاد الشاوية مجاورا لقبر أبيه وقبورهم تزار ومحط رحال أهل الهمم والأوزار ..”7
ويقول أيضا في التعريف بوالدته على لسان الشيخ «… وكانت والدتي هذه اسمها رقية وكانت تحب الفقراء والمساكين وكانت مهما سمعت برجل من أهل الخير إلا بعثتني إليه بهدية أو أتانا غريب أو ذو نسبة إلا وتبالغ معه في الإكرام وتوصيني أن لا تغيب عليها خبر أحد من الصادر والوارد وأن نعلمها بأصحاب الأحوال وتدفع لي الصلة وتأمرني بمعرفة أهل الخير والميل إليهم والبذل لهم. وكانت تؤثر الغير على نفسها وكنت إذا أخبرتها بمجيء بعض الناس من أهل الخير كادت أن تتيه مرحا وتجر ذيلها فرحا …وتؤثر أولاد أبي من ضراتها على كسوة ونفقة وكانت ذات خلق حسن رحمة الله عليها …وكم لها من أوصاف محمودة وأخلاق مكمولة…”8
ويزيد في ذلك: “…ولما قرب أجل مولاي الطيب رحمه الله جعلها وصية على جميع أهل الدار وكانت له زوجات ثلاث دونها ولهن أولاد وقامت رضي الله عنها بكفالة الجميع وأدت حق الحضانة على الوجه المرضي وبقيت الأزواج والأولاد تحت نظرها حتى تزوج الرجال والبنات وهذا من كمال حسن خلقها حيث دامت صحبتها واتسع خلقها على جميع ضراتها حتى أنه لم ينقل عن أحد من المطلعين على أحوالهن أنه ما صدر بينهن من نزعات أو حصل لهن عيب يخل بالمروءات على عادة النسوة وخصوصا الضرات مع كثرة الأولاد والبنات والجميع تلهف عليها عند الممات ويثنون عليها بحسن الثناء وأكمل الصفات هبت عليها من الله نسمات الرحمات وغفر لها جميع السيئات بجاه شفيع المذنبين والمذنبات..”9
2- مولده، ونشأته وتعليمه الأولي:
*(بركة الميلاد: بشارة الصالحين): يقول الفقيه أبي شعيب الدكالي الفرجي صاحب الكوكب الضاوي: “…لما ولد سيدنا الشيخ قال والده لأمه هات البشارة على ولدك فسيكون له شأن عظيم وستحمدين نفعه يوم يفر الوالد من الولد…فقالت أمه وأنت ولدك فكيف تأخذ مني البشارة، فقال لها رضي الله عنه إن الموت يفرق بيني وبينه وستحمدين حياتك معه إن شاء الله…”10
ويقول في مقام آخر: “… لما ترعرع سيدنا الشيخ رضي الله عنه وقرأ القرآن في أقرب مدة وهذبه والده انتقل إلى دار الرضوان ومقر النعيم والغفران قبل أن يبلغ سيدنا الشيخ رضي الله عنه الحلم…” ومما أخبرت به والدته عند ازدياده: “…أنها رأت عند وضعه جماعة دخلوا عليها وعليهم إشراق أنوار وسيمة أطهار وإبرار فنــزع أحدهم قلنسوته وجعلها على رأس سيدنا الشيخ ثم نزع أحدهم شملتـه وغطاه بها ثم نزع أحدهم رداءه فرداه به ثم دعا له وتفل عليه وقالوا لها ابشري بولدك وهنيئا لك فله نبأ وأي نبإ، قالت فعجبت من ذلك ولم أعرف واحدا منهم…”11
* أما عن وقت ولادته فقد أورد الأستاذ محبجلالي في بحثه القيم عن الزاوية البوعزاوية ودور الشيخ البوعزاوي في انتفاضة الشاوية ما نصه: “…وإذا كانت المصادر لم تشر إلى تاريخ ولادته فإن ما يفهم من الرواية الشفوية لحفيده الحاج المختار أن الشيخ توفي عن عمر يناهز 64 سنة، وإذا علمنا أن وفاته كانت يوم الأربعاء ثاني عشر جمادى الأولى عام 1332 هـ /موافق 1914م، فهذا يعني أنه ولد حوالي 1268/1269 موافق 1850/1851م، ويعني ذلك أيضا أنه عاصر فترات حكم كل من السلاطين المولى الحسن والمولى عبد العزيز والمولى عبد الحفيظ..”
أما عن مكان مولده ونشأته الأولى، فقد أورد الباحث الفرنسي E.MEGE في دراسته المفصلة حول قبيلة أمزاب، المنجزة ما بين 1913 و 1914، أن الشيخ محمد بن الطيب البوعزاوي “…من أصول شعبية، وقد ولد بفرقة أولاد أشبانة /البهالة بأمزاب، وأنه كان خارق الذكاء وله تكوين علمي فائق..”12
أما فيما يتعلق بالمرحلة الأولى من تعليمه، فيظهر أنه أخذ عن والده مباشرة مبادئ القراءة والكتابة وكان يساعده في ذلك فقيه آخر لم يذكر اسمه، ورغم وفاة أبيه مبكرا إلا أن طيفه لم يكن يفارقه ويمكن القول أنه كان له نبراسا في اختيار طريقه وذلك ضمن خطة الأقدمين في اختيار طريق الرحلة والإنشداد إلى اختراق الآفاق وعدم الانكفاء على الحفظ واستظهار القرآن والمتون في الزاوية أو المسجد الأم.
“..قال سيدنا الشيخ رضي الله عنه (منذ توفي والدي مولاي الطيب صار لا يفارقني ليلا ونهارا وأشار علي بقراءة العلم فقلت يا أبي إني أخشى أعمامي أن لا يساعدوني فقال عليك بقراءة العلم ولا تخشى أحدا إلا الله…)… فقال سيدنا الشيخ رضي الله عنه (..وكنت صغيرا جدا ولا زال المعلم الذي قرأت عليه القرآن يضربني فلما سمع أعمامي أني أريد قراءة العلم أتوا إلى المعلم وأمروه أن يشدد علي في القراءة حتى أتعلم قراءة السبع وكنت في الوقت أقرأ قراءة قالون فألح علي والدي أن أقرأ العلم وأنا في ذلك أراجعه خوفا من المعلم وأعمامي..)13
وعندما ثبت العزم لدى الشيخ وهو في هذا السن المبكر على الرحلة أشار عليه طيف والده بالذهاب إلى أحدى الزوايا بسطات “…ولما أعدت الكلام على والدتي بأن والدي لا يفارقني وهو معي كالخيال وأشار علي بالقدوم لدار الفقيه الأجل الخير مولاي التهامي الجبلي الوزاني أصلا، المزمزي دارا ومنشأ، وأمرني بملازمته والقراءة عليه،..فقالت توكل على الله ودفعت لي دراهم وفاضت عيناها بالدموع رقة على صغري وأنا دون بلوغ..”14
ويظهر أن هذه المرحلة قد تميزت باضطراب كبير في حياة الشيخ نظرا لتعدد تدخل أعمامه في ذلك حيث قاموا لعدة مرات بإعادته من سطات إلى مسقط رأسه، وكان شيخه مولاي التهامي الوازاني لا يفتر يشجعه على الاستمرار، إلى أن أثار ذلك شفقة أحد أعمامه وهو مولاي الطاهر الذي تدخل لصالحه “..وكان عمنا الأجل مولاي الطاهر أشفقهم وأحلمهم وله أخلاق محمودة لا فضاضة فيه لين الجانب سليم الصدر، فرق علي وقال لهم اتركوا عنكم ابن أخي عسى أن يكون له هذا الإلهام من الله… 15
ولما تمادى الشيخ في ذلك وازدادت ضغوط الأعمام عليه حاول عمه الأكبر ثنيه مرة أخرى عن طريقه “…ثم جاء عمنا المذكور إلى والدتي وقال لها إن ابنك هذا صغير السن ولا يليق به السفر في البلدان ولا يصلح حاله بدون مؤدب وإني أخشى عليه أن تكوني أنت التي تأمرينه بقراءة العلم ويوشك أن يكون هذا الرأي فاسدا وأن المصلحة في لزومه دارهم وقراءة السبع مع معلمه فإنه يليق بصحبته ويتأدب بآدابه ثم بعد ذلك يقرأ العلم إن شاء الله وإن خرج عن نظر معلمه ومؤدبه فإنه لا يجيء بشيء وربما ينسى ما تعلم وتسوء أخلاقه..” 16
وكان رد الأم صارما حيث أجابت بما يبين أن طريق الابن محسوم فيه ولا مرد لقدر الله ولا حاجة للاستمرار في الاعتراض عليه”…فحلفت له والدتي بأنها لم تأمرني بقراءة العلم وأنها بريئة من كونها هي السبب بل إنما ذلك حصل له وحده دون إشارتي ونيته لا يرجع عن قراءة العلم ولو حرف أو قطع والابن ابن أخيكم افعلوا به كيف تشاءون، فقام عمنا وقال عسى أن يكون ألهمه الله للخير ووجهه إليه ونحن نصده عنه..”17
وهنا توجه الشيخ لمدينة سطات إلى جوار شيخه للمرة الأخيرة “… فتوجهت نحو الفقيه ولازمته نحو الستة أشهر ووالدي لا يفارقني ومهما صعبت علي نازلة إلا فهمني إياها بحسن تعبير وأفضل تصوير فزاد علي الفتح ..”18
ثانيا: نشاطه الصوفي ودوره في التربية والإرشاد

923 : عدد الزوار