Search
Exact matches only
Search in title
Search in content
Search in excerpt
Search in comments
Filter by Custom Post Type

شرح القاعدة التاسعة عشر

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد،وعلى آله وصحبه. نستأنف شرح القواعد المباركة من خريطة السلوك العرفاني لأستاذنا سيدي محمد بن المبارك حفظه الله،وقاعدتنا اليوم تقول: [ (التجلّي الإلهي) هو سبب الوجود،وهو علّة الوجود،والله تعالى غنيّ حتى عن أسمائه وصفاته ].  معنى (تَجلّى) لغة: إنْكَشف وإتّضح وظهر.. قال تعالى: (تجلّى ربه للجبل) أي بَدا له شيء من نوره تعالى،وقال تعالى: (والنهار إذا تجلّى) أي ظهر بضوئه ووَضح..وتَجلّت الشمس: إنكشفت وخرجت من الكسوف.. والتجلّي بصفة عامة: هوظهورمُقتضى الآية القرآنية أو الصفة الإلهية أو الإسم الإلهي في الوجود،فالتجليات الإلهية هي التي تُسيّر الكون الإلهي وتَضمن إستمراريته،ولا تكرار في الوجود وإن ظهر في الشّهود للوُسع الإلهي (كل يوم هو في شأن)..  

 ومن مُرادفات  التجلّي : [الفيض،والظهور،والعرائس الإلهية..]..            ويقسّم الشيخ الأكبر إبن عربي التجلّيإلى قسمين:وُجودي وشُهودي،يقول في الفتوحات عن (التجلّي الوجودي): [ وتَجلّي الحق لكل من تَجلّى له من أيّ عالم كان،من عالم الغيب أو الشهادة،إنما هو من الإسم الظاهر ،وأما الإسم  الباطن فمن حقيقة هذه النّسبة أنه لا يقع فيها تجلّ أبداً،لا في الدنيا ولا في الآخرة.. أما (التجلّي الشّهودي): فهو التجلّي العرفاني المُتّصل بطبيعة المعرفة،باعتباره نوع من أنواع الكشف الذي يُوَرّث المعرفة..]،ويقول: [التجلّي: ما ينكشف للقلوب من أنوار الغيوب..] ،ويقول في فصوصه: [ فلم يبق العلم إلا في التجلّي الإلهي،وما يكشف الحق عن أعيُن البصائر والأبصار من الأغطية،فتُدرك الأمور قديماً وحديثاً على ما هي عليه في حقائقها وأعيانها ]..  ولا بُدّ لهذا التجلّي من حُضور الحقيقة المحمدية / الوجهة الحَقيّة..فكل العطاءات،ظاهرة أو باطنة،حسيّة أو معنوية،تَمُرّ عبروَساطة نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فالمظاهر الكونية لا تخرُج من الوجود العلمي إلى الوجود العيني إلا بوَساطته،ففي كل تَجلّ إلهي توجد مرتبة محمدية،فهو وجه الله في كل شيء..فما أدْرَك العارفون من حقيقته إلا على قدر تجليات عصرهم،فما ظهر لهم فهو فضل من الله ونعمة،وما خَفيَ فهو رحمة بهم وينتظر إبّان ظهوره (وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما نُنزّله إلا بقَدر معلوم)..والتجليات مَلكوتية، ومقتضياتها مُلكية.. يقول الشيخ الأكبرفي بعض أشعاره:[قد صار قلبي قابلاً كل صورة] ،ومن سمع هذا الكلام ظنّ أنه يقول ب(وحدة الأديان)، وليس الأمر كذلك،إنما هي إشارة إلى وحدة التجليات الإلهية،أي أن التجليات راجعة إلى عين واحدة وهي إسم الجلالة (الله)،وهوبساط الإصطحاب ،فحيثما دارت التجليات دار معها لكمال معرفته،لذا عبّر ب(القلب) الذي له التقلّب..فمن لم يشهد التجليات بقلبه يُنكرها بعقله،فالعقل يُقيّده،فهي وحدة شهود..ف(العين واحدة)،وهذا هو توحيد المقربين الذين لا يرون في الكون إلا الصفة (أحد أحمد)،وهذا المقام أول من تكلّم عنه الحكيم الترمذي،وسمّاه مقام القُربة..  

 ومن المعلوم أن التجليات الإلهية  مرتبطة بمرتبة الألوهية وليس بالذات الإلهية،تعالت عن ذلك علواً كبيراً..بل أجمع العارفون أن الأحدية ،وهي أول مرتبة وجودية،لا تجلّ بها،فضلاً عن الذات..

 وقد وضع الشيخ الأكبر ميزاناً للتّمييز بين(الذات العَليّة) ومرتبة الألوهية،وهو: [ أن كل أمر يَطلُب الكون،فهو من كونه سبحانه (إلهاً). وكل أمرلا يَطلُب الكون،فهو من كونه (ذاتاً).فمهما أتى من كلام الأكابر، فَزِنْهُ بهذا الميزان،يتحقّق لك الأمر فيه بإذن الله تعالى..].. فلا تَصحّ المعرفة أن تتعلّق بالحق تعالى من كونه ذاتاً،ولا بد لها من الدلائل التي هي الآثار الإلهية.وذلك أن الذات من كونها ذاتاً لا تُدرك، ولا رابطة بينها وبيننا،فهي العزيزة المُمتنعة.ومُتعلّق معرفتنا إنما هو الألوهية ،وهي التي إستدعت الآثار،فظهرت بالآثار،فلا تُعرف إلا بآثارها. فإرتبطت المعارف بالآثار،وصار الدليل شرطاً في الوصول إلى المدلول عليه.. فمرتبة الألوهية تطلُب من يَستند إليها ليُظهر وُجودها،وأما الذات فغنيّة عنها. فالنّسب تطلُب المنسوب أبداً.وأما المألوه فإنه يطلُب الألوهية. فكما أن الألوهية تطلُب الذات،فهي تطلُب المألوه أيضاً، فللألوهية طلبان.فلو ظهر غنى الذات لبطُلت الألوهية..  

          في معرض حديث الشيخ الأكبر عن مرتبة الألوهية،فالله قائل: [ ما وَصفتموه من الألوهية،وإتّصاف الذات بها من كون الألوهية طالبة لها،هو مُضاهي للعلّة والمعلول. فقال الشيخ: العلة والمعلول أمران وجوديان عند الفلاسفة والمتكلمين،وأما الألوهية عندنا فهي نسبة عدمية لا وجودية . فتبيّن ترشُد..].. 

  إنْبَعثت الظلال الكثيرة عن الذات الواحدة بكثرة الأنوار،وهذا مشهود للحسّ،كذلك إنبعثت الموجودات عن الأنوارالإلهية التي إقتضتها الحقائق الإلهية،فإستدعت كل الحقائق آثارها في الوجود،فظهرت الكثرة في العالم،والذات واحدة ونِسَبُها وحقائقها كثيرة. والأسماء هي التي إقتضت الآثار،والذات غنية عن كل شيء وعن الإقتضاء..وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد،وعلى آله وصحبه. ذ رشيد موعشي

277 : عدد الزوار