Search
Exact matches only
Search in title
Search in content
Search in excerpt
Search in comments
Filter by Custom Post Type

شرح القاعدة الرابعة عشرة

بسم الله الرحمن الرحيم،الحمد لله رب العالمين،وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه. 

 نستأنف شرح القواعد المباركة من خريطة السلوك العرفاني لأستاذنا   وحبيبنا سيدي محمد بن المبارك حفظه الله،وقاعدتنا اليوم هي: 

 [ قابلية سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وحده بقوابل سائر الموجودات،فهو المستفيض الأول والمُفيض الثاني.لأن الفيض الأقدس الرّحموتي مُتوجّه إليه بالتوجّه الأول،ومنه يتوجّه إلى بقية المخلوقات بقدر قوابلهم.فهو كل الوجود،وبه كل شيء ]. 

 هذه القاعدة المباركة تتمحور حول مبحث عرفاني عميق ودقيق ورقيق تُشير القاعدة في كليتها إلى أولية الوجهة الحقية لمولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم،وكون هذه الحقيقة المحمدية هي أصل الوجود وإليها منتهى كل شيء.سيدنا محمد هوالنائب القولي والفعلي عن الألوهية، فسرّ الألوهية ظهر فيه وبه،إذ الإصطحاب مع أسماء الله ومع الفيضة القرآنية  خوّل له ذلك.فما خاطب الإله إلا محمداً،وما سمع الكون إلا من محمد صلى الله عليه وسلم.. 

 سنؤسّس الشرح على مقدمة عامة تقرّب فهم المتلقّي من الإستيعاب العام للدقائق العرفانية التي تحتوي عليها القاعدة..

   لما شاء الحق سبحانه،من حيث أسمائه،أن يرى مرتبة الألوهية،في كون جامع ويظهر به سرّه: أبرز برزخاً نورانياً عظيماً،ألْبَسه حُلَل أسمائه وصفاته، فكان هو الفيض وواسطة للفيض بين الله وعالم الإمكان،قال الله تعالى”إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله”..ومن خاصية البرزخ أن لا ينزل شيء إلا عليه ولا يصعد شيء إلا منه فلا دخول إلا من بابه،ولا شهود إلا فيه،ولا تجلّ إلا منه )..وهذا ما عبّرت عنه صلاة جوهرة الكمال بعبارة(إفاضتك منك إليك)،أي دون واسطة أحد،لأن محتدّ النبوة المحمدية هو الصفة الأحدية..فالوجود بنور النبوة ظهر وإلى رحمتها إفتقر،وهو بساط رتق الحقائق،فالإبتداء منه والإنتهاء إليه.. 

        نورالنبوة هو بداية الخلق وفاتحته،قال الله تعالى :”ولقد خلقناكم ثمّ صوّرناكم ثمّ قُلنا للملائكة اسجُدوا”: (خلقناكم) راجعة على (النبوة)، و(التّصوير)لآدم عليه السلام.ولا سبيل لظهور الكنزيّة إلا بأكل آدم من الشجرة،فأكل منها لتظهر المُقتضيات “وعلّم آدم الأسماء كلها” أي مقتضيات الأسماء الإلهية..فكل ما يظهر في الكون تابع للأسماء الإلهية، ومقتضياتها لا حصر لها،وهي التي تشكل الأكوان.. وسيدنا محمد نور الأكوان ،أي أن  بَرمجتها وظهور تَكوّنها ،شيئاً بعد شيء،يمُرّعبر برزخية حقيقته لأنه طرف في تفاعل التجليات الإلهية ..فكل شيء في الوجود يَعرف خالقه ويُسبّحه بمقتضى سريان الحقيقة المحمدية فيه،إذ لولا هذا السريان لصار محض عدم..فسيدنا محمد  أصل جميع المخلوقات)من حيث حقيقته،لا من حيث صورته البشرية.. 

       قال مولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الله المُعطي،وإنما أنا قاسم)،فلا تمُرّ طاعات ولا تُمنح عطاءات ولا تَصل نفحات،إلا عبر جسر برزخيته وقهرمانية وَساطته: (تُعرض عليّ أعمالكم)..فالنبوة واسطة في كل العطاءات..  

  جاء في الحديث القدسي: كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف،فخلقت الخلق،فبي عرفوني) أي ب(محمد) عُرفت مَيازب الذات العليّة،ووَسعت الرحمة الإلهية في كل الخفايا والخبايا المُلكية والملكوتية (ورحمتي وسعت كل شيء) (رحمتي سبقت غضبي). وبالنبوة المحمدية رُتّبت الدوائر الكونية على وِفْق الأسماء الإلهية،فلا يظهر في الكون إلا سرّ مقتضياتها بعد تَجلّي الحق فيها وإصطحابها مع حقيقته صلى الله عليه وسلم.. 

     فسيدنا محمد هو الروح الكلية ،قال الله تعالى: (فإذا سويته ونفخت فيه من روحي)..فهو صلى الله عليه وسلم (السر الساري في جميع الأسماء والصفات)،وهو الهيولى الذي عرّف الكون بخالقه،وإنشقت منه الأسرار الباطنة المرتوقة في حقيقته(إنشقت منه وبه)..فالوجود كان مرتوقاً بنبوته،لأن الحقيقة المحمدية هي الوحدة،وفي عين هذه الوحدة بورك وتكثّر..وإصطحاب نبوته بالرسالة فتق الوجود وميّزالعابد من المعبود، وظهر تفصيل ما كان مندرجاً في حقيقته،تفصيلاً تدريجياً وإستمرارياً على مرور الأزمنة حتى قيام الساعة.. وهذا ماعبّر عنه مولاي عبد السلام قدس الله سرّه بقوله: [ فكان تجلّي الأحمدية في الأشياء قبل وجود الأشياء،فما ظهرت أعيان الوجود إلا بها..وبعد ذلك خالطتها المحمدية في خصائصها..].. 

       الوجهة الحقية أظهرت الحقيقة المحمدية بصورة لاهوتية،فهي نائبة عن الحق في الكون،وهي الظاهرة في المظاهر..فمع كل تجلّ إلهي توجد مرتبة محمدية باطنة..والتجلي هو ظهور مقتضى الإسم الإلهي،وما في الكون إلا أسماء الله وصفاته، والتجليات راجعة إلى عين واحدة هي إسم الجلالة (الله) وهو بساط الإصطحاب،والعالم راجع في ظهوره إلى الأسماء الإلهية،هي المدبّرة لشؤونه والساهرة على إستمراريته..ولا بد لهذا التجلي من حضور الحقيقة المحمدية لإضفاء الرحمة وتلطيف من حرارة التجليات،ولولا هذا الحضور لما كان هناك وجود..فكل العطاءات تمُرّعبر وساطة نبوة سيدنا محمد..فالمظاهر الكونية لا تخرُج من الوجود العلمي إلى الوجود العيني إلا بوساطته..فسيدنا محمد هو وجه الله في كل شيء..فما أدرك العارفون من حقيقته إلا على قدر تجليات عصرهم..وهذا ما أشار إليه العارفون عندما وصفوا مولانا رسول الله بكونه (مظهر الحق) أي أنه لا يُرى إلا فيه،وذلك لأن العالم العُلوي مظهر باطنه الأقدس والعالم السفلي مظهر ظاهره الأنْفَس،فالحق لا يُرى إلا في مظاهره،قال تعالى (وفيكم رسوله)..

   لكل مرتبة وجودية إسم إلهي مدبّر وحضرة محمدية تُراقب سيرها،وفق مُراد الله،وتُضفي الرحمة على تجلياتها..فسيدنا محمد هو المُمدّ لكل الحضرات،والكل به مَنوط،فكل ما يظهر في الكون ميراث محمدي..فهو مجموع العالم،من حيث أن النور المحمدي هو (الهيولى) التي خلق الله بها العالم بأسره.. لهذا قال له الحق تعالى: (قل يا عبادي) عبادة إمتنان، فهو صلى الله عليه وسلم مُربّينا ومُعرّفنا بخالقنا..فكل صورةفي الوجود لها وَجه يرجع إلى إسم من الأسماء الإلهية،وبالتالي إلى الحقيقة المحمدية:(فأينما تولوا فثم وجه الله)..    مولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم لَبس حُلل الأسماء الإلهية وتحقّق بها كاملة،ومن هذه الأسماء إسم (المُبدئ)،يقول الشيخ عبد الكريم الجيلي: [ (المُبدئ): فإنه صلى الله عليه وسلم كان متحقّقاً به،والدليل على ذلك: أنه صلى الله عليه وسلم أبدى غرائب مكنونات الغيب،وأخبرنا عنها ماضياً ومستقبلاً وحالاً،وأظهرها بعد أن كانت مستورة باطنة مجهولة غير معروفة].. 

 فصفات الوجهة الحقية لمولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومراتبها:  [ البرزخ النوراني،الهيولى الكلي،مظهرالحق،الحق المخلوق به، البركة،الروح الكلية،الوسيط،الخليفةالكلي،العقل الأول،القلم الأعلى../ مراتب وحضرات النور المحمدي لا حصر لها]،إذا لم تكن للقارئ سابق معرفة بهذه الحضرات والمراتب المحمدية،فمن الصعب أن يتذوّق عمق قاعدتنا المباركة،وربما ذهبت به الظنون إلى ما يُسقطه في سوء الأدب مع كلام أهل الله..فإن كنت من أصحاب النسبة والإنتماء إلى أهل الله، وإستشكلت عليك الأمور،فراجع نفسك أولاً،ثم بعدها أنظر في مشايخك ومُربيك،فربما وقع حبك في غير موقعه،وأسندت الأمور إلى غير أهلها..أما إن لم تكن من أهل الإنتساب،فمن أبجديات البحث العلمي الموضوعي عدم الخوض في ما لا تعلم،خصوصاً في إلقاء الأحكام القيمية السلبية على ما لم تُحط به خُبراً..  

  وبالمناسبة: فقد أمدّنا أستاذنا حفظه الله بميزان حقيق أن يُكتب بماء الذهب،يُجنبنا الخطأ المعرفي والشطط الذوقي،وهو متعلّق بمضمون القاعدة التي نقوم بشرحها،ومفاده: [ لا يظنّ أحد أن الحق تعالى بعد خَلْق النبوة أخذ منها وخَلق كل مخلوق،وهذا الفهم يُفيد أن الخلاق فيهم طرف من النبوة،والنبوة من نور الله..فالمخلوقات وصفها الحق تعالى بقوله: (إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون)،فسماها (شيئاً) قبل ظهورها،والنبوة (شأن) وليست شيئاً..فقولنا (خُلق بالنبوة كل شيء) معناه: (حُضور النبوة في التجليات الإلهية ووَساطتها)..].ولان الوجود مرتوق في الصفة النبوية وياتي الفتق تدريجيا حسب كل زمان قال الكتاني رحمه الله : المتأحد في عين الكثرة والمتكثر في عين الوحدة”,  

      وقد وردت بعض المصطلحات العرفانية في القاعدة،سنقوم بشرحها من خلال كلام بعض العارفين،وسنقتصر على نقولات تقترب من مشربنا العرفاني المبارك..

         يقول الشيخ محيي الدين الطعمي:[القابل: هو الموضع الذي يقبل السر الإلهي الأقدس الأنفس]، ومن المعلوم والمتفق عليه بين كل العلماء والعارفين أن سيدنا محمد أفضل وأعلم وأطهر ما خلق الحق تعالى.. والقابلية تابعة للخصوصية والوظيفة والمهمة،وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هو الخليفة الكلي والبرزخ العظيم بين الحق والخلق،له من الكمالات ما للحق تعالى من التجليات،فكانت قابليته بقابلية كل المخلوقات.. 

     وقد أظهر العارفون هذه المسألة عند مناقشتهم لمفهوم (المَجْلى)،تقول الدكتورة سعاد الحكيم:[ (المَجْلى):هو مظهر الأسماء والصفات الإلهية، وأتمّ مجلى أومظهر هو الإنسان الكامل،وهو محمد صلى الله عليه وسلم من حيث أنه ظاهر بكل الكمالات الإلهية وأنه جمع في ذاته كل الحقائق المتجلية في العالم بأسره].. 

 يقول الشيخ كمال الدين القاشاني: [القابلية الأولى: هي أصل الأصول، وهو التعيّن الأول]،ويقول: [قابلية الظهور: هي المحبة الأولى المشار إليها بقوله تعالى (احببت أن أعرف)].. 

   هذا التعريف يُشير إلى الوجهة الحقية لمولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم (أول ما خلق الله نورنبيك يا جابر).. 

   و(الفيض) عند الشيخ الأكبر إبن عربي هو (التجلي)،يقول: [فيض الله تعالى لا يتصور فيه مسك ولا قبض ولا إنقطاع،وهو يتنوع بتنوع المحال،فيكون نوراً في المنوّر وظلمة في المُظلم وسكون في المُتوان وحركة في المتحرك وعملاً في العالم وإرادة في المريد وحفاظاً في المحفوظ]. 

    فالكون لا يخرج عن التجليات الإلهية،ووساطة مولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرورية لتخفيف حرارة هذه التجليات..  

(المُستفيض الأول والمُفيض الثاني): هذه العبارة هي ما أشار إليه الشيخ محمد الكتاني في صلاة المتردي بقوله (الأحدي الثاني)،يستمد من الحق ويُمدّ الخلق،وهذه هي مهمة الوسيط البرزخي.. 

يقول الشيخ عبد الحميد التبريزي: [ فيضه الأزلي أولاً على (العقل)، وبواسطته على (النفس)، وبواسطتها على (الهيولى)،وبواسطتها على (العناصر)،وبواسطتها على (المواليد).فكل صورة خاصة حجاب لصورة عامة حتى تنتهي إلى (حقيقة الحقائق)].

    يقول الشيخ عبد القادر الجزائري: [الفيض الأول: هو العقل،لأنه تعالى أبرزه من حضرته قبل كل شيء وأفاضه على عين كل شيء،فظهر كل شيء ممتداً منه بسبب فيضانه عليه].

 (العقل الأول) من مراتب الحقيقة المحمدية..فسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هو (العقل الأول الذي إرتقت فيه الأسرار والفهوم).. 

يقول الشيخ عبد القادر الجزائري: [ الفيض الأقدس: عند الطائفة العلية عبارة عن التجلّي الحُبّي الذاتي الموجب لوجود الأشياء وإستعداداتها في الحضرة العلمية ثم العينية]. 

           يقول الشيخ الجرجاني: [ الفيض المقدس: هو عبارة عن التجليات الأسمائية الموجبة لظهور ما يقتضيه إستعدادات تلك الأعيان في الخارج]. ويذكر الشيخ عبد القادر الجزائري الفرق بين الفيض الأقدس والفيض المقدس،بقوله: [ (الفيض المقدس) مُرتّب على (الفيض الأقدس).فبالأول تحصُل الأعيان الثابتة وإستعداداتها الأصلية في العلم، وبالثاني تحصُل الأعيان في الخارج مع لوازمها وتوابعها].   وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد.  

              الفقير الى عفو ربه رشيد موعشي

106 : عدد الزوار